من أوراق أقدم مهندسي الطاقة الكهربائية في العراق

استل عبد الخالق كرم اقدم مهندسي العراق في توليد الطاقة الكهربائية ومن اوائل خريجي الصناعة المتمتعين بزمالات دراسية عدة،صفحات من مذكراته المعدة للطبع ليعرض خلالها لـ (العراق) جهود شباب العراق في الثلاثينيات في تخطي الصعوبات كي يحتلوا الاماكن الجديدة بهم.

 تروي مذكرات كرم قصة طالب من مدينة العمارة انهى دراسته المقررة لتستقبله مصانع (سيمنس) الالمانية كأول عراقي يتدرب فيها،لكن الحرب العالمية الثانية اعادته الى وطنه رغماً عنه ليتجه بعدها الى سويسرا ليستكمل تخصصه في الادارة وعلم النفس والهندسة بفروعها المختلفة..وحين عاد الى بغداد كانت الحرب العراقية ـ البريطانية عام 1941 قد اندلعت فانضم اليها كضابط احتياط واعتقل ليلة زفافه بعد فشل الثورة والقصة على مايبدو طويلة ،ولكن من اين نبدأ معه؟

47 دينارا لتأسيس مكتبة؟
*هو اختار البداية .. من مدرسة الصناعة الرسمية في بغداد (هكذا كان اسمها يومذاك)يقول:
ـ قبلت فيها خلال العام الدراسي 1931ـ1932 ورشحت من قبل مدير المدرسة عبد العزيز الخياط لاكون مراقب المدرسة العام وانتهز زميلي صادق الازدي فرصة مكانتي في المدرسة فطلب مني تأسيسي مكتبة خاصة بها ولتغطية نفقات شراء كتبها اقمنا حفلة تمثيلية على مسرح الاعدادية المركزية بعنوان (عرس الريف) فنالت نجاحاً محمودا ودرت ايراداً كان بحدود 47 ديناراً استلمها مقترح المكتبة النجار صادق الازدي فاشترى الكتب التي يرغب بمطالعتها هو وقد قرأها كلها، فكان منذ صغره كاتباً واديباً وناشر (النكتة القرندلية) منذ تلك الايام!
العسكري (دريول وكيح)!
*بعد اربع سنوات في الصناعة رشحت مع السادة عبد الحميد الهلالي، جاسم الحياني ، وحميد خورشيد في بعثة الى المانيا ، وبعد اكمال معاملات السفر، حضرنا الى ساحة قرب مطار المثنى حاليا لتقلنا سيارات (نيرن) اللبنانية الى بلاد         
الغربة فطلبت من عبد الحميد الاستفسار عن ساعة السفر فذهب يسال سائق السيارة الذي كان يرتدي اجمل بدلة وبشكل محترم وانيق (عمي يمته تمشي السيارة) فلم يجبه مرتين وفي الثالثة (نفخ) في اذنه فعاد منزعجاً ليخبرني (هذا دريول وكيح) وبعد ان نادتنا السيارة بمزمارها واتجهنا الى مقاعدها عرفنا ان السائق المزعوم لم يكن الا جعفر العسكري وزير الدفاع الذي جاء لتوديع نجله طارق العسكري!
من بيروت الى ايطاليا!
*ووصلنا بيروت ومنها الى أيطاليا ثم برلين وكان باستقبالنا في محطة القطار على الصافي ،جابر همر ، عبد الكريم كنونه، عباس كاشف الغطاء وبديع شريف العاني وقد حجزوا لنا غرفاً في احد الفنادق وفي اليوم التالي استقبلنا السفير العراقي هناك فسهل لنا الانتساب الى جامعة برلين لتعلم اللغة الالمانية التي امضينا فيها خمسة اشهر بعدها قبلت كاول عراقي يتدرب في مصانع (سيمنس) الكهربائية تدريباً عملياً ومختبرياً فاهدت لي الشركة بعد انتهاء الدورة راديو (سابا) تقديراً لدوامي  في الموعد المحدد دون تأخير.. انتقلت بعدها الى كلية الهندسة العالية باختصاص توليد الطاقة الكهربائية وما ان تخرجت فيها ، وبعد مرور اربعة اشهر اعلنت الحرب العالمية الثانية !
من قطار الشرق السريع الى سيد سلطان علي!
  *وطلبت منا سفارتنا العودة الى بغداد فوراً ، ومساء ذلك اليوم الذي لن انساه، ركبنا قطار الشرق السريع من برلين في لية ظلماء وجو بارد ممطر كانت جماهير برلين غاضبة مضطربة حتى وصلنا استانبول، حلب ، الموصل فاسرعنا مشياً على الاقدام مع زميلنا بهنام طوبيا الى اقربائه وبعد استراحة في دارهم توجهنا الى بغداد حاملين حقائبنا والبطانيات الى شارع الرشيد وقرب جامع سيد سلطان علي استقبلنا احد فنادقه (شيء على شيء النفر بخمسين فلس)!
دوام كامل امام البعثات!
*في اليوم التالي قابلنا السيد حكمة عبد المجيد مدير البعثات فطلب منا الانتظار في طارمة وزارة المعارف وكنا نأمل ان تنتهي قضيتنا خلال ساعات لكنها طالت ( لا يوم ولا عشرة) كدوام كامل يومياً حتى جاء د. فاضل الجمالي مدير المعارف العام انذاك الذي اختار من يصلح للدراسات في سويسرا ـ وكنت احدهم ـ فاكملت اختصاصي في اكاديمية زيوريخ في الادارة وعلم النفس المهني وعدت الى بلدي عام 1941 فنزلت في فندق (تريكاديرو) بشارع النهر وعند مساء ذلك اليوم نشرت، الصحف المحلية وجوب التحاق العائدين من السفر بالدورة السادسة لضباط الاحتياط وبدلاً من سفري لاهلي في العمارة بعد سنين طويلة من فراقهم فضلت اداء دورة الاحتياط وفي اليوم التالي فوجدت عدداً كبيراً ممن كانوا يشغلون وظائف عليا في الدولة يشاركونني اداء هذه المهمة!
بين جعفر ومصطفى جواد!
*وكان بين زملائي في الدورة المذكورة الدكاترة ضياء جعفر ، مصطفى جواد،عبد الرحمن الجليلي ، عبد المجيد حمودي، جابر عمر وغيرهم فكنا نستيقظ كل صباح وتنتظرنا ساحة العرضات كسرايا وفصائل لنتوزع على شكل رهوط واذكر ان عريفنا عمر المسؤول عن رهطنا كان يشرح بافاضة رشاشة برن فاخذ يصفها كما وصفوها وشرحوها وفتحوها له ثم بدأ بتفكيكها وبعد ساعة استطاع تفكيك اربع عتلات وترك الباقي ليوجه لنا سؤالاً وجواباً معاً (طبعاً انتو ما افتهمتوا الحجي بكره راح اعيده عليكم) فاجابه ضياء جعفر (لا ما يحتاج الشرح هذا بسيط) فغضب العريف عمر وامره باعادة تفكيك العتلات الاربع ، فجلس ضياء (ركبه ونص) ففتحها واعاد ربطها باقل من دقيقتين فغضب العريف والتفت الى ضياء قائلا له (انت شكثر جنت جندي بالبفي ) وفي هذا اشارة الى المرتزقة الذين استخدمتهم القوات البريطانية المحتلة وحلت تشكيلاتهم بعد ثورة 14 تموز 1958،واذكر ايضاً ان د. مصطفى جواد كان يشاكس عريفنا فيأمره بالهرولة مرتين كل يوم، وحضر مرة ساحة العرضات اسماعيل نامق وكان يحمل رتبة عسكرية كبيرة ولا ادري كيف اختار مصطفى جواد من بيننا ليسأله اشلونك بالتدريب ؟ فلم يجبه فكرر عليه السؤال (اظن انت بردان) فرد عليه :  لا سيدي .. حضرة العريف امرنا ان لا نتكلم في حالة الاستعداد فأوعز اليه..مصطفى جواد استرح .. وساله ثانية اشلونك بالتدريب فاجابه سيدي ما افتهمت من حضرة العريف غير الهرولة وبعدها دخل العريف عمر السجن!
اعتقلوني ليلة زفافي!
وقامت ثورة مايس الوطنية فصدرت الاوامر بنقلنا الى كركوك باستثناء طالب واحد هو صديق شنشل الذي اعيرت خدماته للدعاية وبعد انتهاء الحرب عدنا الى بغداد وتخرجنا برتبة ملازم ثان احتياط وكان نصيبنا انا والدكتور ضياء جعفر ومدحة علي مظلوم وعبد الرسول الخالصي من حصة مديرية الاشغال العسكرية لمدة ثلاثة اشهر قمنا خلالها باعداد تصاميم محطات كهرباء وشبكات التوزيع في كل من منصورية الجبل والتاجي وسنجار والديوانية، وقبل تسريحنا بشهر واحد استدعيت من قبل ارشد العمري امين العاصمة الذي كلفني بدوام مسائي مقابل اجور مقطوعة لاعداد دراسة فنية وادارية لمشروع تجهيز القوة الكهربائية لمدينتي الاعظمية والكاظمية وفرحت بعملي الاضافي الجديد كفاتحة خير لزواجي الذي تقرر ان يكون في شهر رمضان المبارك وانتهت خدمتي العسكرية وتقرر تسريحي وانتهزتها فرصة لعقد قراني وقبل زفافي بثلاث ساعات اذا بحرس الباب يقرع خرجت لاجد سيارة (بك اب) تنتظرني امام الباب وفيها شرطيان بقياتدة مفوض فاستغربت الامر لكن الاخير ـ اقصد المفوض ـ سالني انت المهندس عبد الخالق كرم ، اجبت :نعم ..رد اتفضل وقادتني السيارة الى شرطة السراي وفي موقفها وجدت عدة زملاء لي هناك . وسفرنا وكان عددنا 37 الى سجن البصرة عند باب الزبير ومنه الى معتقل الفاو ! معتقل الاجانب.
واوتيل سافوي!
وهناك ادخلونا الى معتقل اطلق عليه اسم (معتقل الاجانب) ومعنا جماعة الحاج عبد الواحد الحاج سكر وكان الاخير ارمد العينين وضع نظارة غامضة عليهما وما ان قرأ اللافتة التي تشير الى معتقل الاجانب حتى صاح (ياوسفة تاري اني اجنبي) فانتبه فائق السامرائي فساله (شنو القضية حجي) قال له (ليش ماتقره اللوحة على باب المعتقل) وبعد اكثر من ساعة جاءنا مدير المعتقل وكان اسمه حسن افندي وقال لنا (هذا موخان اجغان) فرد عليه احد المعتقلين (لا .. هذا اوتيل سافوي) ثم وزعنا على الغرف وبعدها رتبنا امورنا فتم اختيار جماعة لادارة المطبخ وانتخبنا عبد المجيد زيدان للاشراف على الطبخ لاعتباره عمل كمسؤول عن الاقسام الداخلية للطلاب، وفي الايام الاولى قام بعمله مشكوراً عليه غير ان ثلاثة من زملائنا اكتشفوا بعد ذلك ان زيدان كان يخفي يومياً صحناً من الاكل ليقدمه الى احد محبيه من وزارة المعارف ولاحترام الجميع لتلك الشخصية اكتفينا بفصل زيدان وجماعته من الطباخين.
مات من اجل سيكارة!
*ومرت الايام سراعاً كان يشاركني غرفتي د. سليم خياط وانطوان سمحيري وكان الاول يبدأ ساعة الصباح حتى منتصف الليل مع سيكارته التي لاتفارقه بتاتاً وقد تضايقت كثيراً من ذلك وعندما فرجت وخرجنا من المعتقل علمت ان د. خياط سكن الاعظمية وكان يواظب على ولعله بتناول السكاره فاحترق في احدى الليالي مع لحافه من عقب سيكارة تركها دون ان يطفئها وكان يردد امامنا (اذا طلعت من المعتقل ساحبس اخي حنا خياط في غرفته طيلة عمره) انتقاماً منه وكان يشغل منصب مدير عام البرق والبريد بعد استيزاره وزيراً للصحة. 

جريدة الاتحاد 
12 تشرين الثاني 1988

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.