الحرفة التي كادت أن تندثر بدأت بخياطة البدلات وإنتهت بصناعة الكمامات!

الحرفة التي كادت أن تندثر بدأت بخياطة البدلات وإنتهت بصناعة الكمامات!

* أبو ثائر: دخول الملابس الاجنبية وهجرة أصحاب الصنعة وإنخفاض دخل الفرد أثر على عملنا بشكل كبير.
*مقابل محلنا القديم قال الزعيم عبد الكريم ” صغر الصورة وكبر الصمونة ” .

* انصح الخياطين والخياطات بتصنيع وخياطة القفازات والكمامات للوقاية من كورونا .

حاوره : احمد الحاج
إختلف المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجي بشأن نشوء الحضارة الانسانية ، فمنهم من عزاها الى إختراع العجلة ، ومنهم من أرجعها الى اختراع المحراث ، وقسم آخر الى اختراع الكتابة ، والى تطويع النار للحاجات الانسانية اليومية ، فيما عزاها بعضهم الى خياطة الملابس ، وقد أشتهر العراق وهو مهد الحضارة الانسانية بالحياكة والنسيج منذ عهد السومريين والبابليين، وبلغت صناعة الانسجة وحياكتها إوج إزدهارها، في القرن العاشر الميلادي ،حيث أخضعت الى نظام الحسبة – التقييس والسيطرة الشرعية والنوعية- وقبل اكثر من مائة عام كان في بغداد اكثر من 200 مصنع لخياطـة العباءات بمختلف ألوانها وأحجامها ، وكان هناك نحو 130 مصنعا للأحزمة القطنية و 200 للأحزمة الحريرية ، وكان في بغداد في أوائل القرن السابع عشر ما لا يقل عن 4000 آلاف “نول للحياكة”.
اما في بغداد في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماض ، فقد كان هناك عدد كبير من الخياطين المبدعين المحترفين ممن طبقت شهرتهم الآفاق على مستوى العراق والوطن العربي امثال ، هاروت ، ومانو ، ورحيم مصطفى، صاحب ازياء ابو ثائر الشهيرة في منطقة الوثبة مقابل الاعدادية الجعفرية ،والذي التقيناه وحاورناه ، عن مهنة الخياطة، ماضيها وحاضرها ومستقبلها ومتاعبها، وعن ابرز المعوقات التي تعترض طريق ازدهارها وعودتها الى سابق عهدها الزاهر من جديد ، فكان هذا الحوار:
* لماذا تراجعت خياطة الملابس الرجالية بهذا الشكل الكبير وغير المعهود برأيكم ؟
-ابو ثائر : شخصيا أعزو هذا التراجع الكبير الى جملة من الأسباب يأتي في مقدمتها دخول الملابس المستعملة -اللانكستر- لأسباب فرضتها ظروف الحصار الجائر في تسعينات القرن الماضي، حيث كانت تلبي حاجة المواطنين ، وجلهم من ذوي الدخل المحدود، وكانت تمثل لهم وقتئذ فرصة لا تعوض لاقتناء الملابس الأجنبية التي حظر إستيرادها في ذلك الوقت، والسبب الثاني لتراجع المهنة يعود الى ارتفاع أجور العمال المهرة او هجرهم لها، الأمر الثالث يعزى الى استيراد الملابس الرجالية الصينية والسورية والايرانية والتايلندية والتركية وبأسعار تنافسية رخيصة نسبيا ، تتراوح بين 30 – 60 دولارا للبدلة الواحدة بحسب نوع القماش وجودة الفصال ، في حين يتجاوز خياطة البدلة الرجالي العراقية حدود الـ 100 – 300 وبعضها يصل الى 500 الف دينار .
* وماذا عن الاقمشة المستوردة ودورها في اضمحلال المهنة في العراق ؟
-قطعا ان ارتفاع اسعار الاقمشة الفاخرة الانكليزية والفرنسية والايطالية ، تعد واحدة من اهم الاسباب التي أسفرت عن تراجع المهنة إضافة الى تدني دخل الفرد العراقي عموما، واختلاف الاذواق من جيل الى آخر ، ففي ايامنا هذه يكتفي الشباب بارتداء الجينز وبعضه مرقعا من خلف وامام اضافة الى التي شيرت، والملابس التي تحاكي تقليعات الملابس الغربية ، وإن كانت تفتقر الى الاناقة والذوق الذي اتصف به جيلنا في الستينات والسبعينات.
* من هم اشهر الخياطين في تلك الفترة، التي اتسمت بالأناقة وللشرائح والمستويات كافة؟
– لا شك ان من اشهرهم هاروت ، ومانو، وفاضل آدام، ومجيد محمد، واحمد خماس ، صاحب المحل الاشهر في ساحة الغريري ، حيث توزع هؤلاء في أرجاء بغداد إلا ان معظمهم كان متمركزا في شارع الرشيد ، وحافظ القاضي، وكان الوزراء ، والوجهاء يتوافدون عليهم، لفصال البدلات الرجالية الرسمية، والتي تتألف من قطع ثلاث ، يتم فصالها من القماش الانكليزي الفاخر (ابو العلمين) أو قطع الكّبون المسلفن والاقمشة الاسبانية والفرنسية ، والعراقية التي ينتجها مصنع (فتاح باشا) والتي تضاهي فـي جودتها الاقمشة الاجنبيـة.
* متى بدأ تراجع مهنة الخياطة الرجالية ؟
– لقد بدأ تراجع المهنة في ثمانينات القرن الماضي إبان الحرب العراقية – الايرانية حين استبدلت البدلات العسكرية بالمدنية اضافة الى أن أغلب اصحاب المحال قد انشغلوا بالخدمة العسكرية عن مهنتهم، فضلا على تراجع دخل الفرد العراقي عموما .
*ابرز زبائنكم الدائمين من الوجهاء والشخصيات المعروفة؟
– من الشخصيات التي كانت تتعامل معنا ، رئيس الوزراء العراقي الاسبق نوري السعيد، ووزير الدفاع الاسبق عدنان خير الله، ووزير الاعلام الاسبق محمد سعيد الصحاف، وغيرهم ،واذكر انه وفي أحد الايام وبعد صلاة الفجر، زارنا الزعيم عبدالكريم قاسم ببدلته العسكرية عام 1961م، واثنى على جهودنا وقال بالحرف الواحد “نريد هكذا شباب مثابرين لبناء البلد”، وفي ذلك اليوم زار فرن الصمون القريب الذي جرت داخله تفاصيل الحادثة الشهيرة التي قال فيها الزعيم عبدالكريم لصاحب الفرن “صغر الصورة وكبر الصمونة”.
*هل كانت اسعار البدلات في ذلك الوقت مناسبة لدخل الفرد العراقي ؟.
– نعم كانت مناسبة جدا تتراوح بين 13 الى 14 دينار ، فضلا عن سعر القماش والحشوات الداخلية، حيث تصل البدلة – كرسته وعمل – الى 50دينارا ، وكان العمال يتقاضون أجوراً بحدود 5 – 6 دنانير في الاسبوع ، اما الخلفة فكان يتقاضى الاجرة على القطعة، 4 دنانير في الستينات ، و 7 دنانير على القطعة في السبعينات، اما بدلات العرس الرجالية فكانت لا تختلف من حيث السعر ولكنها تختلف من حيث اللون والتصميم، فمعظمها بيضاء او سوداء وتتميز، بالجيوب (اللطش) ، وتطريز الياقة والجيوب لابرازها.
*وماذا عن اشهر مصانع الخياطة في العراق في تلك الفترة ؟
– لا شك أن مصنع فتاح باشا والشركة العامة للخياطة وشركة ولدي في الموصل ، وشركة RMC في المحمودية تعد كلها مفخرة الصناعة العراقية، ولم يؤثر انتاجها على عملنا في ذلك الوقت، فلكل اختصاصه وطريقة عمله ولكل زبائنه الذين يلبي أذواقهم. وما يؤسف عليه حقا، ان هذه المصانع التي كانت تعد فخر الصناعة العراقية والعربية قد تم سرقتها في عصر الحواسم بعيد الغزو الامريكي في 2003 ولأسباب معروفة ، لا تهدف سوى الى إجهاض الاقتصاد العراقي ، تمهيدا لخصخصته ودخول الشركات الاجنبية الاحتكارية التي تبيع الرديء من بضاعتها بأسعار باهظة تتجاوز قيمتها أضعافا مضاعفة .
* نصيحة أخيرة في ظل انتشار وباء كورونا (كوفيد – 19 ) وارتفاع وتيرة الاصابات والوفيات به في ارجاء المعمورة مع وجود نقص حاد في اجهزة التنفس والمعقمات والقفازات والكمامات ما دفع العديد من الخياطين والخياطات بمكائنهم وورشهم الصغيرة وبما يتوفر عندهم من أقمشة ومستلزمات بسيطة تدخل في صناعة الكمامات بهدف توزيعها مجانا أو بأسعار رمزية بين المواطنين ولصالح الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني ..فماذا تقولون لهؤلاء الابطال ؟
– اقول لهم جميعا ،بوركت سواعدكم الكريمة فهذا يومكم وانصح كل مصانع الخياطة الصغيرة والكبيرة ،الحكومية منها والاهلية والقطاع المختلط في العراق خصوصا والوطن العربي عموما ان تحذو حذوهم وتسارع بتصنيع وخياطة القفازات والكمامات كما حدث في مصر، تونس، سورية، فلسطين ،الجزائر،وغيرها من الدول العربية وانصحهم كذلك بخياطة بدلات الأطباء والمسعفين وكوادر الدفاع المدني الخاصة للوقاية من كورونا اسوة بالتجربة اللبنانية الرائدة في ذلك وبالأخص أن هؤلاء يتولون مهام إسعاف المصابين ونقلهم الى من والى المستشفيات ، علاوة على نقل جثامين المتوفين من والى البرادات ما يعرضهم لخطر الاصابة ، وادعو الخيرين الموسرين ورجال الاعمال والتجار الى التبرع بالأقمشة والخيوط ومكائن الخياطة ولوازم صناعة الكمامات لهؤلاء لدعم انتاجهم على النحو الامثل لحين نتجاوز الازمة جنبنا الله تعالى وبلادنا وسائر بلاد المسلمين واياكم خطرها .