قراءة في كتاب : كاظم عبدالجبار / شاعر غنائي توارى منسياً في متاهات الزمن / الكاتب الاستاذ لطيف عبد سالم

الشيء الجميل ان نتذكر مبدعينا , الذين طواهم الزمن بالنسيان والاهمال , ونزيح عنهم غبار الاهمال , ونعيد احياء تراثهم الابداعي , الذي تركوه في الذاكرة العراقية , ورحلوا الى رحمة الله الواسعة . وهذا الكتاب للاستاذ الاديب الباحث ( لطيف عبد سالم ) يستحق الثناء والتقدير الى مبادرته الرائعة , في الجهد التوثيقي والتاريخي للسيرة الابداعية في الشعر الشعبي والغنائي للشاعر الغنائي الراحل ( كاظم عبدالجبار ) . الذي طاله الظلم والاجحاف والجحود من المؤسسات الثقافية الرسمية والاهلية , وحتى من الافراد من ذوي الاختصاصات بالادب والفن والنقد . رغم ان الراحل قدم الكثير من القصائد الغنائية الى العديد من المطربين والمطربات . الذين احتلوا الساحة العراقية الغنائية آنذاك في السمعة المشهورة . وكانوا عناوين في تطوير الاغنية العراقية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي . فكان الشاعر الغنائي الراحل , طاقة ابداعي غزيرة في انتاجاته في مسرته الابداعية في الشعر الغنائي , وكذلك عمل في مجال الاعلامي والاذاعي . واحتلت قصائده الغنائية موقعاً مرموقاً بالاداء بالاصوات المرموقة آنذاك , واحتلت موقعاً هاماً في الاوساط الشعبية والفنية . بتشوق وشهرة واسعة . كان الراحل من عائلة فقيرة وكادحة , تواجه الصعوبات في المعاناة وشظف الحياة القاسية . لذلك ترسخت في ذهنه شغف وبساطة الانسان الشعبي , في حزنه وهمومه , في حبه واحلامه وفي رغباته البسيطة . وفي ترجمة خلجات خواطر الوجدان . واعتبرت الاغاني التي كتب قصائدها من التراث الشعبي الغنائي . وظلت خالدة في وجدان الانسان العراقي يرددها في الاحزان والافراح . ولاسيما ان نجح هذه الاغاني الشعبية , هي حصيلة ابداعية متكاملة من الكثير من رواد الموسيقى واللحن والاداء الغنائي , ونذكر منهم . الملحن الكبير طالب القره غولي . كوكب حمزة . كمال السيد . فاروق هلال وغيرهم . وكذلك غنى من المطربين والمطربات من الاسماء اللامعة والكبيرة منهم : جاسم الخياط . أمل خضير . حسين نعمة . فاضل عواد . المطربة الكبيرة مائدة نزهت في تحفتها الرائعة ( ياهوى ) من الحان الملحن فاروق هلال. ومن الاغاني التي اشتهرت على نطاق واسع من قصائده الغنائية , نذكر منها . غنية ( للناصرية / خدري الجاي خدري / بأداء بصوت جاسم الخياط . اغنية ( كذاب / ثنائي جاسم الخياط / امل خضير ) اغنية ( اتنه أتنه ) . اغنية ( يابو حجايات البريسم ) واغنية ( تعاليلي ) والكثير من الاغاني التي قدمها في مشواره الابداعي , التي جسدت الروح العراقية الشعبية في همومها واشجانها . وكانت بنت الظروف الاجتماعية السائدة . وكذلك عمل في الاعلام والاذاعة . وتكلل برنامجه الاسبوعي بالنجاح الكبير في زخم التواصل مع الجمهور السامع . فكان يمتلك روحية غنائية في قصائده تنثال بشكل شفاف وعذب وفي دلالاتها الثرية , التي تجعل الروح العراقية تترنم وتترنم في لحن اغنياتها بشوق مرهف ومتلهف الى سماعها في الصوت الغنائي , الذي يعبر عن الروح العراقية الاصيلة وانعكاساتها الاجتماعية , في الحب والحزن التي تروي الظمأن في النسائم العذبة , لانها من صلب الحياة الشعبية والاجتماعية .
ينحدر الشاعر الغنائي الراحل ( كاظم عبدالجبار ) من مدينة السماوة الفراتية . المدينة التي انجبت الكثير من المبدعين الكبار في كل المجالات , في الادب والشعر والفن . وهذه مدينة الرجال الشجعان سجلت مأثرة بطولية وتأريخية في ملحمتها الوطنية . في موقفها الشجاع والبطولي في محطتها التي ارتبطت بقطار الموت . في هبتهم الشعبية رجالاً ونساءاً واطفالاً في انقاذ حياة 500 سجين سياسي من الموت المحقق . في نخوتهم العراقية الاصيلة التي ابعدت الموت عنهم وهم في فم الذئب الوحشي الكاسر .
أن كتاب الاستاذ الباحث ( لطيف عبد سالم ) يعتبر مبادرة شجاعة في جهد فردي في احياء التراث الشعبي والغنائي للشاعر الراحل . ليزيل غبار النسيان والاهمال في الزمن الظالم والمجحف , ويتحمل مسؤوليته المؤسسات الثقافية الرسمية والافراد , بعدم احترام الكنوز الابداعية واهمالهم بشكل مجحف . بينما الشعوب المتحضرة تعتبر المبدع كنزاً لا يعوض بثمن . لذلك يكونون في خدمته في تقديم الدعم والعون والمساعدة بشكلها المعنوي والمادي . نحن في العراق الذي يتميز بالظاهرة السلبية , نتنكر بظلم واجحاف الى المبدعين حتى لانقف معهم هم في امس الحاجة , مثل المرض والعوز المادي , وتسهيل عليهم صعاب الحياة وتخفيف وطئتها الثقيلة , ودعمهم من اجل تطوير الثقافة العراقية في جميع ميادينها . وما اصاب الشاعر الغنائي الراحل ( كاظم عبدالجبار ) هو ظاهرة عراقية عامة , في اهمال ونسيان المبدع في الحياة والموت . رغم ان ماقدمه الشاعر الغنائي الراحل الكثير في تطوير الاغنية العراقية , وخاصة في الستينيات والسبعينيات , في زمن ازدهار الاغنية العراقية في ذلك الوقت , واصبحت من التراث الشعبي الخالد . والكتاب يتابع مسيرة حياة الشاعر الغنائية . منذ ولادته وسير حياته الاجتماعية وحتى اختطفه الموت ورحيله الابدي الى رحمة الله الواسعة . لذلك ان الكتاب يعتبر بحق جرس التنبيه في الذاكرة العراقية . في تذكير بأحد المبدعين الذين قدموا الكثير . وهي دعوة صريحة الى ذوي الاختصاص في الشعر والفن والنقد , ان يزيحوا غبار الاهمال والنسيان . والكتاب يعتبر توثيق تاريخي للقراء والنقاد والباحثين والدارسين . لذلك ان هذا الجهد الكبير في اصدار هذا الكتاب للاستاذ الاديب الباحث ( لطيف عبد سالم ) يستحق الدعم والاهتمام والتقدير , بما تحمله من جهد مضني في البحث والتعب في جمع المعلومات , والرأي والشهادة . في التذكر من المجهولين من المبدعين الذين قدموا رحيق حياتهم الابداعية , الذين دخلوا في متاهة النسيان . ولابد من الاشارة الى المقدمة الرائعة في الكتاب التي قدمها الاستاذ ( حسين سرمك ) ايقونة النقد الادبي . ويملك طاقة فذة في تتبع الابداع والمبدعين , بهمة عالية بدون كلل , بل بجهد مثابر يفوق الوصف ما يخص الشأن الثقافي والادبي , ويقدم الدعم المعنوي الكبير لكل من هو بأمس الحاجة اليه . وما قدمه من مقدمة استعراضية دخلت في عمق مشكلة النسيان والاهمال , في التحليل والتفسير والتشخيص المدهش الى الدوافع والغايات من الاهمال . وفي التطرق الى هذه المسألة الحيوية وربطها بتجربة الشاعر الغنائي الراحل ضمن السياق العام , وقدم صور مؤسفة من الاهمال , من المؤسسات الثقافية الرسمية , والافراد من ذوي الاختصاص في مسائل الادب والفن والنقد , بطرح آراء شجاعة بهذا الصدد . بأن الاهمال والنسيان للمبدعين يرتقي الى جريمة , وهي ظاهر عامة تطال الجميع من المبدعين الذين لفهم الظلم والاجحاف والحيف , بالصمت كصمت القبور من المؤسسات الثقافية الرسمية القائمة . وهي حقاً كما يصفها استاذنا الجليل ( حسين سرمك ) هل من المعقول والانصاف , حين يخطف الموت اي مبدع مرموق , ان تكون مراسيم التشيع على تقتصر على افراد معدودين ؟ . اية جريمة نقترفها نحن بحق مبدعينا , يجب ان نملك شجاعة الخجل من هذه الجريمة الثقافية . يجب ان يتساءل كل واحد منا هل هذا العدل والانصاف في تكريم المبدع الراحل واي مبدع آخر ؟ انها ( جريمة الثقافية اذا ساغ الوصف , انها في الحقيقة ( جريمتنا ) افراد ومؤسسات نعلق ثيابها السود على شماعة الزمن , فقد اسهمنا جميعاً – بلا قصد واعٍ طبعاً ولكن وفق احكام البنية اللاشعورية العميقة المستترة الحاكمة – في تغييب ذكر هذا الشاعر المهم وخصوصاً في مجال الاغنية , اذ لم يفكر ناقد في تناول منجزه الشعري , لم تحاول مؤسسة ثقافية رسمية نفض الغبار عن ذكراه ) ص14 . واعتقد انها ظاهرة عراقية في امتياز تختلف عن الشعوب المتحضرة في تكريم وتذكير في انجازات المبدع , وفي الدعم المعنوي والمادي في حياته وفي مماته . لذلك يأتي من هذه المنطلقات اهمية الكتاب القيم والغني عن حياة الشاعر الغنائي الراحل , في تذكير المؤسسات الثقافية , وايقاظ عقلها وضميرها بالتذكير بالمبدعين , الذين قدموا للعراق الكثير , وهم كنوز العراق الثمينة لا تعوض بثمن .
وقد قسم الكتاب الى ست فصول ، أتناولها باختصار شديد :
1 – الفصل الاول : محطات توقف في حياة الشاعر الغنائي الراحل منذ ولادته وحتى اختطفه الموت مبكراً. في وقفات تاريخية في سيرة حياته , ومحطاته الابداعية في الشعر الشعبي والغنائي . فهو ينتمي الى عائلة فقيرة كادحة , لم يتمكن من مواصلة دراسته بسبب الظروف المعيشية الصعبة لعائلته , فتطوع في الجيش وبعد ذلك دخل في السلك الاذاعي والاعلامي في اذاعة القوات المسلحة , واكمل مشواره حتى تقاعده المبكر بسبب المرض العضال . وبعد ذلك انتقل بصمت ونسيان الى جوار ربه , عام 1980 في شهر حزيران .
2 – الفصل الثاني : استقراء ابداعي في الشعر الشعبي والغنائي , والمساهمة في تطوير الشعر الغنائي وتطوير الاغنية العراقية . وقدم قصائده الغنائية الى الكثير من المطربين والمطربات البارعين الذي اشتهروا في تلك المرحلة التاريخية في الغناء العراقي .
3 – الفصل الثالث: حصيلة منجزه الشعري والغنائي , في تسجيل وثائقي , وقدم الكثير من الاغاني العراقية التي ظلت حية في الذاكرة العراقية الشعبية . وقد اشاد الكثير من الملحنين والموسيقين في موهبته في الشعر الغنائي , منهم الملحن الشعبي المعروف ( محمد نوشي ) الذي قال عنه بأنه ( احد ابرز رواد الاغنية البغدادية والريفية , فضلاً عما تركه من بصمات على جيل كبير من المطربين والمطربات ) ص84 .
4 – الفصل الرابع : اللغز المحير في محطات حياة الشاعر الغنائي الراحل . تبرز بعض المواقف المؤلمة والموجعة , حتى بعضها لا يمكن تفسيرها , مثلاً طرده من عمله الاعلامي والاذاعي من المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون , رغم انه في قمة ابداعه المتواصل , وتشوق الناس الى برنامجه الاذاعي الاسبوعي . واحيل على التقاعد وخطفه الموت مبكراً . ولد عام 1937 . وتوفي عام 1980 . يعني توفي في عمر مبكر وهو في 43 عاماً. ثم ضياع ارشيفه الاعلامي والاذاعي في اشرطة التسجيل بشكل كامل . وضياع ارشيفه في الصور الكثيرة من خلال عمله المشترك مع الفنانة الكبيرة ( سليمة خضير ) وكانت تحتفظ بالكثير من الصور لكنها احترقت في حادثة احتراق منزلها . ثم ضياع ديوانه الشعري الاول , الذي جمع حصيلة قصائده في الشعر الشعبي والغنائي ولم يعثر عليه لحد الآن .
5 – الفصل الخامس : شاعر منسي من المؤسسات الثقافية والاعلامية , في ضياع ارشيفه الشعري في المجلات التي كان يواصلها في النشر آنذاك . ثم توارى عن الانظار في الاهمال والنسيان من هذه المؤسسات , حيث لم تقم حتى بتكريم واحد في مهرجان شعري , او تكريمه في التأبين في خبر وفاته .
6 – الفصل السادس : اراء وشهادات من الذين ساهموا وعملوا معه , او من الذين عاصروا حياته آنذاك , أو من الذين ذوي اختصاصات في الشعر والموسيقى والغناء من الفنانين والفنانات الذين منحهم قصائده الغنائية , وصعدوا على سلم الشهرة في ادائهم الغنائي المرموق . لكن جهد الاستاذ الباحث ( لطيف عبد سالم ) في البحث المضني في تسجيل رأي او شهادة , لبعض الذين قدم لهم افضل الاغاني التي اشتهرت في تلك المرحلة وحصلوا على الشهرة الواسعة . امتنعوا في المساهمة باعذار وحجج غير مقنعة , في تقديم رأي او شهادة تسجل للتاريخ . هذا الجحود والرفض لا يوصف إلا بأنهم ناكري الجميل . ولكن بعض الاخر لبى الدعوة بحب واحترام , وحتى ان بعضهم على فراش المرض . هؤلاء يمثلون قمة الوفاء العراقي .
× الكتاب : كاظم عبدالجبار / شاعر غنائي توارى منسياً في متاهات الزمن
× المؤلف : الاستاذ لطيف عبد سالم
× الطبعة الاولى : عام 2020
× عدد الصفحات : 161 صفحة
جمعة عبدالله