بعد سلسلة النقد العنيف الذي وجهته العديد من الجهات الرسمية والشعبية لشبكة التواصل العالمية تويتر نتيجة تسامحها وتهاونها مع الاف الحسابات العائدة لداعش على منصتها الرقمية والتي قدرها المحلل السيد برجر بمعهد بروكينجز للأبحاث بـــ 46 الف حساب، رضخت تويتر، الى حد ما، لهذه الانتقادات، وقامت بحذف الاف الحسابات الداعمة، بتغريداتها المختلفة، لفكر داعش وايدلوجيته المتطرفة، بحيث لاحظ العديد من المستخدمين لتويتر، بكل جلاء، غياب او تناقص اعداد هذه الحسابات التي تروج لداعش منذ عدة أشهر بصورة علنية.

وكرد فعل على مايحدث من ” اجتثاث” نسبي لحسابات الدواعش على تويتر، عمد اصحاب هذه الحسابات الى البحث عن منصات اخرى للتسويق لافكارهم من اجل مواجهة خطر اغلاق حساباتهم على فيسبوك وتويتر من جهة، ولمواكبة اخر التطورات الجارية في منصات وسائل الاعلام الاجتماعي الجديد، فوجدوا في احدى برامج التواصل الرقمي على على الهواتف الذكية والاجهزة اللوحية، وهو التيلغرام ، ملجئا جديدا وحصنا من اجل الاجتماع والتواصل وتبادل الاخبار ونقلها فيما بينهم.

تطبيق التيلغرام تأسس من قبل الاخوين بافيل دروف و نيكولاي عام 2013 وهما مؤسسي شبكة التواصل الاجتماعي الروسية VKontakte المعروفة اختصارا VK، وهو يتمتع بمميزات وخصائص جعلت التيلغرام مختلفا وفريدا عن غيره من التطبيقات ، فهو يتسم بنسبة امانة عالية جدا، حيث يسمح للمستخدمين تبادل معلوماتهم ورسائلهم بشكل مشفر، لايُعلم مضمونها حتى على اصحاب التطبيق، وخصوصا الدردشة المشفرة، ويرسل ويستقبل ملفات ووثائق وفيديوهات من اي نوع، ويتم حذف رسائله تلقائيا بمرور الزمن بخاصية تدعى بالتدمير الذاتي للرسائل، كما انه سهل وواسع الانتشار وسريع ويبلغ عدد مستخدميه حاليا 70 مليون مستخدم نشيط في الشهر، ويتم تبادل اكثر من ملياري رسالة يومية من خلاله.

ولم تقف الخصائص عند هذ الحد، بل قام مؤسسوا هذا التطبيق الرائد من تطوير اداة جديدة تسمى القناة (الكتابية)، حيث تم اطلاقها في 22 ايلول من هذه السنة،وتُمكن هذه الاداة صاحب القناة ومن يؤسسها من انشاء قناة لنشر مايود نشره من صور ومقالات وفيديوات لعدد غير محدود من المشتركين فيها، ويمكن ان تكون القناة عامة بحيث يستطيع اي شخص البحث عنها وايجادها والاشتراك بها، او خاصة تقوم هي باضافة من تود اضافتهم او العكس اذا ماتم معرفة الرقم الذي يعود للحساب.

والقناة الجديدة  تتمتع بنوع من الخصوصية الكبيرة للمشتركين فلايمكن لمن اشترك في هذه الخدمة أن يعرفه أحد إلا صاحب القناة فقط دون رقمه الخاص، بالاضافة الى عدم استطاعة  أحد من المشتركين معرفة اسم من أنشأ القناة او رقم هاتفه.

كما توجد خصائص اخرى للقناة وهو وجود اكثر من ادمن لادارتها، ويستطيع اي مشترك معرفة عدد من اشتركوا في القناة دون معرفة هوية كل واحد منهم، ناهيك عن سمة تمكن من يشترك في هذه القناة من قراءة قراءة المنشورات التي تم رفعها قبل اشتراكه في القناة.

وفي تقرير مهم نُشر على موقع BBC بعنوان ( داعش تستغل تطبيق التيلغرام من اجل نشر دعايتها) تجد كيفية بدء تحول داعش والمنظمات الارهابية كالقاعدة الى المنصة الجديدة،  فاشار الى انه وبعد اطلاق التطبيق باربع ايام انشأ داعش قناة جديدة بعنوان ناشر يتواجد فيها لحظة كتابة التقرير 4500 متابع، وبدأ داعش ينشر فيها بياناته في التيلغرام قبل نشرها في تويتر بعدة دقائق في بعض الاحيان، وبهذا تكون هذه القناة اول قناة رسمية لداعش في التيلغرام وفي وسائل التواصل الحديثة بعد ان تم اغلاق حسابه الرسمي على تويتر منذ تموز عام 2014 ولم يعد له حينها اي حساب رسمي.

كما اطلق تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وجماعة انصار الشريعة الليبية قنواتهم الخاصة على تطبيق التيليغرام في  25 و 26 من سبتمبر على التوالي.

ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل  قامت احدى الصفحات بوضع رقم هاتف عراقي من اجل الاضافة في تيلغرام ونشر اخر اخبار عملياتهم في العراق، وخصوصا فيما يتعلق ببعض الرهائن وعمليات الابتزاز.

الخطر الاكبر في هذه الصفحات الارهابية ان الحوارات والنشر فيها مشفر، بل تحدى تيلغرام اي شخص يستطيع فك شفرة هذه الحوارات، وقامت اكثر من ذلك ! حيث تحدى مؤسس التيلغرام اي شخص يستطيع فك شفرات المحادثات ووعد باعطائه مبلغ ٢٠٠ الف دولار ان فعل ذلك.

وهذا يعني ان الحوارات وكل ماينشر ومايتم تداوله بين الجماعات الارهابية على التيلغرام غير خاضع للمراقبة حتى من قبل التيلغرام الذي لايستطيع مشاهدة بعض الحوارات، ما يعني توفير ارضية آمنة للارهاب للتخطيط والعمل والتنسيق من اجل تنفيذ مخططاتهم الارهابية التي تتحدى القيم الانسانية.

ومع هذا المخاطر ادرك مؤسس تيلغرام ما يمكن ان تؤول اليه الامور ، وواضوح بانه سيمنع اي نشاط ارهابي على هذه المنصة واعترف بان هجمات استراليا الي حدثت قبل عدة اشهر قد تم تنسيقها في التيلغرام، الا ان هذا الوعد، وفي ظل ماتقدم من خصائص للتيلغرام، قد يبدو بعيدا عن التحقق واقرب الى الاماني منه الى الواقع .

يبدو ان للتطور التقني في العالم الرقمي اوجه اخرى لانراها في لحظات نشوة اصحابها باختراعها واعلانها للعالم، وهي اوجه ظلامية لها نتائج قيمية تتعلق بحياة الانسان والامان الذي يطمح ان يعيش فيه والذي هو أحد اهم احتياجات الذات البشرية على حد وصف العالم الشهير ماسلو.

وقد سُئلت، في مداخلة هاتفية مع نشرة اخبار قناة الان الاماراتية ، عما ينبغي عمله لمواجهة مثل هذه التطبيقات ..فاجبت بان القضية لها بعد يتعلق باصحاب هذه التطبيقات الذين ينبغي ان يفكروا في النواحي السلبية لمثل هكذا سمات ” خطرة ” توضع في هذه التطبيقات، وان لايفكروا في النواحي المالية لها فحسب، كما ان هنالك بعدا اخر يرتبط بالحكومات العربية واجهزتها الامنية التي ينبغي ان توقف عمل مثل هكذا تطبيقات ولاتسمح لها بالعمل في المنطقة العربية التي تحترق وتشتعل بفعل الارهاب والتحريض عليه والتسويق له بواسطة هذه التطبيقات التي تعتمد تكنولوجيا حديثة .