أسماعيل الجنابي :

 

طوى عام 2014 صفحاتِه على رزنامةٍ ومشهدٍ مثقلٍ بالأزماتِ والجراحِ في خاصرةِ العراقيينَ بالعديدِ من جنباتِه ولا تبدو في الأفقِ أي بوادرَ في إمكانِ حلِّها وتسويَتِها ، ووقفِ دوامةِ العنفِ والقتلِ والتدميرِ المستعرِ إذا استمرَ ذاتُ النهجِ، بل سوفَ تتصاعدُ وتتفاقمُ تأثيراتُها وتداعياتُها السلبية، فالقاسمُ المشتركُ في كلِ تلك الأزماتِ هو الفشلُ في التعاملِ مع قضيةِ الاختلافاتِ الدينيةِ والطائفيةِ التي فجَّرتهَا الدوافعُ الخارجيةُ بأيادٍ محليةٍ رخيصةٍ ،

 

مما جعلَ امكانيةَ التعايشِ السلمي بينَ مكوناتِ العراقِ الواحدِ تترنحُ وتتمايلُ امامَ هذه الريحِ الصفراءِ التي لا تريدُ لأبنائهِ ان يتجانَسوا ويتمَاسكوا ويشدُّ بعضُهم بعضَا ، بل يريدونَ ان يظل عراق الخير والحضارة مفرقًا مفككًا ليتلذذوا برؤية جراحَاته النازفة.

 

 يريدُ هؤلاء الجهلاء المتعطشون للدماء ان يبقى ابناءُ الرافدينِ الشرفاءُ الكرماءُ مهجرينَ ونازحينَ يمدونَ ايدِيَهُم الى موائدِ اللئامِ ،ويحرمونهم من العيشِ في بلدِهم بأمنٍ وامانٍ ، هذه الفئة الضالة لم تشبعَهم غرائزهُم وظلمُهم طيلةَ سنواتِ القهرِ العجاف.

 

مشكلة العراق اليوم تنبع من الاختلاف الفكري في التعايش بين الإسلام السياسي والتيارات المدنية ومفهوم الدولة والديمقراطية، ما جعل هذا التعايش صعب المراس لعدم توفر الإرادة الحقيقية المخلصة بين هؤلاء الخصوم ، فانعكست سلباً على الأرض وانتجت جيلا مسيراً بعقيلة متحجرة مغلفة بموروث خاطئ لا يؤمن بالتسويات الحقيقية وانما يؤمن بالمعادلة الصورية التي تبنى على أساس المعادلة الصفرية التي بموجبها تأخذ كل شيء دون ان تترك للأخر شيئا ، وخير دليل على ذلك ممارسات اصحاب السلطة الذي استأثروا بها وبالثروة والدستور طيلة فترة عشر سنوات ما أعطى رسائل سلبية الى الشريك الاخر في الوطن بأنهم خصوم مستهدفون ومثال على ذلك (المخبر السري و4 إرهاب والاعتقالات العشوائية وقوانين الاجتثاث والمساءلة والعدالة) .
 
العرب السنة عارضوا الدستور بناءً على وحدة العراق ولم تكن لديهم مشكلة فيمن يحكم ، لان المهم عندهم باي عقلية يدار الحكم ، ولكن مع مرور الوقت ونتيجة الحيف والظلم الذي طالهم واستهداف الأصوات العالية لممثليهم ولعدم الاستجابة لحقوقهم المشروعة التي كفلها الدستور واخرها القسوة المفرطة التي استهدفت مناطقهم ، الان بدأت غالبية اصواتهم تعلو مطالبة بالفدرالية ، بعدما كانت الفدرالية مطلبا شيعيا ، أصبحت اليوم مطلبا سنيا من اجل العيش بأمن وكرامة .
 
ما حصل في العراق ، حصل في بلدان أخرى ، ولكن الفرق بينهما هو وجود عقلية مؤمنة بحب الوطن ، ناضلت من اجله وتعذبت بسببه واعتقلت لإيمانها العميق بقدسية قضيته ، فتحقق لها ما وعدت به ، هذه الصفات تجلت في رجل ” مسيحي ” وليس مسلما كما هم ساسة العراق الجدد الذين يتباكون على رسولنا العظيم وال بيته وهم براء مما يبكون ، إن الإسلام هو دين الله الحق ، دين عظيم يحب العظماء، ويحترم المبدعين، ويحيي الشرفاء ، إنه دينُ ساوى بين عمر العربي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، إنه دينٌ يرفض الظلم، ويحرم الاستبداد، ويُلغي فوارق اللون والجنس واللغة .
 
إن الإسلام يحتفي بأمثال نيلسون مانديلا ؛ لأنه دين يقدِّر الفضيلة، ويعظِّم الصبر، ويحثُّ على العدل، وينشد السلام، وينشر الرحمة، ويدعو إلى الإخاء. ولعل المؤسف في عراقنا الجريح انه يخلو من مثل هذا الفارس الصابر المحتسب ، لكنه مليء بأولئك المتاجرين بدماء ابنائه ، فهنيئا لمن يحصل على المجد الدنيوي، وينال الشرف العالمي، ويحرز وسام التضحية، ليلبس تاج الحرية، فيظفر بطاعة الله والإيمان به، واتباع رسوله ، والعار كل العار لمن غدر وخان ونام على صراخ المفجوعين والمكلومين شاهرا عليهم خنجره المسموم.