آفات إجتماعية قاتلة (24)

آفات اجتماعية قاتلة (24 )
الفساد ساد ..الحلول الترقيعية بواد والإصلاح الحقيقي بواد !

قال تعالى : ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”.

احمد الحاج

ما أروع الدواء الناجع الذي صاغ وصفته عباس محمود العقاد ، لكبح جماح الفساد والتي إختصرها بسطر واحد “الأمة التي تحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد” ، فبغير الجرآة على الباطل واساطينه وبغير الجهر بكلمة الحق والصدع بها من غير محاباة ﻷي كان وﻻ انتقائية في تخير فضائح لصوص يخالفونهم مذهبيا ويعارضونهم ايدولوجيا ، مقابل السكوت على أمثالهم من الموالين لكتمها والتستر عليها ، فلا مكافحة للفساد والفاسدين وﻻ هم يحزنون إطلاقا ، فإما حرب شاملة شرسة متخطية للانتماءات الضيقة على الفساد ﻻتبقي وﻻ تذر إنطلاقا من الحكمة القائلة ” ما لايدرك كله لايترك جله ” وإما وكما قال سعد زغلول وهو على فراش الموت ” مفيش فايدة ..غطيني ياصفية ، وباﻷخص اذا ما تحول المثقفون والاعلاميون والاكاديميون كل واحد منهم الى” المواطن كين ” وهو أشهر فيلم في تأريخ السينما العالمية تناول سيرة حياة إعلامي غاص في الفساد ودافع عن الفاسدين وتلاعب بعقول الجماهير حتى أصبح مليارديرا يمتلك أضخم امبراطورية لشراء الضمائر والعبث بالعقول وقلب الحقائق عاليها سافلها ” وما اكثر – الكينيين – ممن اشتروا بأموال السحت الحرام ماكينات إعلامية ضخمة خصصوا جانبا من برامجها لمحاربة الفساد المتعلق بخصومهم السياسيين فحسب بقصد الإبتزاز تارة ، والتسقيط السياسي تارة أخرى والكل يسائل الكل من دون أن يسأل نفسه ” من أين لك هذا ؟!” والنتيجة هي إهدار واختفاء أكثر من 1000 مليار دولار وتلاشي موازنات فلكية بأسرها من دون إنجاز مشروع واحد له قيمة يهم الصالح العام ، القضاء على أزمة السكن ، مكافحة اﻷمية ، الحد من البطالة ، بناء المصانع ، الارتقاء بالواقع الخدمي والزراعي والتعليمي والصحي للبلد وهلم جرا !
اليوم وكلما كان عاشقا للكيان الصهيوني المسخ ، حاقدا على العرب والمسلمين ، متورطا بفضائح لاتحصى مع النساء بالصور ومقاطع الفيديو غير المفبركة كانت حظوظ السياسي الغربي أكبر للفوز بالمنصب ، بوريس جونسون الذي أصبح رئيسا لحزب المحافظين ورئيسا لوزراء بريطانيا – صحفي سابق في جريدة التايمز والديلي تلغراف – وترامب الاميركي المغرد وكلاهما يمتلك ذات الشعر اﻷصفر ونفس الكذلة الشقراء وكل منهما معجب بشخصية اﻵخر أنموذجا ..في العراق كلما كان السياسي طائفيا بإمتياز وفاسدا بالوثائق واﻷدلة كلما كان حظه أوفر للظفر بالمنصب وكان نصيبه من اللقاءات المتلفزة أكبر للحديث عن فساد اﻵخرين للضغط عليهم وكأنه الملاك الطاهر والولي الصالح الذي لم يقترف الفساد يوما ولم يقترب منه ولو بالشبهات والنتيجة المؤلمة = عالم يحكمه العنصريون ، الطائفيون ، الفاسدون بإمتياز يتصدر العراق قائمته دوليا !
فجأة وعلى حين غرة وبعيد إصدار وزارة الخزانة الاميركية عقوبات بحق أربعة سياسيين عراقيين بينهم محافظان سابقان اﻷول ” ابو مازن ” محافظ صلاح الدين السابق ، والثاني نوفل العاكوب محافظ الموصل السابق ، اضافة الى زعيمي فصيلين مسلحين احدهما ” ريان الكلداني ” قائد ميليشيا بابليون ، والثاني شبكي ” وعد القدو ” قائد لواء 30 بتهم فساد وابتزاز وتملك غير مشروع وانتهاكات لحقوق الانسان ، لتكون العقوبات التي طالت مكونات – سنية ، مسيحية ، شبكية – بمثابة الحجر الذي حرك بركة الفساد الراكدة في العراق منذ 16 عاما ، اذ ان السياسيين أدركوا جليا كما المراقبين والمحللين بأن استهداف مكونات واقليات معينة من دون غيرها يشبه تطبيق قانون الدكات العشائرية أول مرة بحق منطقة قلما شهدت مثل هذه الدكات – الاعظمية – كونها لاتؤمن بها وﻻتمارسها عرفا قياسا بمناطق أخرى تشهد يوميا مثل هذه الدكات التي تشكل جزءا من منظومتها الفكرية وتركيبتها الاجتماعية لتكون بمثابة رسالة واضحة تبدأ بالضعفاء لتنذر اﻷقوياء على طريقة ” اياك أعني واسمعي ياجارة ” ، عقوبات وزارة الخزانة الاميركية – التي سرقت مقدرات الشعب العراقي وخيراته على مراحل – انما تمهد لفتح ملفات فساد وانتهاكات بحق قيادات تابعة لمكونات أخرى في القريب العاجل ما إستدعي التحرك الداخلي للملمة الموضوع قبل أن يستفحل ويتخذ منحى دوليا يصعب تداركه وما بعد الادراك سوى الاستدراك ، فمن مطالبة برفع الحصانة عن 60 نائبا تقدم بها مجلس القضاء اﻷعلى بتهم القذف والتشهير والفساد ، الى الكشف عن وجود أوامر القاء قبض بحق 11 وزيرا وإحالة 1367 قضية فساد إلى محاكم النزاهة للنظر فيها كما جاء على لسان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ، الى اعلان التيار الصدري عن قائمة قياديين فاسدين ينتحلون عنوان آل الصدر لمممارسة الاعمال التجارية والحكومية و الاثراء غير المشروع ، وكلها – بربطة المعلم – لن تقضي على الفساد ولن تحد منه ولو بالحد اﻷدنى لطالما كانت الحرب ضده مسيسة ، متشحة برداء الطائفية ، الفئوية ، الحزبية ، القومية بما هو معروف للقاصي والداني اذ سرعان ما ستتدخل العصبيات والمحسوبيات والمنسوبيات للحيلولة من دون محاسبة – لص مخضرم – كونه من محاسيب فلان أو علان كما ان الفساد لن يكافح مادامت ثلة الكتاب والمثقفين والاعلاميين والاكاديميين في واد وحرب الفساد في واد آخر تماما ، اذ اكتفى الصنف اﻷخير اﻻ ما رحم ربك إما بالغرق في مستنقع الفساد اﻵسن الى الاذقان ، واما بالتكالب على موائده العامرة للحصول على فتاتها وأحيانا عظامها ككلاب المزابل ، واما الاكتفاء بالشكوى على طريقة المكادي أمام العدسات وفي الجلسات الخاصة حين يتجاذبون اطراف الحديث فيما بينهم بشأنه على استحياء وبصوت خافت وهم يرددون بنغمة المتسولين ” ..ماء ماكو ..كهرباء ماكو ..شغل ماكو …ادري وين الحكومة ؟ ..وين المسؤولين ..شلون تاليها ؟” بما لايسمن ولايغني من جوع وﻻ يحل – رجل دجاجة – “كما تقول جداتنا، اما الخطر اﻷكبر فيكمن في أن التظاهرات ضد الفساد والفاسدين قد سُيست بدورها وركب موجتها بعض عتاة المتورطين به شخصيا ما أفقد الشارع ثقته بجميع الإجراءات سواء على المستوى الحكومي بسلطاته الثلاث ، التشريعية ، التنفيذية ، القضائية ، أم على مستوى التظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية التي إمتطى بعض المتورطين صهوتها ، وهنا الطامة الكبرى !
وهنا لايسعني اﻻ ان أضع بين يدي القراء فضلا عن من يدعون مكافحة الفساد النقاط الاتية انطلاقا من قوله تعالى ” فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ “:
– كل حزب ، تيار ، كتلة سياسية عليها أن تبدأ بالفاسدين في صفوفها وتسلمهم الى القضاء وترفع الحصانة عنهم وأن لاتتدخل بسير التحقيقات معهم وإﻻ فإن شعارات مكافحة الفساد ” هواء في شبك “.
– كل مكون ، طائفة ، فئة تسلم الفاسدين في صفوفها وتفضحهم قبل أن يفضحهم اﻵخرون ، الكرد يسلمون الفاسدين الكرد ، التركمان يفضحون الفاسدين التركمان ، العرب يشهرون بالفاسدين العرب وهكذا بقية الطوائف والاقليات ، بخلاف ذلك فإن كل هتافات محاربة الفساد ” زوبعة في فنجان “.
– كل عشيرة عراقية تسلم الفاسدين ممن ينتسبون لها حفاظا على سمعتها وأن ﻻ تتستر عليهم ، وﻻ ترتضي بتوفير الحماية لهم ، وﻻ الدفاع عنهم ، بخلاف ذلك فإن مكافحة الفساد ” جعجعة من غير طحين “.
– كل سلطة من السلطات الثلاث تبدأ بنفسها لمحاسبة الفاسدين في صفوفها..كل وزارة ، محافظة ، مجلس محافظة ، هيئة ، مفوضية ، لجنة ، مديرية تبدأ بنفسها وفاسديها أولا قبل اﻵخرين واﻻ فإن صيحات محاربة الفساد ” أواعدك بالوعد وأسكيك ياكمون ” .
– الوقفان الشيعي والسني وبقية اوقاف الاقليات عليهم ان ينحو ذات المنحى واﻻ فالقضية برمتها ” خليها سكتة يالفتة “.
– الجنسية الثانية للفاسدين يجب أن لاتعفيهم من المساءلة على الاطلاق وﻻ تسمح لهم بمغادرة العراق اذا ما اشتد اوارها ضدهم ، واﻻ فيجب أن يصار الى إسقاط الجنسية الثانية عن من يتولي المناصب المهمة تحسبا – واللي ما يقبل يطخ راسه بالحايط ويمنع توزيره كليا – !
– كل من أقر على نفسه وحزبه بالفساد علنا أمام العدسات يساق الى المساءلة ﻷن الإقرار سيد الادلة وعليه تقديم مابحوزته من ملفات بحق من اتهمهم بالفساد ليساق هو أو من اتهمهم الى المحاكم ، اما ان يخرج علينا من يوزع الاتهامات ذات يمين وشمال ويدين نفسه ومن ثم يخرج من الاستوديو محملا بالهدايا والاعجابات ليصبح – روبن هود – تتسابق الفضائيات للقائه فهذه مهزلة العقل البشري بعينها !
– يمنع منعا باتا اللجوء الى ما يسمى بالمحاكم الخاصة بالاحزاب والتيارات فهذه من شأنها تعقيد اجراءات القضاء وتضييع سير المحاكمات وتهميش العدالة لصالح الفاسدين والمفسدين في اﻷرض .
– عدم إخضاع ملفات الفساد للمساومات والمزايدات والمناورات السياسية ” تفتح ملفي ، افتح ملفك ..تسكت ،اسكت”.
– على وزارة الخزانة الاميركية كشف ملفات من سرقوا العراق من مواطنيها بدءا بغارنر وبريمر – ابو الكيمر – وبقية شركاتها وشخوصها منذ عام 2003 وشيل إيدك وتريد اذكرك اذا ناسي ، أو الكف عن لعب دور – الام تيريزا -بحقنا إعلاميا !
– المطلوب حملة وطنية كبرى ضد الفساد لاهوادة فيها البتة تشترك فيها كل المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وجميع الناشطين والاعلاميين والائمة والخطباء والحقوقيين تتصف بنبذ ستراتيجية النعامة وعقلية السمكة وذاكرة الذبابة التي تنسى بفعل الفتن وتتناسى بتأثير المحن ملفات الفساد بالتتابع لتشدد على آخر ما انتهت اليه السلسلة المقيتة من دون بقية حلقاتها المتصلة ، ونبذ التجزئة والانتقائية في محاربة ملفات فساد عند مكون من دون آخر كما جرت عليه العادة محليا ..ﻷن وصلت حدها وما ظل بالعراقيين صبر !اودعناكم اغاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.