موسوعة شعراء العربية المجلد السادس- الجزء الثاني شعراء العربية في الاندلس

د فالح الكيلاني 

ابن اللبانة الاندلسي
هو ابو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي الأندلسي المشهور ب(ابن اللبانة ) وقيل كني بذلك لكون أمه كانت تبيع اللبن .
ولد في مدينة( دانة ) الأندلسية، وكانت تسمى ( جزيرة البليار) ونشأ فيها وتعلم وإليها ينتسب فقيل ( الداني ). وهو أحد شعراء الأندلس المشهورين وأحد وجهاء دولة ( محمد بن معن بن صمادح )، اتخذ من الشعر صنعة، فمدح ملوك الطوائف والأمراء، ونال جوائزهم، وحظي بالرتب العالية عندهم وخاصة على صاحب ( ميورقة) ناصر الدولة ( مبشر بن سليمان) وكان المعتمد بن عبّاد أحد أشهر ممدوحيه وكان قد اتخذه صديقا حميما وكان المعتمد يعجب لجمال شعره وما يأتي به من الغريب والنادر.
ولما دخل ( يوسف بن تاشفين)- مدينة ( إشبيلية ) اسر اميرها – وهو صاحبه -المعتمد ابن عباد – وحُمِله مقيداً مع أهله إلى( مراكش) ومنها إلى أغمات اسيرا فبقي ابن اللبانة وفياً لممدوحه بعد الأسر، وذكره في شعره بعدة قصائد . و يصف رحيل المعتمد عن ( إشبيلية ) بعد أن اقتاده المرابطون أسيراً فيقول :
حان الوداعُ فضجّت كل صارخةٍ
وصارخٍ من مُفداة ومن فادِي
سارت سفائنُهم والنوْحُ يتبعها
كأنها إبل يحدو بها الحادي
انتقل ابن اللبّانة الى جزيرة ( ميورقة )، وكان أَميرها ( مبشّر العامري) الملقّب ( الناصر)، فحظي عنده بمكانة عالية، وعلت منزلته، ومدحه بقصائد أجاد فيها، ومن أشهر قصائده فيه قصيدته المشهورة التي تفنن في نظمها صَدْرُ ابياتها غزلٌ وعَجُز ُابياتها مدحٌ فيقول :
وتبسمت عن جوهر فحسبته
ما قلدته محامدي من جوهر
وتكلمت فكأن طيب حديثها
متعت منه بطيب مسك اذفر
هزت بنغمة لفظها نفسي كما
هزت بذكراه أعالي المنبر
اذ نبتُ واستغفرتها فجرت على
عاداته في المذنب المستغفر
ولثمت فاها فاعتقدتُ بانني
من كفّه سوغت لثم الخِنصِر
سمحت بتعنيقي فقلت صنيعة
سمحت علاه بها فلم تتعذر
نهدٌ كقسوة قلبه في معرك
وَحَشاً كلين طباعه في محضر
ومعاطف تحت الذوائب خلتها
تحت الخوافق ماله من سمهري
عاديت فيها عزّ قومي فاغتدوا
لا أرضهم أرضى ولا هم معشري
طافت علي بجمرةٍ من خمرةٍ
فرايت مرِّيخاً براحة مشتري
فكأن أنملها سيوف مبشرٍ
وقد اكتست علق النجيع الأحمر
ملكٌ أزرة بُرده ضُمّت على
باس الوصي وعزمة الاسكندر
وقيل أنّ ابن اللبانة رأى أحد أبناء المعتمد بن عباد بعد زوال ملك ابيه وقد جلس في السوق يتعلم الصّياغة ليعتاش فيها فقال:
صرّفت في آلة الصّيّاغ أنملة
لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتّقبيل تبسطها
فتستقلّ الثّريّا أن تكون فما
للنّفخ في الصّور هول ما حكاه سوى
هول رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك به
لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطّك الدهر لمّا حطّ عن شرف
ولا تحيّف من أخلاقك الكرما
لُحْ في العلا كوكباً إن لم تلح قمرا
وقم بها ربوة إن لم تقم علما
توفي الشاعر ابن اللبانة بمدينة ( ميورقة) الاندلسية سنة \507 هـجرية – 1113 ميلادية .
ترك من الكتب المشهورة ثلاثة :
(مناقل الفتنة)،
(نظم السلوك في وعظ الملوك) في رثاء بني عباد،
(سقيط الدرر ولقيط الزهر) ويتضمن ما جمعه من شعر اللمعتمد بن عباد
يتميز شعر ابن اللبانة بسهولة الألفاظ ، جيد المعاني، يعتمد فيه على الطبع و القريحة، بعيدا عن كل تصنع أو تكلف نبيل المأخذ، مرصوص المباني ممتزج الألفاظ والمعاني كثير الإبداع، جمَع بين سهولة الألفاظ ورشاقتها، وجودةِ المعاني ولطافتها و كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته وقد قال في كل الفنون الشعرية واجاد يقول :
يا روضة أضحى النسيم لسانها
يصف الذي تُخفيه من آراجها
ومن اعتدى ثم اهتدى لطريقةٍ
ما ضل مَن يسعى على منهاجها
طافت بكعبتك المعالي اذرأت
ان النجوم الزهر من حجاجها
شغلت قضيتُك النفوس فاصبحت
مرضى وفي كفيك سر علاجها
انت السماء فما بها لك رفعة
اطلع علينا الشهب من ابراجها
وضحت مفارقُ كل فضل عنده
فاجعل قريضك درة في تاجها
وله العديد من الموشحات الشعرية الاندلسية و منها هذه الموشحة التي عارضها الكثير من الوشاحين بعده :
في نرجس الاحفاد وسوسن الاجياد
نبت الهوى مغروس بين القنا المياد
يستهلها بالوصف والغزل ويختمها بالمديح للال عباد .
و (يستوقف المرء في أثناء مطالعاته مواقف تجذبه إليها، بما حوتْه من معانٍ إنسانيَّة نبيلة، ومروءة فذَّة تَمضي الأزمان وتبقَى هي متلألئة كقِطعة الألْماس بيْن الرِّمال، لا تحيل الأيام بهاءَها، ولا ينال الزمن مِن نفاستها، وأيَّة عظمة أسْمى من خُلُق الوفاء، وتحمل المشقَّات في سبيله بعد أن تغيَّر الزمن، وتبدَّلتِ الحال في زمن يجري الناسُ فيه وراءَ أصحاب الجاه والسُّلطان، وينسون مَن كان يملأ أسماعَ الدنيا بالأمس حينما يذهَب سلطانه، ويُصبح أسيرَ بيت لا يكاد يجِد فيه الكفاف، وهو الذي كانتْ تغمر عطاياه كلَّ مَن حوله، ويقصده المادحون مِن أقصى الأرض؟!
في هذا الجوِّ تجِد رجلاً يأسره الوفاء، وتشدُّه المروءة، فيعرف لصاحبِ الفضْل السابق أياديَه، ويذكر مجدَه بعدَ الأفول ويَطوي الأرض وراءَ مَن كان بالأمس ملءَ سمْع الدنيا وبصرِها بعدَ أن صار نزيلَ الأسْر والفقْر والحاجة، فتستوقفنا عظمةُ نفْسه ونُبل وفائه، وتستحقُّ منَّا التسجيل والإشادة) وكان هذا الرجل هو ابن اللبانة في وفائه للمعتمد بن عباد بعد اسره .
وفي خاتمة البحث اقول رثَى ابن اللبانة دولة بني عباد بمرثية مِن عيون المراثي في الشِّعر العربي ومنها هذه الابيات يقول :
تبكي السماء بمزنٍ رائحٍ غادي
على البهاليل من أبناء عباد
على الجبال التي هدت قواعدها
وكانت الارض منهم ذات أوتاد
والرابيات عليها اليانعات ذوت
أنوارها فغدت في خَفضِ أوهاد
عِرِّيسةٌ دخلتها النائبات على
أساود لهمو فيها وآساد
وكعبة كانت الامال تعمرها
فاليوم لا عاكف فيها ولا باد
تلك الرماح رماح الخط ثقفها
خطب الزمان ثقافاً غير معتاد
والبيض بيض الظبى فلت مضاربها
أيدي الردى وثنتها دون اغماد
لما دنا الوقت لم تخلف له عدةٌ
وكل شيء لميقات وميعاد
كم من درارى سعدٍ قد هوت ووهت
هناك من درِرِ للمجد أفراد
نورٌ ونور فهذا بعد نعمته
ذوي وذا خبا من بعد ايقاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ
في ضم رحلك واجمع فضله الزاد
ويا مؤمل واديهم ليسكنه
خفّ الفطين وجف الزرع بالوادي
ضلت سبيل الندى بابن السبيل فسر
لغير قصد فما يهديك من هادي
وأنت يا فارس الخيل التي جعلت
تختال في عدد منهم وأعداد
ألق السلاح وخلّ المشرفي فقد
أصبحت في لهوات الضيغم العادي
من يؤت من مأمن لم يجده حذر
وقاتل نفسه ما أن له راد
ومن يسّد عليه الضّر ناظره
فليس ينفعه أن الضحى باد
لا عطر بعد عروس في حديثهم
قد أقفر الحي من هند ومن عاد
خانت أكفهم الاعضاد فانقطعوا
وكيف تقوى أكف دون أعضاد
غابت عن الفلك الأرضي أنجمهم
فليس للسعد فيهم نور اسعاد
ويدلوا غيرنا قوماً فنحن نرى
تركيب أرواحنا في غير أجساد
هي المقادير لا تبقي على أحد
وكل ذي نفس فيها لآماد
وأسوة لهم في غيرهم حسنت
فما شماتة أعداء وحسّاد
ان يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا
وقد خلت قبل حمص أرض بغداد
نقول فيهم وهم أعلى برامكة
فالحال ذا الحال إفساد كافساد
كانت أسرتها من فضلها بهم
مثل المنابر أعواداً بأعواد
انا الى اللَه في أيامهم فلقد
كانت لنا مثل أعراس وأعياد
هم الشواهق فيها كهف معتصم
مثل الأباطح فيها خصب مرتاد
تباً لدنيا أذاقتهم حوادثها
برح العذاب وما دانوا بالحاد
أضحت مكسرة أرعاط أسهمهم
واسهم الدهر فيهم ذات اقصاد
ذلوا وكانت لهم في العزّ مرتبةٌ
تحط مرتبتي عادٍ وشداد
كانوا ملوكاً ملوك الأرض فانصرفوا
ومالهم حومة فيها ولا ناد
حموا حريمهم حتى اذا غُلبوا
سيقوا على نسقٍ في حبل مقتاد
تبدلوا السَجن بعد القصر منزلةٌ
وأحدقوا بلصوص عوض أجناد
وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا
فويق دهم لتلك الخيل أنداد
وعيث في كل طوق من دروعهم
فصيغ منهن أغلال لأجياد
وغُيرت نشوات اللائذين بهم
بمثل ما قصفوا من كل مناد
تُرى نرى بعد أن قامت قيامتهم
من يوم بعث لهم فينا وميلاد
وهل يكون لهم زندٌ يُرى فيرُى
لنارهم هبة من بعد إخماد
نسيتُ الاغداة النهر كونهم
في المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا
من لؤلؤ طافيات فوق أزباد
حُطّ القناعُ فلم تستر مخدرة
ومزقت أوجه تمزيق أبراد
تفرقوا جيرة من بعدما نشأوا
أهلاً بأهل وأولادا بأولاد
حان الوداع فضجت كل صارخة
وصارخ من مفداة ومن فاد
سارت سفائنهم والنوح يصحبها
كأنها ابل يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملت
تلك الفظائع من قطعات أكباد
من لي بكم يا بني ماء السماء اذا
ماء السماء أبى سقيا حشا الصادي
وأين ألقاكم في الروع من فئة
مدربين على الهيجاء أنجاد
كأنما سكبت في جوف بارقةٍ
بنار نور من المريخ وقّاد
واين معتمدٌ نعمى يقسمها
مرعى وماء لزوار وروّاد
واين يوضح لي هدي الرشيد ضحىً
أجلو به في ظلام الغي ارشادي
واين لي كنف المعتد منزلةً
على احتفال من النعمى واعداد
مكارم ومعال كنت بينهما
كأنني بين روضات وأطواد
لقاكم الله خيراً انكم نفر
لم تعرفوا غير فعل الخير من عاد
إن كان بعدكم في العيش من آرب
فإن في غصصٍ عيشي وأنكاد
امير البيان العربي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.