شكرا للكفيف الذي وعظني وبمشروع”الأنامل القارئة”ألهمني !!

شكرا للكفيف الذي وعظني وبمشروع”الأنامل القارئة”ألهمني !!

احمد الحاج
كنت قد كتبت بوستا سابقا عن”السائرين الذكَّارين” وحولته الى مقال نشرته في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العراقية والعربية وذلك بعد إعادة صياغته بما يتناسب وشروط المقال الصحفي وضوابطه وفي اليوم التالي أحسست ببعض التعب والإرهاق فقلت في نفسي “لتدع المشي والركوب على دابة قدميك اليوم ولتبدأ يومك راكبا لا ماشيا !” الا أن وخزا للضمير إعتراني وسيطر عليَّ وبما يشبه الافكار التسلطية مفاده “كيف تكتب عن فوائد المشي والذكر خلاله بوستا تتبعه بمقال ليلا ومن ثم تركل المشي وفوائده الصحية وتنحي أذكاره الصباحية أو المسائية جانبا في اليوم التالي” أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ”، ما اضطرني لأن أمشي ولم أكن راغبا بذلك خشية أن أدخل في عموم الآية الكريمة الآنفة ونظيرتها في المعنى من سورة الصف “يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” ليس هذا فحسب ” بل وقد ذكرت من جملة ما ذكرت في البوست والمقال الذي أعقبه بأنك اذا ما لمحت اثناء سيرك رجلا من ذوي الاحتياجات الخاصة أو كفيفا فحاول أن تساعده في عبور الشارع وقد حدث معي ذلك واقعا،ربما لإختبار مدى مصداقية ما كتبته ومدى صحة النية اذ مر من أمامي شاب ضرير أنيق ووسيم وبيده عصا ارتكاز بيضاء وهو يسير لوحده من دون معين متفرغ بصحبته وسمعته يهمهم “ممكن واحد يعبرني الشارع ..؟!” وكنت في عجلة من أمري فقلت في نفسي ” مؤكد أن أحد المارة وما أكثرهم لأننا وفي تلكم اللحظة نسير في منطقة الباب المعظم المكتظة سيتولى المهمة بدلا مني ويساعده في عبور الشارع ، انسانية أو بحثا عن الأجر والثواب” الا أن وخز الضمير والآية الكريمة قد عاودا الظهور الى الواجهة مجددا ” أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ” فقلت يتحتم علي أن أعبر بهذا الشاب الكفيف الشارع وكان يروم الذهاب الى سيارات الشعب في الجهة المقابلة ونحن بالقرب من سيارات البياع وقد مشيت بمعيته وكان هو الذي يدلني على الطريق مستعينا بعصاه بعد أن ذهبت به خطأ الى سيارات الموال وعندما وصلنا الى مراده قلت للسائق ما نصه “أجلسوه في أحسن مكان في السيارة “فقاطعني الشاب الكفيف قائلا”لا داعي ..أي مكان في السيارة يكفي ” ثم شكرني وصعد !
وأنا في طريق العودة تأملت في كل ما حدث واستنتجت إستنتاجا قد يكون صحيحا وقد يكون خاطئا خلاصته “اذا دعوت الناس الى فضيلة ، طاعة ، عمل صالح ، فإنها ستعرض عليك رغما عن أنفك حتى وإن لم تكن ترغب بذلك فاذا كانت نيتك صادقة فستفعلها لتسجل لك حسنة الفعل وحسنة مطابقة الأقوال مع الأفعال،واذا كانت بخلاف ذلك فستشيح بوجهك عنها لتكون ممن يأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم،أو ممن يقولون ما لايفعلون ، ولات حين مندم ، وقد أبالغ قليلا في الاستنتاج ،وربما أشط بعيدا اذا ما قلت بأن مقياس مصداقية ما تنصح به الناس هو مدى تطبيقك لنصائحك على أرض الواقع فعليا وعمليا ، قبل النصح أو بعده ،فاذا ما نصحت الناس ووعظت ولم تطبق ما تنصح به الناس على نفسك أولا ولم تترجمه الى واقع حال فإعلم بأنك تسير في الاتجاه الخاطئ ، ربما نية،ربما فعلا، ربما قولا، ربما نصحا، فإنتبه !” .
ولايفوتني أن أذكر بأنني وحين كنت أسير مع الشاب الكفيف لأصل به الى وجهته سألته سؤالا محددا عن لغة برايل المخصصة للمكفوفين، هذه اللغة التي اخترعها أول مرة وقبل الفرنسي لويس برايل ، بأكثر من نصف قرن المهندس واللغوي والوراق والفقيه العربي زين الدين الآمدي ، يوم ابتكر طريقة الحروف النافرة أو البارزة ليستعين بها شخصيا على معرفة أسعار الكتب التي كان يبيعها للناس من دون أن يقع في إشكال بيعها بخلاف أسعارها زيادة أو نقصانا ، ليأتي من بعده بخمسائة عام ونصف تقريبا الفرنسي برايل سنة 1809 ليطور نظام كتابة ابجدية تعتمد على كتابة الحروف كرموز بارزة على الورق ، وهناك مطابع خاصة لهذا الغرض ،وكان سؤالي للشاب الكفيف حول ما اذا كان يحسن استخدام لغة برايل للقراءة أم لا ؟ ففاجأني بأنه لايجيدها أسوة بمئات المكفوفين أمثاله ممن قصر تعلمهم وأساليب تعليمهم على السماع والحفظ عن ظهر قلب من دون القدرة على القراءة بالحروف البارزة ، وقد ألهمني جوابه مشروع (الأنامل القارئة) لمحو أمية المكفوفين والصم والبكم .
فمن يمعن النظر في أنواع الأميات اذا جاز التعبير والتي تعد بمجموعها من آفات المجتمعات،سرعان ما سيكتشف بأن برامج محو الأمية إنما تعنى بمن لا يقرأون ولا يكتبون وبما يعرف بالأمية الأبجدية ، أو لمحو أمية من لايجيدون استخدام الحاسوب والأجهزة الذكية وبما يعرف بالأمية التقنية ، الا أنني تلمست وجود أمية من طراز آخر لم تحظ بالرعاية الكافية الا وهي أمية”المكفوفين”ممن لايحسنون القراءة بلغة برايل، كذلك”أمية الصم والبكم “ممن لايجيدون لغة الاشارة على وفق المعايير الدولية،ولاريب أن كل من يجهل اللغة الخاصة به يعد أميا .
ولابد من محو أمية المكفوفين بتعليمهم لغة برايل ،ومحو أمية الصم والبكم بتعليمهم لغة الاشارة ، ويتحتم شراء الكتب والمناهج الحاصة بمحو أمية الشريحتين من خلال التبرعات وإقامة معارض للرسم،الخط والزخرفة،التصوير،مسابقات خماسي كرة القدم ، وتحويل ريعها كاملا لدعم -الحلم – واطلاق ما يمكننا تسميته بـ “مشروع الأنامل القارئة “لأن الكفيف يقرأ لغة برايل بأنامله،كذلك الأصم والأبكم يفهم لغة الاشارة بأنامله ، فضلا عن شراء مطبعة مخصصة لطباعة المنهجين”برايل” و”لغة الاشارة “وتوزيعها بين الشريحتين لمحو أميتهم،علاوة على تأسيس معهد يعد نواة لسلسلة معاهد لاحقة متخصصة بمحو أمية الشريحتين،وتعليم الأصحاء ومن خلال الدورات المستمرة ليتولوا بدورهم تعليم المقربين منهم ومن كلا الشريحتين ، ولايفوتنا ادراج طريقة “تادوما” لتعليم الصم المكفوفين وكانت قد سميت بهذا الاسم نسبة إلى اسم أول طفلين مصابين بالصمم والعمى في آن واحد كانا قد تعلماها وهما كل من، وينثروب تاد تشابمان ، و أوما سيمبثون ، في مدرسة بيركنز للمكفوفين بولاية ماساتشوستس الاميركية .
وفي حال نجاح المشروع لابد من أن يعقبه إطلاق ما يكمننا تسميته بصحافة “برايل والاشارة ” أو ” أسمع وأرى ” لاصدار صحيفة شهرية ، ومجلة فصلية ثقافية ،اجتماعية ،منوعة بلغة برايل وصور عن لغة الاشارة على أن لاتخوض في السياسة مطلقا ولا في الاخبار العامة بتاتا ، لتتناول افتتاحيتها ومضمونها وأبوابها الثابتة وحوراتها وتحقيقاتها وصفحاتها الصحية والرياضية والفنية والاجتماعية أخبار المكفوفين والصم والبكم في العراق والوطن العربي والعالم ، وفي شتى المجالات إضافة الى النصائح والتوجيهات الطبية والتربوية والاجتماعية للشريحيتين ، مع تخصيص صفحات لأبرز الشخصيات العربية والعالمية من أعلام ومشاهير المكفوفين والصم والبكم ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، أمثال الصحابي الجليل عبد الله بن ام مكتوم ، حسان بن ثابت ، زنيرة الرومية ، عبد الله بن عباس ، طه حسين ، المعري ، مهدي البصير،عبد الحميد كشك ، الحافظ خليل اسماعيل ،هوميروس ، هيلين كيلر ، جون ملتون ، سيد مكاوي ، الشيخ امام ، اريك فيهنماير وغيرهم العشرات من المكفوفين البارزين في الأدب والفكر والرياضة والفنون ، كذلك تناول أشهر الصم والبكم أمثال مصطفى صادق الرافعي ، بتهوفين ، ديفيد رايت ،ونحوهم على أن يكون معظم محرري وكتاب الجريدة والمجلة وفريق عملهما من الصم والبكم والمكفوفين وبأشراف صحفيين متمرسين وذلك بعد أن يتم تأهيلهم وتنمية مواهبهم وتطوير مهاراتهم وقدراتهم الصحفية ، فيما تعنى الصفحات الرياضية فيهما بأخبار الفرق البارالمبية ولاسيما أخبار كرة الجرس المخصصة للمكفوفين ، وألعاب القوى ، والسباحة ، والوثب ، ورياضة المشي والجري الخاصة بالشريحيتن . اودعناكم اغاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.