أول ترجمة لأقدم نص سرياني لقصة أهل الكهف

أول ترجمة لأقدم نص سرياني لقصة أهل الكهف

تعتبر قصة أهل الكهف من القصص المشهورة في الشرق الأوسط، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم أيضاً، وأقدم مصدر لقصة أهل الكهف هو المصدر السرياني لزكريا الفصيح، وقبل حوالي ثلاث سنوات وبعد طرد داعش من سهل نينوى، عاد قسم من الأهالي إلى مناطقهم، ومنهم رجال دين أيضاً، ومن ضمن الذين عادوا المستشار البطريركي للسريان الأرثوذكس ومطران الموصل المتقاعد حالياً الذي خدم أبرشية الموصل لحوالي نصف قرن من الزمان، شيخ المترجمين السريان في القرن العشرين الذي ترجم عشرات الكتب المهمة من السريانية للعربية وهو نيافة الحبر الجليل الوقور صليبا شمعون، حيث عاد ليسكن في قلايته في دير السريان المُسمَّى دير مار يوحنا الدَّيلمي في قضاء بغديدا/ قرقوش/ الحمدانية، ليكمل بقية حياته أطال الله في عمره.

وكعادتي زرته لأسلم عليه، وكان متأثراً جداً على مكتبه الفخمة التي أتلفها داعش، ولم يبق كتاب واحد منها، فطيَّبتُ خاطره وقلت له كل مكتباتنا هي ملكك، وجميع كتبك ومقالاتك موجودة عندي، والمهم رغم كبر سنه رجوته أن يترجم تاريخ زكريا الفصيح (460ت-536م) إن استطاع، وقلت له إنه أقدم تاريخ سرياني، وربما الوحيد الذي لم يُترجم للعربية من قبل السريان، حيث ترجمه الأقباط قبل سنوات قليلة عن نسخة موجودة عندهم في دير السريان، وهي أولاً ترجمة غير دقيقة لوجود كلمات وعلامات سريانية يصعب على غير السرياني ترجمتها بدقة، وثانياً هدف الأقباط من الترجمة هو التركيز على الأمور اللاهوتية حيث يعتبر زكريا من أعمدة الأرثوذكسية وكان مطراناً في عهد البطريرك السرياني سويريوس الكبير 536م، عدو النساطرة اللدود الذي يعتبر قديس مُعظَّم عند الأقباط، وحين نفي إليهم، خرج الشعب القبطي لاستقباله بالأناشيد وأغلقت الطرقات، وهو يُذكر بعد مرقس الرسول في قداس الأقباط، أي قبل بطاركة الأقباط، وثالثاً ترجمة الأقباط ناقصة عدة فصول أهمها قصة أهل الكهف الشهيرة، وقد استشهدت أنا بفقرات من هذا التاريخ من النص السرياني في كتابي: اسمهم سريان لا آشوريون ولا كلدان، لذلك أتمنى يا نيافة المطران صليبا أن تترجمه بالكامل لأنه كتاب رائع وستكتمل فيه المكتبة العربية ويسهل الاستشهاد به أكثر لأن نسخته قديمة وفصوله كثيرة ومتشابكة وصعبة على غير المترجمين والمختصين مثل نيافتك، ولكي تتسلى به أيضاً، فوافق مبدئياً وقال لي مبتسماً ومازحاً (زودني بالنص، بس أنت وحظك)، فزودته بالنص وقلت له، الله يطول عمرك وإن شاء الله تترجمه وتترجم بعده أيضاً، وبعد أكثر من سنة ذهبت أيضاً للعراق وزرته وكان قد ترجم حوالي نصفه، فقال لي مازحاً، حظك لحد الآن جيد، ثم قال لي أريد أن أقول لك شيئاً مهماً وهو إن هذا التاريخ كان لا بد أن يُترجم، فشكرته وتمنيت له طول العمر، وفي زيارتي الأخيرة قبل حوالي 3 أشهر، ذهبت لزيارته كالعادة، ولأرى هل أكتمل الكتاب، والحقيقة كانت فرحتي لا توصف عندما قام وزودني بنسخة قائلاً لي اكتملت قبل مدة قليلة جداً، فشكرته وتمنيت له طول العمر.

والحقيقة إن اهتمامي بهذا الكتاب وطلبي ترجمته كان هدفه الأول المادة التاريخية التي فيه لأنه يُعد من أقدم التواريخ السريانية، حيث كُتب في نهاية القرن الخامس الميلادي، لكنه يحوي على أقدم نص سرياني لقصة أهل الكهف كاملةً، وهي المصدر الرئيس والوحيد لكل الشرق، وملخص القصة هو:
كان الإمبراطور الروماني داقيوس (249-251م) قد أصدر أمراً بإرغام المسيحيين على ترك دينهم وقتل الذي يرفض، وعندما زار مدينة أفسس، أمر بتقديم الذبائح للأوثان وقتل من يمتنع، فامتنع 7 شبان مسيحيين من أبناء عوائل نبيلة مشهورة (بعض المصادر ثمانية)، فنزع عن أكتافهم شارات الحرير، وأمهلهم عدة أيام للعدول عن رأيهم، فالتجأ الفتيان إلى كهف في جبل انكليوس، واسم الفتيان: إخليدس أو يمليخا، ديموس، أوجنسيس، استيفانوس، فريطنوس، سبسطس، قرياقوس (الثامن ديونسيوس واعتقد أنه نفسه ديموس)، وكان ديونسيوس أو يمليخا، يذهب سراً إلى المدينة ليجلب لهم احتياجاتهم، ثم عَلِم الملك فأمر بسد الكهف عليهم بصخرة كبيرة، وقام شخصان مسيحيان كانا يعملان خادمين عند الملك هما أثناسيوس ورابينوس، بكتابة قصتهم وأسماءهم على صحيفة رصاص دُست في بنيان مدخل الكهف، وبقي الأمر إلى سنة 446م في عهد الإمبراطور ثيودسيوس الصغير، وكانت الحظيرة التي يقع فيها الكهف قد أصبحت ملكاً لشخص اسمه أدوليس قام بترميمها، فأزال الصخرة عن الكهف، ليجد الفتية السبعة جالسين أحياء، ونزل ديونسيوس أو يمليخا كعادته سراً إلى المدينة ليجلب لهم طعاماً، فاستغرب الناس أنه غريب ويتصرف كمجنون وكأنه في عهد داقيوس، ويستعمل نقوداً قديمة سُكَّت قبل مئات السنين، وشاع أمرهم وعرف مطران أفسس (ولنطوفس أو اسطيفانوس) قصتهم، فأرسل الخبر إلى الملك، فجاء وذهب بصحبة المطران والكهنة إليهم وتحدث معهم عن الإيمان والسيد المسيح وقيامة الأموات وقال لهم: إني انظر إلى وجوهكم وكأني أرى لعاز الذي أقامه المسيح من الأموات، وبعد هذا الحديث قالوا له المسيح أيقضنا من أجلك فاذهب بسلام، ثم نعسوا ورقدوا وماتوا بسلام ثانيةً، فأمر الملك بعمل توابيت من ذهب فتراؤوا له في الحلم قائلين: نحن من تراب ولسنا من ذهب، فأمر لهم بتوابيت من ألواح طين، وفرح الملك واحتفل ووزع هدايا وأصدر عفواً عن المساجين.

تحتفل الكنائس السريانية بيوم أهل الكهف: السريان الأرثوذكس والكاثوليك 24 تشرين أول، السريان الشرقيين (الكلدان والآشوريين) 4 تشرين أول، السريان الملكيين (الروم الأرثوذكس والكاثوليك) 4 آب و 22 تشرين أول، السريان الموارنة 7 آذار. وللسريان الأرثوذكس عيد طقس خاص بأهل الكهف يُسميهم شهداء أهل الكهف، وأقدم مخطوط لطقسهم وعيدهم لا يزال موجوداً هو لسنة 1542م كتبه شمعون القس هارون بن الخوري المعروف بابن كعبوش.

ملاحظات على القصة
– أقدم ذكر للقصة هو بالسريانية للمؤرخين السريان المعاصرين للقصة: شعراً ليعقوب السروجي (451-521م)، ونثراً لزكريا الفصيح (460ت-536م)، وهو من غزة، ثم يوحنا الأفسسي (507-587م)، ثم كتب عنهم بالسريانية: الزويقنيني +775م، والبطريرك ميخائيل السرياني الكبير +1199م، والعلامة ابن العبري 1286م، والرهاوي المجهول 1234م، وكتاب سير الشهداء والقديسينن وقيل هناك نص يوناني في عصر زكريا والسروجي، وذكر آخرون أنها شبيهة بأسطورة النيام السبعة لأرسطو، وقال آخرون لها قصة شبيهة في الهند والصين، وأياً كان فقصة أهل الكهف في كل الشرق الأوسط ومنهم المسلمين والمسيحيين، وبكل الاختلافات في الزيادة والنقصان، أو في التفسير والتأويل، هي من مصدرها السرياني أعلاه.
الإمبراطور ثيودسيوس الصغير (408-405م): عُرف بزهده وتقواه المسيحي، وكان كثير الصوم والصلاة، وحفظ الكتاب المقدس، وأصدر أمراً بمنع الملاعب والملاهي في أيام الآحاد والأعياد، قائلاً (للعبادة وقت، وللهو وقت)، وفي وقته اشتدت المجادلة بخصوص قيامة الأموات، وكان الإمبراطور يؤمن جداً بقيامة الأموات، ويقدس رفات القديسين، فقد نقل رفات الأربعين شهيداً في سبسطية، ورفات يوحنا الذهبي إلى القسطنطينية، ورفات أغناطيوس النوراني من روما إلى أنطاكية، وعندما سئل لماذا لم تقتل أحداً، أجاب: ليتني استطيع أحياء الأموات.
وبسبب ذلك يعتقد كثيرون من المهتمين بالأمر أن الجزء الأول من قصة أهل الكهف صحيح، أي موتهم في الكهف، أمَّا انبعاثهم وقيامتهم من الأموات، فهي أسطورة أراد بها الناس مجاملة ومسايرة أفكار الإمبراطور المساند والمهتم لموضوع قيامة الأموات والمتصدي للمشككين بها، في وقت انتشرت مشكلة القيامة في المملكة بشكل كبير بين الناس، ووصلت فوضى التشكيك بالقيامة إلى البلاط الملكي جعلت الإمبراطور ثيودسيوس مرتبكاً ومتألماً للوضع، لذلك حاول الناس إرضاء الإمبراطور بالقول إن أهل الكهف قاموا من الأموات، ويقول بطريرك السريان زكا الأول عيواص في مقاله: أهل الكهف في المصادر السريانية: لا يُنكر ما طرأ على بعض هذه القصص من زيادة أو نقصان عن طريق النُسَّاخ الذين أرخوا لمخيلتهم العنان، فسبحت في أجواء الخيال، وأضافت إلى الحوادث أخباراً هي الأقرب إلى الأساطير من الواقع التاريخي (بحوث تاريخية دينية أدبية ج1 ص188).
– هناك من يجعل اسطيفانوس المطران، ولنطوفس شخصان والأخير ربما وجيه مدني، وحسب التاريخ فإن مطران أفسس الذي حضر مجمع سنة 431م هو ممنون، جاء بعده اسطيفانوس وهو في زمن بعث فتية الكهف، وقد حضر مجمع خلقيدونية 451م. ويرد اسمه في بعض نسخ قصة أهل الكهف، موريس، وهي اختصار، مور اس، مور اسطيفانوس.
– مدة رقاد أهل الكهف هي 196 سنة (250-446م)، وبعض المصادر 188، 190، وهناك مصادر تعطيها حوالي370، 372 سنة، والسبب هو اختلاف المؤرخين في تحديد تاريخ سك عملة النقود التي كانت موجودة مع الفتيان.
– مكان الكهف هو جبل اكليوس ocholon، مدينة أفسس، بالقرب من مدينة، آيا سلوق، تركيا حالياً.
– القصة في ترجمة المطران صليبا لكتاب زكريا الفصيح، ص86-96، وهناك خطأ مطبعي، ص91، السنة 83، والصحيح 38.
وشكراً/ موفق نيسكو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.