أوصاف القرآن الكريم في الآية 23 الزّمر

أوصاف القرآن الكريم في الآية (23) سورة الزّمر
في التفسيرين (الميزان) و (التفسير الكاشف)
علي جابر الفتلاوي
قال تعالى: ((الله نزّلَ أحسنَ الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعرُّ منه جلودُ الّذين يخشون ربّهم ثمّ تلينُ جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يُضلل الله فما له من هادٍ))
يقول السيد الطباطبائي في تفسير قوله تعالى:
((الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني)) هو القرآن الكريم، والحديث هو القول كما في قوله تعالى: ((فليأتوا بحديث مثلِه)) آية34 – الطور. وقوله تعالى: ((فبأي حديث بعده يؤمنون)) آية 50 – المرسلات.
فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله المجيد. ((متشابها)) اي يشبه بعض أجزائه بعضا، وهذا غير التشابه في مقابل المُحكم، بل التشابه في الآية من أحدى صفات القرآن الكريم فهو لجميع آيات القرآن أي يفسّر بعضها البعض الآخر، لكن التشابه الذي يقابله المحكم خاص ببعض الآيات ((هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات)) آية 7 – آل عمران.
قوله تعالى: ((مثاني)) بمعنى بعض آيات القرآن تفسّر البعض الآخر من غير اختلاف أو تناقض. فتكرار الآيات هو تفسير لآيات أخرى من غير تناقض: ((أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)) آية 82 – النساء، المؤمنون إذا سمعوا كلام الله توجهوا إلى ساحة العظمة والكبرياء فغشيت قلوبهم الخشية وأخذت جلودهم في الاقشعرار.(1)
فسّر الآية الشيخ محمد جواد مغنية بتفصيل، وحدد خمس صفات للقرآن الكريم في الآية، هي:
1 – ((الله نزّل أحسن الحديث)) في عقيدته وشريعته ومواعظه وحكمه وجميع مبادئه وتعاليمه.
2 – ((كتابا متشابها)) اسلوبا ومحتوى، ولا تهافت بين معانيه لأنها من إله عليم حكيم.
3 – ((مثاني)) أي تُثنى أحكامه ومواعظه، فهو يجمع بين الأمر والنهي، وبين الوعد والوعيد وما إلى ذلك.
4 – ((تقشعر منه جلود الذين يخشون ربّهم)) هذا كناية عن خوف المؤمنين حين يسمعون وعيد الله وتهديده بالجحيم، يقول الإمام علي (ع) في وصف المتقين: ((وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون)).
5 – ((ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)) كناية عن اطمئنانهم حين يسمعون وعد الله وبشارته بالنعيم، يقول الإمام علي (ع): ((وهم والجّنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون)).
((ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هادٍ)) .
يدع الله سبحانه الإنسان وما يختار، فمن اختار لنفسه الموت والانتحار بأحد أسبابه أماته الله، ومن اختار الحياة بأسبابها أحياه لأجل مسمى، وكذلك من اختار لنفسه الهدى وسلك سبيله هداه الله وشمله بعنايته، وما له من مضلّ، ومن اختار لها الضلال وسلك مسلكه أضلّه الله، وما له من هادٍ، وكفى دليلا على ذلك قوله تعالى: ((فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين)) آية 5- الصف، أي لا يهدي الذين اختاروا لأنفسهم بأنفسهم الفسق والفساد، وقوله تعالى: ((وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى)) آية 17- فصلت، وقوله تعالى: ((والّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)) آية 17 – محمد، أي طلبوا الهدى والتقوى بإخلاص فأرشدهم الله إليه.(2)
فسّر السيد الطباطبائي ((مثاني)) في الآية: بعض آيات القرآن الكريم تفسّر البعض الآخر من غير اختلاف أو تناقض. تكرار الآيات هو تفسير لآيات أخرى من غير تناقض، أي أنّ القرآن يفسّر نفسه، وتفسير القرآن بالقرآن من أهم مميزات المنهج التفسيري للسيد الطباطبائي. نرى الشيخ محمد جواد مغنية فسّر ((مثاني)) بمعنى تثنية الأحكام والمواعظ مثل الجمع بين الأمر والنهي، وبين الوعد والوعيد وما إلى ذلك. أرى أن المعنى الذي أشار إليه الشيخ مغنية هو أحد مصاديق المعنى الذي أشار إليه السّيد الطباطبائي، أي معنى الكلمة عند السيد الطباطبائي يشمل معنى الكلمة عند الشيخ مغنية ومعاني أخرى. لا أرى اختلافا كبيرا بين الاتجاهين، بل منهج السيد الطباطبائي التفسيري أكثر شمولية من منهج الشيخ مغنية .
أرى تفسير الشيخ مغنية هو الأقرب إلى المفاهيم العصرية، إذ توجد فيه إشارات إلى المشاكل التي يعاني منها المسلمون اليوم، وفي كثير من الحالات يضمّن محمد جواد مغنية الموقف الإسلامي من هذه المشاكل مستعينا ببعض آيات القرآن الكريم التي يستدلّ من خلالها على حلول لهذه المشاكل. على العموم كلا التفسيرين مهمان لفهم تفسير القرآن فهما عصريا يتناسب ومشاكل المسلمين اليوم.
المصادر
(1): محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج17، ص185 .
(2): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م6، ص406 – 407 .

نشر بواسطة المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.