عباس وحسن والموسوعة السياسية وصراع الفرق والطبيعة وأنا !

عباس وحسن والموسوعة السياسية وصراع الفرق والطبيعة وأنا !

احمد الحاج
عباس نائب عريف في الجيش العراقي تعرفت عليه خلال الحرب العراقية – الايرانية وهو مواطن بصري طويل ونحيف كان مثقفا وهو خريج كلية الزراعة ويحفظ الموسوعة السياسية والقاموس السياسي عن ظهر قلب – لماذا كان يحفظها آنذاك ؟ لا أدري حقيقة مع ظني بأنه كان يساري الهوى وإن كان يكتم يساريته خشية على رقبته آنذاك وكنت وكلما أردت تعريفا لمصطلح سياسي ما أسارع من فوري وأيمم وجهي شطر موضعه واسأله ” عباس حبيبي ، شنو معنى دوغماتية ؟ ” فيأتيني الجواب الفوري وكأنه آلة حاسبة ” خويه الدوغماتية = المعتقد الاحادي والتعصب للفكرة – أية فكرة وأي معتقد – مع التعسف لها وعدم السماح لأي كان بمناقشتها ودحضها ولو أفحمته بكل الأدلة والبراهين المناقضة لما يعتقده !” .
فأقول له ” همممم ..على هذا التوصيف يعني أننا دغماتيون جميعنا حتى النخاع من حيث لانعلم لأن كل واحد منا يرفض رفضا قاطعا مناقشة فكرته ومعتقده ويصر عليه ولو ظهر له الحق بخلافه جليا !
فيقول ” عليك نور،وعريف ناهض واحد من اكبر الدوغماتيين في الكتيبة وإن كان لايفهم معنى الدوغماتية ولم يسمع بها يوما لأنه لايسمح بنقاش فكرته ودحض آرائه وان كانت خاطئة بالمطلق “.
عباس صديقي ما معنى ” البراغماتية ؟” فيجيب ” أما هذه فهي الذرائعية والواقعية وشعارها النتائج هي التي تثبت صحة الافكار، ورئيس عرفاء عامر الذي لم يطلع على البراغماتية في حياته ولايستطيع تلفظها ولن يفهم معناها ابدا ، هو واحد من أبرز البراغماتيين في هذه الوحدة العسكرية لأنه يقوم بالفعل إجتهادا من دون أوامر عليا بشأنه وبعد أن ينجح على أرض الواقع يقول – شوفوا حبايبي ..لحد يناقشني بعد ، نجاح الفعل اكبر دليل على صحته !!!”.
همممم …طيب وماذا لو ان هذا الفعل قد فشل فشلا ذريعا وأسفر عن كارثة ؟!
عباس كان يعشق شرب الشاي وتناول الكليجة فكنت أغريه بهما أملا بالحصول على مزيد من التعريفات السياسية القيمة على لسانه – بقواري شاي مهيل وكليجة منزلية – أحتفظ بأم التمر وأم الجوز منها خصيصا لعباس وأدعوه لتناولها مع أقداح الشاي السيلاني ذاك أنه وقبل أن يقضى على – القوري – كله ويعبه في جوفه عبا اكون قد حصلت على تعريف لعدة مصطلحات سياسية مهمة نحو – الشوفينية ، البيروقراطية ، الليبرالية ، الاتوقراطية ، التيوقراطية ، الارستقراطية ، ديماغوجية ، راديكالية ، تكنوقراطية …” .
عباس كان مسؤولا عن رباعية لمقاومة الطائرات وكان مدمن خمر مع الاسف ، وكان لايصحو ولايحافظ على عقله ومنطقه وتوازنه سوى في الجيش ولكن وخلال الاجازة الدورية كان يقضي معظم نهاراته ولياليه ثملا في الحانات يتنقل من واحدة الى اخرى هربا من واقعه البائس على وصفه وبزعمه ، ولكن والحق يقال لقد انتفعت كثيرا من تلكم التعريفات السياسية التي كان يتحفنا بها مع ربطها بأمثلة واقعية وبشخوص يعيشون معنا وبيننا الى اليوم ، قابلها يومئذ فهم وربط من نوع آخر لمثقف ثان كان يتحفنا بها العريف حسن وهو من أهالي النعيرية والكيارة وهذا الاخير وبخلاف الاول كان متيما بالتأريخ والفلسفة ويحفظ الفرق والعقائد والملل والنحل عن ظهر قلب ولطالما أبهرني بتعريفات وصفات وأفكار كل منها الا انه لم يكن يجيد ربطها بأمثلة مستنبطة من الواقع بخلاف عباس فكنت أتولى بنفسي عملية الربط والمقارنة والمناظرة ليس مع البشر فحسب بل ومع الطبيعة ايضا …واشد ما لفت انتباهي هو الوصف الذي كان يطلقه كل فريق منهم على الاخر ..فالواقفية مثلا شبههم خصومهم بأنهم ” كالحمار الحنور وكالكلب الممطور ” لأن الحمار من الحيوانات التي – تحرن – بمعنى أنها تتوقف في الطريق فجأة من دون اي سبب ظاهر وترفض المسير مطلقا مهما تعرضت للاذى الا انك لو امسكت بخطامها واعدتها الى الوراء من حيث جاءت لسارت معك بكل هدوء بمعنى ان من يعتقد فكرا مشوها فإنه هو من سيحدد الطريق الذي يسير عليه اتباعه ولن يسمح بأن يسيره احد وبخلاف ذلك فإنه سيحرن لامحالة ولو ادى ذلك الى هلاكه ولاحل مع هؤلاء الا بالعودة الى -المنابع والاصول والجذور – ..كذلك الكلب الممطور والكلب نجس فأذا ما امطرت عليه السماء ماءها قام بنفض جسده فتناثر ماؤه النجس في كل مكان من حوله فينجسه = إن الفكرة الخاطئة والمجانبة للصواب لن تكون حكرا على صاحبها بل ستنجس وتفسد عقول البقية الباقية من حوله بالتدريج اذا لم تجد من يكبح جماحها ويلجمها مبكرا ، وكلما زادت هذه الفكرة مطرا وامطارا كلما زادت نجسا وتنجيسا للمحيط …الخوارج كذلك وقد عد العلماء فيهم 40 صفة مذمومة وخصلة خطرة يناقض ظاهرها باطنها حتى انهم ليكادون يشبهون في ذلك قناديل البحر السامة التي تتمتع بجمال آخاذ ظاهرا يغريك بالتقرب منها الا ان في لسعاتها السم الزعاف المميت لامحالة ا!
توصيفات الجماعات المتناحرة فكريا وعقديا ضد بعضها بعضا وجلها تشبيها بالحيوانات والتي كان يبهرنا بها حسن أطلقت لمخيلتي العنان وسمحت لي بقياسها كلها على الطبيعة …فالنمل الاسود العملاق حين كان يهاجم من قبل النمل الاسود ذي الندبة الحمراء في ظهره بعشرات الالوف – هذا النوع من المعارك المميتة ليس بمقدورك مشاهدته الا في أعالي الجبال الخاوية وقد شهدت أحدها يوما ولو كانت معي كاميرا فيديو لشاركت بهذا الحدث في ناشيونال جيوغرافيك ولربما حصلت على جائزة رفيعة ، ولو نشرته في عصر التواصل والاتصال الحالي على يوتيوب أو أنستغرام أو فيس بوك لحقق ملايين المشاهدات ، أقطع جازما بذلك – لقد كان النمل الاسود الفاحم يومها يدافع عن معسكره بشجاعة وثبات بمعنى أنه وطني بالعرف البشري السائد – ضد الغزاة الاجانب – من النمل الاسود ذي الندبة الحمراء بمعنى أنه ” مستدمر خارجي امبريالي يعتاش على خيرات وثروات وجغرافية الآخرين ” وكان هناك نمل ثالث أصفر فاتح اللون بسيقان طويلة تمكنه من إختراق أرض المعركة من دون أن يصيبه شيء من غبارها ومن دون أن يتدخل لصالح أي طرف من المتحاربين وكانت مهمته تتلخص بالتقاط جثث المعركة وأشلائها الممزقة اثناء المعركة وليس بعدها ولا قبلها والذهاب بها بعيدا الى معسكره – بمعنى أنه إنتهازي ينتفع من إقتتال الطرفين المتحاربين وكلما زادت شراسة المعركة زادت غنائمه وليس من مصلحتة البتة توقفها ولا الصلح بينهما لأنه سيكون الخاسر الاكبر ، وأشبه ذلك بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وما يسمى بالدول المانحة وشركات السلاح حول العالم التي تعتاش على الحروب والتناحر والفتن بين الأمم ، وقد انتهت المعركة بعد ساعات بإحتلال النمل الأسود ذي الندبة الحمراء لمعسكر النمل الأسود الفاحم بعد القضاء عليه كليا مع انه كان بنفس الحجم الا أنه كان يقسم ويشتت جهوده بين حماية الصغار ،وحماية البيض ، وحماية الضعفاء ،وحماية الملكة ، فيما كان عدوهم اللدود المهاجم بكامل طاقته وقوته ومن غير تشتيت جهود لاسيما أنه لايضم بين صفوفه سوى المقاتلين الاشداء فقط ..حاول عباس مساعدة النمل الاسود صاحب الندبة الحمراء -الاستدماري – فرفضت ، حاول حسن بدوره انقاذ النمل الاسود الفاحم – الوطني – فرفضت ، حاول الاثنان الانتقام من النمل الاصفر الانتهازي – فرفضت ،وقلت لهما” دعا الطبيعة تمارس دورها فكل خلق لما هو ميسر له ” وانما تعلمنا هذه المخلوقات وتلقننا درسا في الحياة علينا ان نقلب الطرف فيه مليا الم تسمعوا الى قوله تعالى “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الاخرة ان الله على كل شيء قدير”.
مرت السنون والأيام سراعا واذا بي ألمح متسولا وكنت أجلس في مقهى بالقرب من النافذة قريبا من تمثال الرصافي كان يزعم بأنه مبتور الساقين يزحف على الأرض ويرتدي غترة قذرة ودشداشة أقذر واذا به وبعد التأمل في وجهه وملامحه مليا اكتشف أنه نائب عريف عباس ، فصعقت ، أيعقل أن يكون هذا الموسوعي السياسي المثقف قد أصيب بعد تسريحي من الجيش بإصابة أفقدته ساقه وعقله ايضا ؟ فسألت عنه من يعرفه فقال لي وبالحرف ” لقد دمره الخمر وقضى عليه كليا ولطالما حاولنا ثنيه عن الشرب الا اننا لم نفلح لأنه قد أدمنه حتى نبذه كل من حوله بما فيهم أسرته ولم يعد أمامه سوى الكدية للحصول على ثمن المشروب والسكن في عشوائيات المتسولين مع بقية المدمنين والمكبسلين والمحتالين تحت الخط السريع في منطقة النهضة!” .
اما حسن فلم أعثر عليه ولم أشاهده يوما قط وأتمنى له كل خير لأنه وبخلاف عباس كان ملتزما وقارئا للقرآن ويحفظ اجزاء كثيرة منه وكان خلوقا وصاحب همة وذوق رفيع !
ونصيحة اخوية للجميع اقدمها لكم مما تعلمته من مدرسة الحياة ” لايوجد انسان على الاطلاق على وجه الارض ليس بإمكانك الانتفاع من حكمته وتجاربه في الحياة وإن كان جاهلا ..وإن كان عاصيا ، وإن كان يخالفك في الرأي والطائفة والقومية والمعتقد ، اما النصيحة الثانية فهي ان الكرم يحببك للناس جميعهم فكن كريما في السراء والضراء تستهوي قلوب الاخرين وتأسرعقولهم وان خالفوك في كل شيء ،النصيحة الثالثة ” لاتقرأ ولاتتعلم العلم لتباهي به العلماء ولالتماري به السفهاء ولالتتخير به المناصب والمجالس كما جاء في الاثر ..تعلم العلم لتنفع به نفسك والناس من حولك ، نصيحة رابعة “الخلق من حولك منظومة واحدة فحاول ان تقيس على المخلوقات بعضا من خلق الناس وايدولوجياتهم وسجاياهم لتستشرف في نهاية المطاف كيف سيتصرف – البشري – وتكون ردة فعله قياسا على – المخلوق – الذي يتصف ببعض صفاته فإن كان هذا البشري ثعلبي الهوى والهوية فإنه سيحتال عليك دوما ” وواهم من ظن يوما ان للثعلب دينا ” للوصول الى ما عندك فكن حذرا ..واذا كان هذا البشري ذئبي أو ضبعي التفكير والطباع فسيغدر بك لامحالة ” كمجير أم عامر ” فعليك أن تحتاط ابتداءا ، إن كان شمبانزي الطباع فهذا ديدنه القفز من غصن ولائي وحضن فكري الى آخر ، وان كان خنزيري الهوى فهذا الاوحال هي مكان استحمامه المحبب والاقذار والمحرمات الذ طعامه فكن على بينة من امرك ، اما من كان خروفي الهوى فهذا يقاد ولا يقود مطلقا ، وان كان بقري الهوى فهذا ينفعك حلبا وعطاء الا انه لايصلح لقيادتك فكرا ومنهجا وهكذا ،الفنون القتالية الاشهر في العالم لاسيما الكونغ فو كلها قائمة على افعال وردود أفعال الحيوانات للصراع فيما بينها من اجل البقاء ، كذلك الافكار المنحرفة والباطنية والشعوبية بإمكانك ان تقيس الكثير منها على سجايا المفترسات والغادرات لتصل الى آلية تفكيرها ومنهجية تخطيطها مسبقا فتعد العدة جيدا لمواجهتها والرد عليها وتفنيد طروحاتها، قد يبدو كلامي هذا – غريبا – الا أن تجاربي في الحياة اثبتت لي ذلك جليا ودليلي في ذلك أن القرآن الكريم قد شبه العديد من أصناف البشر وأفعالهم بما يناظرها من أفعال مخلوقات أخرى ” كمثل الحمار يحمل اسفارا “، “فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث” ، ” كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا”.
فيما ضرب لنا القرآن الكريم الامثال للعبرة والعظة في امم النمل والنحل والبعوض والجراد والهدهد والبقر والابل والانعام والطيور والاسود وغيرها وعلى الناس ان تتأمل وتتعظ وتتعلم من ذلك كله .اودعناكم اغاتي