مقالة . كنا نعيش على امل

كنا نعيش على امل
ادهم ابراهيم

يقول عالم الاجتماع العراقي المرحوم علي الوردي نحن لانتذكر الماضي لجماله , ولكن لبشاعة حاضرنا
وهذه الحقيقة تتبلور في اذهان كثير من العراقييين رغم اختلاف وجهات نظرهم . فازاء الاهمال المتعمد للمواطن العراقي من قبل الحكومات المتعاقبة منذ الاحتلال الى يومنا الحاضر , وعدم الشعور بالامان في الشارع والبيت ومكان العمل والفوضى المنتشرة والفساد المستشري كالوباء . واهانة كرامة العراقي في الداخل والخارج نتيجة ضعف الدولة والتجاوز على سيادتها . فان كثير من الناس يحنون الى الماضي , واذا كانت هناك مقارنات بين الحاضر والماضي فهذا لايعني اننا نمجد اشخاصا معينين او نظام حكم محدد . ولا يعني نوع من النوستاليجيا , او الحنين الى الماضي . . ولكننا في الستينات والسبعينات مثلا كنا نشاهد مدينة بغداد دار السلام وهي عروس المدن , عاصمة للثقافة والادب . وفي سنوات لاحقة ازدهرت الفنون التشكيلية والمسرح وقاعات الفن الحديث والمكتبات المنتشرة والقراء من كل فئات المجتمع , حتى قالوا القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ . وشارع الرشيد في اوج عنفوانه , نظافة واناقة ورقي , اضافة الى شاطئ ابو نؤاس الذي اصبح مضرب الامثال للسمك المسقوف واغاني ام كلثوم وكازينوهات للعوائل , واخرى لطالبي الانس من دون غلو ولا اسفاف . ولاننسى ساحة الامة وحديقتها الغناء , وكثير غير ذلك في بغدادنا الجميلة آنذاك . كل ذلك تحت وارف من الامن والثقة بالنفس , والامل في مزيد من التقدم والازدهار . وكنا نسافر في جواز سفر محترم يحافظ على كرامة العراقي اينما ذهب . ومدارسنا رصينة وهي تزهو بالطلاب والطالبات بابهى صور من النظافة والاناقة والجد واللعب

بغداد الان بعد حكم الجهالة والتخلف اصبحت اسوأ مدينة بالعالم . . ويتسيد فيها الرعاع من حثالة المجتمع والفاسدين , وتنتشر المافيات المسلحة وحمايات المسؤولين , والتجاوزات الكثيرة على المواطن والشارع . ولم يسلم حتى شرطي المرور من اعتداءاتهم وشرورهم . ومافوضى المرور واهمال الاشارات الضوئية وانعدام الخدمات العامة الا مظهرا جليا للمستوى المتدني الذي وصل اليه البلد

وبغض النظر عن وجهات النظر المختلفة حول سياسات الانظمة والحكومات السابقة , الا اننا كنا نعيش في ظل حكومات مدنية , كانت افكارنا مدنية وثقافتنا مدنية وكل حياتنا مدنية . ولكن التدين الزائف من التكفير وفرض التحريم والتجريم باسم الدين , والفتاوى المنافقة هو الذي غير مجتمعاتنا . فحلت الطائفية محل الوطنية , والشمولية محل القومية . فانتشرت الاحزاب والتكتلات الطارئة على عموم الوطن , وهي تنشر افكارا دينية رجعية وطائفية عفى عنها الزمن . واخذت تحارب كل ماهو وطني او عربي . وتبعهم المخدوعون من كل الطوائف والمكونات , حتى من اولئك الذين يدعون الثقافة والعلم من حملة الشهادات المزورة وغيرهم
فذهب كل واحد باتجاه معاكس للاخر . ودبت الفوضى . والشك في الهوية والانتماء نتيجة تفشي التخلف والعقول المتحجرة , حتى ظهرت اصواتا نشاز تدعي بان العراق دولة مصطنعة مستندين لاطروحات ذات اهداف مشبوهة مثل تنظيرات كيسنجر وغيره . وكان القصد من ذلك طمس الهوية القومية والوطنية لاحلال هويات ظاهرها اسلامي وباطنها توسعي استعماري . وهكذا نسينا ماضينا وانتماءاتنا ودخل الشك في نفوسنا وقدراتنا وشخصيتنا

ومما زاد الطين بلله دخول حشود من العسكر والميليشيات
والغرباء الى داخل حدودنا ونحن في غفلة عنها . حتى اخذنا نبحث عن من يخلصنا من هذه الفوضى والمحن . فالبعض ينتظر مخلص ميتافيزيقي مثل جودو الذي لن ياتي ابدا . وهناك من يتوجه الى ايران لتخلصه من امريكا . والاخر فضل امريكا لتخلصه من ايران . وهناك جيوش الكترونية تمجد اردوغان لاعادة الحكم العثماني باسم الاسلام السياسي وهكذا . في حين كان العراقيون معتزين بانفسهم , معتمدين على فكرهم وسواعدهم . وهم قادة الامة , وروادا في الفكر والادارة والسياسة . . ودول الخليج والسودان واليمن وغيرها شاهدة على فضل العراقيين قي تطويرها وتقدمها بعد تحررها من الاستعمار , وتدريب كوادرها على السياسة والادارة والعسكرية
فما عدا مما بدا . وكيف تم التشويش على عقولنا وفكرنا حتى ضيعنا شخصيتنا وفقدنا البوصلة التي تهدينا الى التحضر والتمدن الذي بدأنا به منذ وزارة الاعمار ومجلس الاعمار في الحكم الملكي وماتلاه من نمو اجتماعي وتقدم حضاري لكل القطاعات الاجتماعية والثقافية والعلمية والفنية , فانتكسنا حتى وصلنا الى الجهل والتخلف والتمسك بالخرافات . ولم نعد نفرق بين عدو وصديق ووصلنا الى مرحلة الضياع والتيه والشك في كل شئ حتى بانفسنا وقدراتنا

لقد فقد الناس الامل بتحسين الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية . ودب اليأس في النفوس , وكثرت حالات الانتحار والطلاق , وانتشرت المخدرات وخصوصا في صفوف الشباب والطلاب , بعد ان كانوا في طليعة الامة بالنشاط والخلق والابداع
كل ذلك كان نتيجة الاطروحات المتخلفة التي جاءت بها الاحزاب المشبوهة . ومارافقها من طفيليات تقتات على السحت الحرام من خارج الحدود . والتثقيف بها لاشاعة الخرافة والجهل بمخطط معد سلفا لتدمير العراق بعد مسيرة اعوام طوال من التقدم والازدهار في كل مجالات الحياة

فهل سيعود الوعي لهذا المجتمع بعد سنين من التخبط والضياع ويجد اهدافه الحضارية ويعثر على بوصلته المفقودة
اما نحن فمازلنا نحلم بمجتمع ناهض ودولة مدنية تقوم على العدل والانصاف بغض النظر عن الدين والطائفة والقومية . وسيبقى عندنا امل
ادهم ابرهيم

Show more

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.