الفقه على المذاهب الخمسة

قراءة في كتاب
اسم الكتاب: الفقه على المذاهب الخمسة: الجعفري- الحنفي-المالكي-الشافعي-الحنبلي
اسم المؤلف: محمد جواد مغنية
الناشر: دار الغدير للطباعة والنشر
الطبعة الأولى 1430هـ ق-2009م
(ويشتمل الكتاب على مجلدين: المجلد الأول العبادات وتشتمل على أبواب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج. المجلد الثاني الأحوال الشخصية وتشتمل على أبواب الطلاق والوصايا والمواريث والوقف والحجر).
ويشير المؤلف في تقديمه للكتاب إلى الحديث النبوي الشريف أن جبريل ع هبط على آدم ع وقال له: إن الله سبحانه أمرني أن أخيرك واحدة من ثلاث: العقل والدين والحياء، فاختار آدم العقل. عندها قال الحياء والدين: إذن نحن معك يا آدم، فقد أمرنا الله أن نكون مع العقل حيث كان.
وحسب وجهة نظر الكاتب، يستفاد من ذلك عدة حقائق. الأولى أن ما يأباه العقل ليس من الدين في شيء، ومؤدى ذلك أن المقياس السليم لتمييز الحديث النبوي أن تكون له حقيقة واقعة، وأن يكون عليه نور جلي. وما لم يكن له ذلك فهو قول الشيطان.
والثانية أنه مادام الدين والعقل لا ينفك أحدهما عن الآخر، فان سد باب الاجتهاد هو في واقعه سد للدين. وذلك لأن معنى الاجتهاد انطلاق العقل. كما أنه إفساح المجال لاستنتاج الفروع من الأصول.
والثالثة أن (العالم)المتعصب لمذهب ما هو أسوا من الجاهل، لأن تعصبه هذا هو لصاحب المذهب وليس للدين ولا للإسلام وذلك لآن العقل لا يحتم ذلك.
ويشير الكاتب إلى أن الصدر الأول من الإسلام لم تكن فيه مذاهب ولا فرق، فكان الإسلام صافيا من الشوائب، وأصبح المسلمون في طليعة الأمم. وعندما جاءت الفرق، باعدت بين المسلمين، ووجد أعداء الإسلام فرصتهم لإثارة الفتن.
إزاء ذلك أصبحت لدى المخلصين فكرة توحيد الكلمة وتماسك المسلمين. وكان خير وسيلة لذلك فتح باب الاجتهاد والقضاء على التبعية لمذهب بعينه. وقد تذرع البعض في أن فتح باب الاجتهاد ربما يفتح باب الاضطراب والفوضى عندما يتصدى له كل من هب ودب. لكن السبب الحقيقي في سد باب الاجتهاد هو خوف الحكام الظلمة من حرية الرأي والفكر، فتذرعوا بحماية الدين. ولا أدل على ذلك من أن الدعوة إلى فتح هذا الباب برزت عندما ضعفت السيطرة الأجنبية والرجعية.
ويقول الكاتب انه أخذ آراء تلك المذاهب من مصادرها، وأخذ ما يتفق مع الحياة ويحقق العدالة، وأعرض عما يجب الإعراض عنه مما يكرس الفرقة، وصونا لكرامة الفقهاء.
ويسوق الكاتب قصة متابعته للكتاب، وكيف التقى بأحد الطلبة التونسيين الذي استبشر حينما قرأ إعلانا عن الكتاب. ولما سأله الكاتب عن سبب استبشاره، قال إنهم من أتباع المذهب المالكي وأنهم يواجهون عنتا بسبب تشدد ذلك المذهب في مسائل يتسامح فيها غيره من المذاهب. والشباب هناك لا يريدون التفريط في إسلامهم، وإنما يريدون اليسر في ذلك. وهم بحاجة إلى معرفة آراء المذاهب الآخر ى. لكن شيوخهم كانوا يجهلون أو يتجاهلون ما يخالف مالكا. ويقول المؤلف أن ذلك شجعه على المضي في مشروعه. وقد أشير عليه أن يقتصر على ذكر الأقوال دون أن يذكر الدليل على كل منها، لأن ذلك فضلا عن كونه يتسم باليسر والسهولة، فهو أدعى لترويج الكتاب.
ثم يعرج على ما واجهه من صعوبات في عملية نقل الأقوال والآراء التي تبدو سهلة للوهلة الأولى، لكنها ليست كذلك. ففي بحر الفقه تتفرع المسائل وتتعدد بصددها أقوال المذاهب، وحتى أقوال فقهاء المذهب الواحد، بل وحتى أقوال العالم الواحد. ويسوق ما قام به الأزهر عندما حاول وضع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة عام 1922. فقد جرى اختيار لجنة مؤلفة من سبعة من كبار علماء الأزهر، كل يكتب عن مذهبه. وقد استغرق العمل سنوات. فجمعت الأحكام دون أدلتها. والفرق بين كتاب الأزهر والكتاب الحاضر أن الأول يذكر قول كل مذهب على حدة، ما عدا ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة. أما في هذا الكتاب، فهنالك جمع للاتفاق بين مذهبين أو أكثر في جملة واحدة للاختصار والتسهيل.
على أن الشيخ مغنية كان أمضى مع الفقه وأصوله أكثر من 33عاما درسا وتدريسا وتأليفا. لكنه-كما يقول-عانى كثيرا في تناقض النقل وتعدد الروايات عن الإمام الواحد في المسألة الواحدة. وقد تجنب نقل الروايات المتعددة بغية التسهيل على القارئ.
ولا يسعنا في هذا المقام أن نتطرق إلى أمثلة متعددة. فنكتفي بسوق أحدها. وللقارئ الكريم أن يرجع إلى هذا الكتاب الرائع لينهل منه ما يشاء.
صلاة العيدين:
اختلفوا(وهو يعني بذلك كل المذاهب) في صلاة العيدين: الفطر والأضحى، هل هي واجبة أو مستحبة؟
قال الإمامية والحنفية: تجب عينا بشرائط صلاة الجمعة، ولو فقدت الشرائط أو بعضها سقط الوجوب عند الطرفين، إلا أن الإمامية قالوا: إذا فقدت شروط الوجوب يؤتى بها على سبيل الاستحباب جماعة وفرادى، سفرا وحضرا. وقال الحنابلة: هي فرض كفاية. وقال الشافعية والمالكية: هي سنة مؤكدة.
ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال عند الإمامية والشافعية. ومن ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال عند الحنابلة.
وقال الإمامية: تجب الخطبتان هنا تماما كما في الجمعة، وقالت بقية المذاهب بالاستحباب. واتفق الجميع على أن مكانها بعد الصلاة، بخلاف خطبتي الجمعة فإنهما قبلها. وقال الإمامية والشافعية: تصح فرادى وجماعة. وقالت بقية المذاهب: تجب الجماعة في صلاة العيد.
أما كيفيتها عند المذاهب فركعتان على النحو التالي:
الحنفية
ينوي، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يثني على الله، ثم يكبر ثلاثا، ويسكت بعد كل تكبيرة بمقدار ثلاث تكبيرات، ولا بأس بأن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر، ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع ويسجد، ويبدأ الثانية بالفاتحة ثم سورة، ثم يأتي بثلاث تكبيرات، ويركع ويسجد، ويتم الصلاة.
الشافعية
يكبر تكبيرة الإحرام، ويدعو دعاء الاستفتاح-وهو قول”سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك)، ثم يكبر سبعا، ويقول سرا بين كل تكبيرتين: سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر، ثم يتعوذ ويقرأ الفاتحة، وسورة (ق)، ثم يركع ويسجد، ويقوم للركعة الثانية، ويكبر للقيام، ويزيد خمس تكبيرات، يفصل بين كل اثنتين منها بقراءة: سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر، ثم يقرأ الفاتحة، وسورة(اقتربت) ثم يتم الصلاة.
الحنابلة
يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يكبر ست تكبيرات، ويقول بين كل تكبيرتين سرا: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما، ثم يتعوذ ويبسمل، ويقرأ الفاتحة وسورة(سبح باسم ربك)، ثم يتم الركعة ويقوم للثانية، ويكبر خمس تكبيرات غير التكبيرة للقيام، ويقول بين كل تكبيرتين ما تقدم ثم يبسمل ويقرأ سورة (الغاشية)، ثم يركع، ويتم الصلاة.
المالكية
يكبر تكبيرة الإحرام، ثم ست تكبيرات ثم يقرأ الفاتحة وسورة (الأعلى)، ويركع ويسجد، ويقوم للثانية، ويكبر لها، ويأتي بعد تكبيرة القيام بخمس تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة وسورة الشمس أو نحوها، ويتم الصلاة.
الإمامية
يكبر للإحرام، ويقرأ الفاتحة وسورة، ثم يكبر خمس تكبيرات ويقنت بعد كل تكبيرة، ثم يركع ويسجد، فإذا قام للثانية قرأ الفاتحة وسورة، وكبر أربع تكبيرات، ويقنت بعد كل تكبيرة، ثم يركع ويتم الصلاة.
سقنا هذا المثال ليرى قارئنا العزيز مدى الدقة في المعلومة، والاختصار إذ يُقتضى ذلك. ففي مواقع أخرى يلجأ الكاتب إلى استخدام الجداول لتوضيح مسألة ما، كما في حال توزيع الميراث، إذ يشتمل ذلك على ثمان صفحات من الجداول التوضيحية.
حقا انه كتاب ضخم يحوي جهدا رائعا، يذكرنا بما جادت به قرائح كتاب كبار من أمثال المرحوم أسد حيدر في كتابه(الإمام الصادق والمذاهب الأربعة)، وكتاب السيد محمد الرضي الرضوي(مهاترات)الذي يرد به على إبراهيم بن سليمان الجبهان.
قراءة أ د حميد حسون بجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.