محمد حامد/مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

 

  تشهد تركيا في منتصف الشهر المقبل تحديدا 16 من ابريل/نيسان استفتاءا شعبيا حول تعديلات دستورية أقرت من البرلمان التركي وتعتبر هذه التعديلات مصيرية لرأس النظام السياسي التركي الرئيس رجب طيب اردوغان، حيث إن مستقبل تركيا أصبح رهينة للتصويت بنعم وفي حالة رفض الشعب التركي التعديلات الدستورية فهو بمثابة تصويت على إسقاط حكم العدالة والتنمية الذي دام أكثر من 15 سنة والرفض يعنى أيضا الحفاظ الجزء المتبقي من القيم العلمانية الاتاتوركية والتي وضعها مصطفى كمال اتاتورك، بل نحن أمام تعديلات دستورية تعيد تركيا الى سلطنة عثمانية وهكذا يردد النخب التركية المريدة للرئيس التركي بأننا نصنع ديمقراطية تناسب الشعب التركي ذو الارث التأريخي العريق بمعني آخر ديمقراطية احفاد العثمانيين لذلك ركزت كافة الصلاحيات الدستورية والتي توصف بالخرافية في يد الرئيس.

أولا: هل التصويت (بنعم) يجلب الاستقرار السياسي لتركيا؟

إن أغلب دعاية الحكومة التركية قائمة أن النظام السياسي التركي سيكون أكثر قوة ومناعة ومتانة من خلال بناء نظام رئاسي قوي قادر على إدارة تركيا نحو مستقبل سياسي واقتصادي مزدهر للوصول لحلم تركيا 2023 سياسيا ان تنشأ حكومات ذات أغلبية مطلقة وليس ائتلافية والتي طالما عطلت تركيا كما تروج الحكومة التركية وأنصار حزب العدالة والتنمية ولكن التعديلات الدستورية تجعل الرئيس يحكم قبضته على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وتهدر مبدأ اصيل في الحكم الرشيد (check and balance) وبخاصة أنها تضعف سلطة البرلمان الرقابية خاصة مع الغاء منصب رئيس الوزراء واستبداله بإمكانية تعيين نائبين للرئيس التركي وايضا منح الرئيس صلاحية تعيين القضاة ومنها قضاة المحكمة الدستورية ومجلس الدولة ومجلس القضاء الاعلى وايضا سمحت للرئيس الإنتماء لحزب سياسي وهذا كان محظورا تأريخيا في تركيا.

1- استمرار حملات القمع 

  قد تمكن التعديلات الدستورية من إحكام العدالة والتنمية قبضته على السلطة بشكل أكبر إلا أنه سوف يزكي الصراع السياسي والحزبي بين حزب الشعب الجمهوري المعارض الحزب الثاني في البرلمان والحزب الحاكم خاصة ان نخبة العدالة والتنمية وجهت انتقادات لاذعة للحزب لإثنائه عن تقديم طعن في المحكمة الدستورية التركية حول بطلان التعديلات الدستورية واتهم الحزب إنه يتهرب من الاحتكام للإرادة الشعبية وإذا أقر الاستفتاء الشهر القادم ستولد عنه استقطاب سياسي حاد بين المؤسسات في تركيا خاصة ان التعديلات الدستورية دون توافق سياسي وحوار مجتمعي موسع ولن يجلب الاستقرار السياسي إلى تركيا بل ستلجأ الى الحلول الأمنية واستخدام العصا الأمنية في مواجهة معارضيها كما فعلت بعد إفشال الانقلاب في يوليو الماضي، خاصة ان الحكومة التركية مددت حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر جديدة مع بداية شهر مارس أو بمعنى أخر أن هذا الاستفتاء المصيري والذي سيحدد مستقبل الديمقراطية التركية ومن غير المستبعد أن تستمر حالة الطوارئ بعد الاستفتاء وتنطلق منها الحكومة التركية للتضيق على المعارضة ولا سيما ان حالة الطوارئ استخدمت ضد تنظيم فعاليات معارضة للتعديلات الدستورية ودعت للتصويت بلا.

2- صعود التيار القومي 

  الرئيس التركي رجب طيب اردوغان منذ عاما كاملا وهو لا يتحدث إلا بلسان قومي خالص يستند إلى الارث التاريخي للدولة العثمانية التي كانت تسيطر على اجزاء واسعة من العالم في القرن الماضي فنجد انه استخدم أوراق ضم الموصل العراقية الى الأراضي التركية بحجة أنها كانت تحت السيطرة العثمانية وأيضا حلب السورية روج انها كانت جزءا من الأراضي العثمانية بالإضافة الى الجزر الحدودية مع اليونان في بحر ايجه، بالإضافة الى نشر خطاب الكراهية ضد حركة الخدمة المتهم الاول بتدبير الانقلاب وايضا خطاب الحقد والنزعة القومية المتطرفة نحو الاكراد (حزب العمال الكردستاني) والتي مزقت الحكومة التركية اتفاق السلام والمهادنة معها في صيف العام قبل الماضي 2015.

 كل هذه الممارسات من قبل القيادة السياسية التركية في بناء خطاب قومي متطرف على مدار عامين والتحالف مع حزب الحركة القومية بقيادة دولة داخل البرلمان، لتمرير التعديلات الدستورية وهو ماحدث بالفعل ويتوقع بعد التصويت على التعديلات الدستورية في ابريل المقبل ان يحصد حزب الحركة القومية ثمن التحالف الاستراتيجي مع العدالة والتنمية عبر الفوز ببعض العمادات في المحافظات التركية وايضا في المخاتير (المحليات)، بل قد يحظى رئيس حزب الحركة القومية بمنصب نائب الرئيس التركي وفق التعديلات الدستورية الجديدة التي سمحت للرئيس تعيين نائبين او اكثر او بمعني اخر بعد 16 ابريل نحن امام نظام سياسي قومي متطرف قائم على خطاب معادي لحقوق الاقليات (الكرد) والقضاء على تيارات الاسلام الاجتماعي المتمثل في حركة الخدمة (استمرار سياسات اجتثاث جماعة فتح كولن).

3- إرتفاع وتيرة الارهاب 

  الاستقرار الامني وعودة تركيا امنة أمر حيوي وضروري للحكومة التركية خاصة في ظل انهيار العملية التركية منذ بداية العام فقدت 10 بالمائة من قيمتها وارتفاع نسبة العاطلين الى 5.5 بالمائة لأول مرة منذ عام 2010 وانخفاض نسبة النمو الاقتصادي الى أدنى مستوى، لذلك ارتفعت وتيرة العمليات الارهابية في تركيا خلال 2016 حيث لم يكن يمر شهر والا وقع تفجير يسفر عن ضحايا من الأتراك والأجانب من حادثة مطار أتاتورك مرورا بتفجيرات شارع الاستقلال في انقرة ثم اغتيال السفير الروسي في تركيا بالاضافة حادثة الملهى الليلي في يناير الماضي، كل هذه الحوادث المتكررة والمتناسخة والتي يتقاسم تبنيها بين تنظيم داعش وتنظيم صقور كوردستان المتطرف المنشق عن حزب العمال الكردستاني.

 كل هذه الحوادث أدخلت السياحة التركية مرحلة الركود والتجميد وفرض عدة دول حظرا على السفر الى تركيا كدولة غير امنة، لا نعلم هل ستمتد سلسلة العمليات الارهابية المكثفة في تركيا بعد استفتاء السادس عشر من ابريل ام لا؟، ولكن الارهاب ظاهرة عالمية ولابد ان يتكاتف الجميع لمحاربته وايضا مسألة تمويله والتوقف على احتضان الارهابيين على قوائم الانتربول بخاصة رموز من جماعات الاسلام السياسي التي تأخذ من تركيا ملاذا ومأوى آمنا وان سياسة الباب المفتوح مع الارهاب اخذت تركيا الى الوراء وافقدت انقرة بريقها الاقتصادي ونموذجها الحضاري في الجمع بين الاسلام والعلمانية بشكل فريد وملهم.

ثانيا: مستقبل العلاقات الخارجية لتركيا بعد الاستفتاء

   لا يمكن انكار ان تركيا دخلت في مغامرات اقليمية ودولة اكبر من قدرتها، لها دور مؤثر في الاقليم وتجلى ذلك عندما تخلي الحلف الاطلسي عن مساندة انقرة في مواجهة الدب الروسي في نوفمبر 2015، المغامرات الدبلوماسية لتركيا ولدت تخبطا وثقوب في السياسة الخارجية للدولة التركية وطالما استغل القيادة السياسية التركية معاركها في السياسة الخارجية لتوظيفها في رسم سياستها الداخلية لكسب اصوات انتخابية وكانت الرقابة البرلمانية في تركيا تلعب دورا هاما في رسم السياسة الخارجية وتوجيه النقد المباشر لها خاصة في ملف الازمة السورية حيث اعتبر كمال كلجدار اوغلوا سياسات بلاده نحو سوريا خاطئة منذ اليوم الاول.

ما بعد 16 ابريل سيتمكن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من الانفراد بالقرار اللاستراتيجي للدولة التركية في رسم سياساتها الخارجية بخاصة في ظل التقارب التركي الروسي على حساب التنافر بين تركيا والغرب ممثلا في اوروبا والولايات المتحدة واللتان تدعمان قيام كيان كردي في شمال سوريا (روج افا) والى تبلور سياسة امريكية جديدة تجاه سوريا سيبقي اردوغان في معسكر موسكو تاركا معسكر الغرب وتتقارب انقرة مع موسكو للحصول على صفقات اقتصادية وعسكرية لدفع اقتصادها المتعثر مقابل التعاون الاستخباراتي في ملف المقاتلين الاجانب من القوقاز ومن دول الاتحاد الروسي وايضا من  دولة الايجور  التابعة للصين، وعلى مايبدو ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب متخبط في بناء سياسة امريكية نحو الازمة السورية ومدى تأثير الدور التركي والحلفاء الخلجيين فيها وهذا الذي دفع اردوغان في التقارب اكثر مع الاتحاد الروسي ومن غير المستبعد ان يصنع الرئيس التركي استدارة تاريخية نحو دمشق (النظام السوري) بإيعاز من روسيا بهدف مساهمة دمشق في واد قيام دولة كردية ومحاصرة قدرات قوات حماية الكرد المهددة للأمن القومي التركي.

اما بالنسبة للعلاقات العربية التركية بدأت الحكومة التركية في التراجع وتدارك اخطاء دعم تيارات الاسلام السياسي في دول الربيع العربي وبدأ في فتح قنوات الاتصال عبر اعادة العلاقات الاقتصادية مثل اعادة العلاقات الاقتصادية مع مصر عبر فتح افاق التعاون رجال الاعمال المصريين والاتراك واصبحت اقل مجازفة ومخاطرة في مواجهة دول الربيع العربي وتخلت عن مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول وهذا امر سينقي اجواء العلاقات العربية التركية وسيفتح الباب امام بناء علاقات متوازنة بين العرب والاتراك.

ثالثا: الخلاصة

اذا وافق الشعب التركي على التعديلات الدستورية فستكون الدولة التركية على مفترق طرق ورهينة مسارين:

المسار الاول: ان يفتح الباب امام عودة تركيا دولة مزدهرة مستقرة سياسيا واقتصاديا عبر رفع حالة الطوارئ وايقاف الاعتقال العشوائي والاعتقال على الشبهة واعادة بناء المؤسسة العسكرية على اساس مهني وليس ايدلوجي، وبناء توافق مجتمعي بعد اقرار التعديلات الدستورية.

المسار الثاني: استمرار وتزايد وطأة القبضة الامنية في تركيا وبناء حكم بولسي سلطوي ذو واجهة ديمقراطية مدنية وتمتد تلك السياسات الى علاقتها الدولية فتكون سياسات خاطئة وتفشل انقرة في الحفاظ على مصالحها الدولية.