عندما إنتهتِ الحربُ إستلمتْ والدتي رفاتهُ لم يكنْ سوى قمصلة خاكيّة تتزيّنُ بـ ثلاثةِ ( خيوطٍ )* وثقب ماكرٍ يعلو الصدرَ من جهةِ اليمين كما هي خزّنتها وحيدةً في ( الفاتيةِ )* الحمراء وظلّتْ تتعاهدها كلَّ يومٍ مذ كنّا صغاراً نلعبُ ببراءةٍ امامَ بيوتِ الصرائفِ التي تتنفسُ ( شطيط )* الطافحَ بـ أحلامِ المنفيينَ وراءَ الزمانِ تدسُّ معها القرنفلَ و( ريحة  أم السودان )* التي كانتْ تتعطرُ بها كلَ ّ ليلةِ إنتظارٍ طويلٍ وتعيدُ على مسامعنا نفسَ حكايةِ المسافرِ الذي قدْ يعودُ يوما محذّرةً إيّانا ألاّ ننساها حينَ نكبرُ وأنْ نتعاهدَ الاّ نفشي أسرارها . ماتتْ أمي وماتْ ( شطيط ) وإندثرتْ فيهِ الذكريات وقمصلةُ والدي الخاكيّةِ إمتدّ إليها الجحود فلا قرنفلَ يقتحمُ وحدتها ولا ( ريحة ُ أمْ السودان )  تمنحها الدفءَ والسلوان لا شيء سوى فراغَ الصمتِ والإهمالَ يزحفُ على ألوانها المجروحةِ حسرةً منكفئة على ظلامِ الأرقِ فراحَ يغزلُ العنكبوت في جيوبها  بيوتاً فارهة وأنفاقاً سرّيّة وشوارعً تمتلىءُ بالخواءِ تسمعُ وقعَ النسيانِ يتراصفُ في خيالِ دموعِ الأمس . وجبَ الخلاص مِنْ إرثِ العسكرِ الجاثم ثقيلاً فيها  جمّدَ الحياةَ يكحّلُ في عيوننا حبالَ الأسى تخنقُ براءةَ الضحكاتِ المتوعكةِ نتصنعُ اللامبالات لماضٍ أرهقهُ كثيراً صوت ( أبو الفرفوري )* يستبدلُ الخيباتِ المثقلةِ حزناً يعانقُ أسمالهُ المحشوّةِ بلا عنايةٍ في كيسٍ لا يشبع يتأهبُ أنْ يملأَ فيهِ هزيمة خاكيّها  ويهرّبُ نباحَ الحرب في درابينِ الفقراء فيرتدي قمصلةُ ابي على كتفهِ يضعُ تصاويرَ طفولتنا المنهوبةِ ويملأُ الصحونَ بالفجيعةِ .

 

القمصلة الخاكية : تشبه الجاكيت ولونها عسكري .

الفاتيةِ : صندوق من الحديد تستخدمه النساء لحفظ الملابس وغيرها .

شطيط : نهر قديم اندثر الان .

ريحة ُ أمْ السودان : عطر رخيص تستخدمه النساء القرويات .

أبو الفرفوري : شخص يتجول في المدن يستبدل الملابس القديمة بصحون الزجاج ( انقرض وجوده الان ) .