أفات اجتماعية قاتلة ” 16 “

آفات إجتماعية قاتلة (16)

لغط القادة = رعب الجماهير !
قال تعالى ” وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”.
احمد الحاج

بلد كالعراق مَر بويلات وحروب لو أنها مرت على بلد غيره لمحته من الخارطة البشرية والجغرافية ، حتى صار لغط القادة فيما بينهم وإطلاق التصريحات والتصريحات المضادة يولدُ حالة من القلق والإحباط الجماعي للجماهير بما يستدعي في خضمه كل ما مرَ به من مآس وأحزان على مر عقود طويلة دفعة واحدة ، علاوة على كم الشائعات والتحليلات والتخمينات الهائل الذي يترافق عادة مع كل لغط علوي تتناقله القواعد الجماهيرية القابعة أسفل السلم الاجتماعي بمزيد من الإرباك ، اليوم الشارع العراقي كله متوجس مما ستؤول اليه اﻷمور في حال لم يحسم ملف إلحاق أو دمج فصائل الحشد بالقوات المسلحة وفقا للامر الديواني اﻷخير على خير، وصارت الفضائيات تتنافس فيما بينها لصب الزيت على النار وباتت تتلذذ بإستعراض الكثير من اللغط العلوي لتحقيق المزيد من المشاهدات والتعليقات والتغريدات السفلية !
لايختلف إثنان على أن قرار رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي بتنظيم عمل قوات الحشد التي شكلت استجابة لفتوى الجهاد الكفائي بعد غزو ما يسمى بتنظيم داعش لمساحات واسعة غربي وشمالي العراق عام 2014 ، وعدها جزءا لا يتجزأ من القوات المسلحة، تعمل تحت إمرة القائد العام واستبدال تسمياتها السابقة بأخرى ضمن السياقات العسكرية وتحديد معسكرات خاصة بها واغلاق مقارها ومكاتبها الاقتصادية ونقاط تفتيشها داخل وخارج المدن وتخيير غير الراغبين منها بالاندماج بالتحول الى تنظيمات سياسية شريطة عدم حمل السلاح الا بترخيص ، خطوة بالاتجاه الصحيح بعد سلسلة من الاحداث التي احرجت الحكومة دوليا وعربيا ابرزها محاصرة السفارة البحرينية في بغداد واستهداف الشركات النفطية جنوبي العراق وبعض المواقع الاميركية ناهيك عن غلق عشرات المقار الوهمية ذات المسميات المختلفة في العاصمة وعدد من المحافظات وكلها تزعم انتسابها الى الحشد في الاونة الاخيرة علاوة على التصريحات المتشنجة لبعض قادة الفصائل والتلويح بالذهاب للقتال في اليمن الى جانب الحوثيين ، والى سورية للقتال الى جانب الاسد، بعض الفصائل استجابت لقرار عبد المهدي نحو ” سرايا السلام ” التابعة للتيار الصدري فيما اعترضت اخرى ” حزب الله ” مطالبة بشمول البيشمركة والـ PKK بالقرار ، بينما تحفظت ثالثة بإنتظار ما ستؤول اليه اﻷمور والنظر في مدى جدية القرار والقدرة على تنفيذه على أرض الواقع بما له شواهد كثيرة لقوانين معطلة منذ سنين ظلت مجرد حبر على ورق أو انها طبقت على نطاق ضيق جدا طال صغار اﻷسماك من دون – كواسجها -ذات الجنسية المزدوجة تتقدمها ملفات النزاهة ومكافحة الفساد المكدسة في أروقة القضاء بإنتظار البت بها بعد عمر طويل ربما بعد خراب البصرة كما يقول المثل العامي !
وبعيدا عن تفاصيل القرار وهل سيطبق خلال المهلة الممنوحة لغاية نهاية تموز 2019 ، وهل ستمتثل الفصائل المسلحة للقرار أم لا ، وماذا لو فشلت الحكومة في تطبيقه على أرض الواقع ، هل ستمدد المهلة مجددا الى فترة أطول ، هل سيلغى اﻷمر الديواني كما ألغيت أوامر سابقة ويستبدل بأمر جديد ، هل سيحدث صدام بين بعض الفصائل والقوات اﻷمنية ، هل ستقبل الفصائل التابعة لمرجعية النجف الالتزام بالاندماج فيما ترفض الفصائل التابعة الى الولي الفقيه في ايران ذلك ، هل سيصار الى البرلمان ، الى التشاور ، الى المحاصصة للطعن في اﻷمر الديواني أو العمل على تفعيله من غير مشاكل تذكر ، ماهو موقف اميركا من حكومة عبد المهدي والفصائل الرافضة للاندماج بعد نهاية المدة الممنوحة من دون تطبيق القرار ، ماهو موقف ايران سواء من تطبيق القرار أو عدمه ؟ اسئلة كثيرة حائرة ومقلقة تدور في أذهان المراقبين والمتابعين للمشهد العراقي ستجيب عنها الايام الحبلى باﻷحداث إن عاجلا أم آجلا أو كما يقول المثل العامي ” اصبر على أولها تشوف تاليها “.
اقول بعيدا عن كل ذلك دعونا نستعرض قصص اﻷمم مع الجيوش الرديفة عموما ، اذ ان اﻷصل في جيوش العالم بكل تشكيلاتها وصنوفها أن تكون وحدة واحدة متكاملة تأتمر بأوامر قيادتها العليا وتتبع سلسلة المراجع بدقة متناهية ﻻتحيد عنها قيد أنملة تبدأ بأصغر جندي وتنتهي بالقائد العام للقوات المسلحة للحفاظ على النظام الداخلي وحماية الحدود والدفاع عن البلاد والذود عن حياضها من المخاطر الخارجية ، اﻻ أن بعض الدول تلجأ عند خشية قيادتها من سطوة الجيش وخوفها من الانقلابات العسكرية المفاجئة الى بناء جيش رديف يكون بمثابة سيف مسلط على رقبة الجيش النظامي وتهديد له في كل شاردة وواردة قد يفوق الجيش النظامي عدة وعددا ، فيما تلجأ دول أخرى عند إندلاع الحروب وضعف الجيش أو إنكساره الى تشكيل قطعات غير نظامية تستخدم حرب العصابات يطلق عليها ” الميليشيات ” لتتولى مهمة الدفاع بمساندة ما تبقى من القطعات النظامية ، وفي زمن الحروب اﻷهلية يصار الى تشكيل فصائل مسلحة غير نظامية تتولى حماية رقعة جغرافية ما بدوافع طائفية ، عرقية ، مناطقية ، للدفاع عن نفسها وجمهورها حين تستشعر بأن الدولة غير قادرة على فعل ذلك، فيما تقوم أحزاب سياسية في البلاد المضطربة ذات المكونات واﻷعراق المختلفة الى بناء تشكيلات مسلحة مماثلة للحفاظ على كينونتها واثبات وجودها وفرض سطوتها على الساحة ، كما تنتهج المعارضة الاثنية ، الايدولوجية ، الدينية ذات النهج في بعض الدول بتمويل خارجي وتلجأ الى استحداث تشكيلات مسلحة بمسميات ثورية براقة لتحقيق اهدافها بقوة السلاح لفترة قد تطول وقد تقصر بحسب التأييد الداخلي والتمويل والدعم العسكري واللوجستي الخارجي !
اﻷمثلة على ما ذكرت دوليا أكبر من العد والحصر منها من تعمل لمساندة الانظمة الحاكمة ومنها من تعمل ضدها لصالح جهات واجندات خارجية ، ولعل من اشهرها ، ميليشيات الجنجويد في السودان ،الجيش الجمهوري الايرلندي السري ،جبهة البوليساريو في المغرب ،جيش زاباتيستا للتحرر الوطني في المكسيك ، الخمير الحمر في كمبوديا ، حزب الكتائب وميليشيا النمور الاحرار وحراس الارز في لبنان ، وكل الحركات المسلحة التي يطلق عليها ” الانصار ” ذات العقيدة اليسارية التي تدعمها روسيا وقبلها الاتحاد السوفيتي ،الجبهة الساندينية للتحرير الوطني في اسبانيا ، منظمة ايتا الانفصالية في اقليم الباسك ،نمور التاميل في سيريلانكا ، وكذلك كل التنظيمات الراديكالية ذات البعد العقائدي – مسيحية كانت أم اسلامية أم بوذية ام هندوسية أم سيخية ..الخ – !
كلها يطلق عليها فصائل مسلحة في بعض وسائل الاعلام أو ميليشيات في وسائل اخرى كونها غير نظامية وتلجأ الى حرب العصابات والشوارع كأسلوب قتال ، وفي الدول التي تضطر الى استحداث هكذا وحدات قتالية غير نظامية عادة ما تبقيها على دكة الاحتياط لحين الطلب أو تعمد الى حلها أو دمجها ضمن القوات النظامية وﻻخيار رابع البتة في التعامل معها اﻻ في حال خشية الحزب الحاكم من الجيش وإنقلاباته غير المأمونة بتحريض محلي أو اجنبي وباﻷخص ان لم يكن يحتفظ بولاء كاف من كبار قادته وﻻ بقاعدة عريضة مؤيدة له داخل صفوفه يضمن له الهيمنة ، فيحولها آنذاك الى رديف اقوى من الجيش النظامي وﻻيأتمر بأوامره ، والحديث السابق لاينطبق على حركات التحرير ومقاومة الاستعمار في أي بلد كان فهذه لها خصوصيتها وهي التي ستتحول لاحقا الى جيش البلاد النظامي بعد طرد المحتلين ونيل الاستقلال في أي زمان ومكان كما في فلسطين حاليا ، الجزائر والشام ايام الاحتلال الفرنسي ، ليبيا ايام الاحتلال الايطالي ، مصر والعراق والسودان ايام الاستخراب وﻻ اقول الاستعمار الانجليزي وقس بقية الدول المحتلة على ذلك .
العراق سبق له ان عاش تجارب مريرة مع الجيوش غير النظامية الرديفة بما يغني عن استنساخها وتكرارها على عواهنها من غير أسس وقواعد وقوانين وضوابط صارمة تضبط ايقاعها تضمن اﻷمن من جهة وحقوق الشعب و جيشه الوطني النظامي من جهة اخرى ،أسوقها لشحذ الذاكرة وإستعادة الصورة في حال عدم ضبط الايقاع المنشود ، التجربة الاولى بدأت بتشكيل ما سمي وقتها بـ” المقاومة الشعبية ” الشيوعية بعيد ثورة تموز عام 1958 التي اطاحت بالنظام الملكي وذلك محاكاة لميليشيا الانصار في العالم الشيوعي وسرعان ما قامت هذه الميليشيا بمجازر يندى لها جبين الانسانية في كركوك والموصل وضيقت على الناس حياتهم وارزاقهم في محافظات اخرى ، ما استدعى الى حلها ، لتظهر لنا ميليشيا جديدة هي ” الحرس القومي ” التي اسسها حزب البعث عام 1963 بعد انقلاب 8 شباط الذي اطاح بالزعيم عبد الكريم قاسم وسن لها قانون يحمل الرقم (35) لسنة 1963 وقد ارتكبت من الفظائع ما يفوق سلفها الشيوعية لحين القضاء عليها على يد الرئيس عبد السلام عارف في تشرين الثاني من نفس العام ، وقد استنسخ البعث السوري نسخة منها تحت نفس العنوان ” الحرس القومي ” بعد ثورة 8 آذار 1963 والذي تمخض بدوره عن فصيلين مسلحين ارتكبا من المجازر ما يشيب لهولها الولدان اﻻ وهما ” سرايا الدفاع و “سرايا الصراع ” ، وماهي سوى 7 اعوام حتى ظهر الى السطح تنظيم جديد بحمل عنوان ” الجيش الشعبي ” وفيه قال صلاح عبد الغفور في انشودته الشهيرة ” اتقدم واحنه وياك اثنين جيشين لصدام حسين “ولطالما تسبب هذا الجيش بهزائم نكراء متلاحقة للجيش العراقي في كل مكان سلمت عهدة حمايته اليه في الحرب العراقية الايرانية 1980- 1988وهو سبب ضياع الفاو وقتها ، اذ كان هذا الجيش الرديف او الميليشيا ذات مهام امنية واستخبارية اكثر منه جيش معد للقتال في الجبهات وقد تم حله عام 1991بعد غزو الكويت ليعاد تشكيله بمسمى آخر عام 2001 حمل اسم ” جيش القدس ” هذه المرة تجاوز تعداده المليون نسمة مع انه لم يصمد سوى ساعات عند الغزو الاميركي للعراق عام 2003 لنفس الاسباب ﻷنه جيش امني بإمتياز غايته حماية النظام وليس الدفاع عن البلاد ، وكان يضم بين صفوفه من العاطلين عن العمل والمكبسلين والمخمورين ما يفوق الخيال .
وبالعودة الى الامر الديواني لرئيس الوزراء القاضي بعد الحشد جزءا لايتجزأ من القوات المسلحة واغلاق جميع مقاره ونقاطه ومكاتبه الاقتصادية وتخصيص معسكرات خاصة به والغاء التسميات السابقة واستبدالها بتسميات الجيش في مهلة اقصاها شهر ، فقد تباينت اﻵراء بشأنه بين مشكك ومقلل من قيمته ومؤيد له ورافض ، المشككون نوهوا الى أن اﻷمر الديواني الصادر عن رئيس الوزراء لم يتحدث عن دمج الحشد مع الجيش، وإنما تحدث عن عمله كجزء من القوات المسلحة وفق قانونه المشرع من مجلس النواب ، ومنهم من يعتقد بأن عبد المهدي ماكان له ان يصدر هكذا قرار لو لم يكن قد تشاور مع قيادة الحشد مسبقا فضلا عن وجود قانون الحشد الذي سبق لمجلس النواب ان صوت عليه في الدورة البرلمانية الماضية ، المقللون من قيمته يعتقدون جازمين بعدم القدرة على تطبيقه على ارض الواقع ، المؤيديون يرون انه السبيل الوحيد لتوحيد الصفوف ورصها ولمعرفة الجهات التي تتحرك خارج الاطر القانونية والضوابط العسكرية كما جاء على لسان مقربين من التيار الصدري ، الرافضون وهؤلاء انقسموا الى فريقين ، فريق يرى في دمج الحشد تمييع واضعاف له ” ويضم هذا الفريق بعض الفصائل البارزة فيه “، فيما الفريق الرافض الاخر يرى ان الدمج سيؤدي الى تقويته على حساب الجيش ” فريق العرب السنة ” وتمادى بعضهم ليحذر من تقسيم العراق في حال دمجه ” فريق علاوي ” في تصريحات سابقة وبذلك يتضح جليا أن اﻷمر سواء بالدمج أو الحل أو الالحاق بالقوات المسلحة أو تحويله الى تنظيمات سياسية يكتنفه الكثير من الغموض والتعقيد ما يستلزم بحسب المعطيات على اﻷرض الكثير من الجهود وعقد المزيد من الاجتماعات وتكثيف المشاورات ليس على مستوى الفرقاء السياسيين المحليين فحسب وانما على مستوى الفرقاء الدوليين والاقليميين ايضا للبت في مصيره ، ناهيك عن ان قيادات الاحزاب ذات الاذرع المسلحة لن تقامر بالتخلي عن فصائل تابعة لها لتنفك عنها ملتحقة بالجيش ما يجعلها تحلق بعد الانفكاك بجناح واحد في سماء الانتخابات المحلية والبرلمانية بعد ان كانت تحلق بجناحين – عسكري وسياسي – طيلة الفترة الماضية ما ضمن لها الكثير من القوة والنفوذ التي لن تغامر بفقدان احد ركائزها لعيون اميركا والمتحالفين معها التي لاتريد ذلك ، ناهيك عن إن أي اتفاق من هذا النوع يستلزم موافقة الجانب الايراني عليه وبقوة ضمن معادلة توازن القوى ، ومهما يكن من أمر فان قيادة البلاد بجيش قوي موحد له تأريخ طويل وسمعة عريضة يشهد لها القاصي والداني هي افضل بكثير من جيشين أو عدة جيوش داخل حدود البلد الواحد يتبع بعضها الزعامات والقيادات الروحية اكثر من القيادة العامة للقوات المسلحة فمن شأن ذلك أن يكون بمثابة شرارة قرب برميل بارود لاتدري متى ينفجر ليدمر الجميع من دون استثناء ، وقد ضربت شواهد على مخاطر تعدد الجيوش أو الفصائل المسلحة في العراق الحديث خلال الفترات السابقة وحجم الفوضى التي تمخضت عنها لتقريب الصورة الى اﻷذهان عسى ان تجد صدى لها في عقول وقلوب المهتمين قبل الهاوية فما مر بالعراق من مآس وحروب يكفيه وزيادة وأشير الى ان لغط القادة المتواصل فيما بينهم على كل شاردة وواردة لايصب في مصلحة الجمهور ويزيده إحباطا وهلعا لم يعد بوسعه إحتماله والصبر عليه الى ما لانهاية . اودعناكم اغاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.