وقف الإستيطان ليس بالإدانة والإستنكار

د. محمد عبد الفتاح شتيه

عضو لجنة إقليم فتح في مصر

 

يستشري سرطان الإستيطان الصهيوني يوما بعد يوم في جسد الدولة الفلسطينية ، حتى أنه قضى على هذا الجسد وأفقده معالمه، ولم يُبق منه سوى أشلاء متناثرة هنا وهناك، دون أن يتخذ المجتمع الدولي أي خطوة عملية لوقف هذا التغول الإستيطاني الإسرائيلي، بل يكتفي بالإدانة والإستنكار، لعل وعسى أن تخجل حكومة الإحتلال الإستيطانية وتلقي بالا لتلك النداءات والدعوات بالكف عن جرائمها الإستيطانية، لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتحدى العالم أجمع بكافة منظماته الدولية والإقليمية، وتستمر في عملياتها الإستيطانية، إنطلاقا من أن الإستطان أحد الركائز الأساسية في العقيدة الصهيونية لقيام دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.

 

فالإستيطان ليس مجرد إستيلاء على أراضي السكان الأصليين وطردهم وإحلال المهاجرين اليهود من مختلف بقاع الكرة الأرضية مكانهم، بل هو إنتهاك لأبسط حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، فلا يكاد يمُر يوما على الأراضي الفلسطينية إلا وتوثق عشرات الإعتداءات من قطعان المستوطنين الغرباء على أرواح وممتلكات المدنيين الفلسطينيين، فجريمة حرق الطفل محمد أبو خضير في القدس، وعائلة دوابشة في نابلس شواهد ليست ببعيدة عن الذاكرة وغيرها الكثير، كما وتلعب المستوطنات دورا حاسما في تدمير قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، وتلويث البيئة الفلسطينية، وتدمير قطاعي الصحة والتعليم، ومن جهة أخرى تحول هذه المستوطنات دون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره الذي يعتبر من الحقوق غير القابلة للتصرف، وما يترتب عليه من إجهاض لحق العودة المقدس لدى اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها قسرا.

 

وقد إعتبرت كافة المنظمات الدولية والإقليمية وكافة القوى العالمية إقامة المستوطنات تحدٍ لعملية السلام بين الفلسطييين والإسرائيليين، وتعالت الأصوات بإدانة وإستنكار ما تقوم به إسرائيل من تغيرات جغرافية وديمغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن إسرائيل تضرب بعرض الحائط تلك الأصوات التي تعتبرها نشاز ومعادية للسامية!!

 

فبالأمس خرج رئيس وزراء حكومة إسرائيل الإستيطانية “بنيامين نتنياهو” متسائلا ببلاهة كيف يشكل الإستيطان عقبة في وجه السلام؟ بل وتمادى في وقاحته بوصف دعوات وقف الإستيطان وإزالة المستوطنات دعوة للتطهير العرقي للمستوطنين دون خجل أو وجل من يداه الملطخة بدماء المدنيين الفلسطينيين، وإقامة دولة إسرائيل العنصرية على جماجم وأشلاء المدنيين الفلسطينيين بإرتكاب أبشع جرائم الإبادة الجماعية بحقهم.

 

نعم تمادى رئيس وزراء حكومة الإستيطان الفاشية في طغيانه عندما تُرك له الحبل على الغارب، في ظل مجتمع دولي منحاز، لا يتقن سوى إبداء قلقه وأسفه حيال ما تقوم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جرائم دولية خطيرة منذ ما يزيد على نصف قرن ونيف، بينما في الخفاء يقدم المساعدات لدولة الإحتلال الإستيطانية في كافة المجالات، لإسترضائها وتشجيعها على الإستمرار في حماية مصالح الدول الغربية في الشرق الأوسط، حيث أعلنت حكومة الإحتلال قبل أيام عن بناء خمسمائة وحدة إستيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وشرعنت مائة وتسع وسبعين بؤرة إستيطانية، ضاربة بعرض الحائط أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، رافضة لمفاوضات السلام المعلقة على شرط وقف الإستيطان.

 

وفي رد على هذه العنجهية الإسرائيلية التي أحرجت المنظمات الدولية والإقليمية والقوى العالمية التي تسعى جاهدة إلى إخراج عملية السلام من عنق الزجاجة، صدرت بيانات الشجب والإدانة والإستنكار، فالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والإتحاد الأوروبي تدين وتستنكر التوسع الإستيطاني، وتحذر إسرائيل من مخالفة أحكام القانون الدولي! وحتى الولايات المتحدة الأمريكية تدين وتستنكر التوسع الإستيطان، ووعدت ببذل الجهود لإسترضاء نتنياهو المُدلل بمزيد من الدعم العسكري والمالي لإقناعه بجرعة كيماوي مؤقته تخفف شراسة سرطانه الإستيطاني!

 

مما حدى بالجانب الفلسطيني الذي يمد يديه للسلام ويطالب بوقف الإستيطان كشرط أساسي للعودة إلى المفاوضات، عندما وجد طريق السلام أمامه حالكة الظلام، مليئة بالعقبات، في ظل حكومة إسرائيلية شريعتها الإستيطان، أن لجأ إلى البيت العربي “جامعة الدول العربية” مستغيثا بالمساعده من أشقائه العرب لمواجهة ما تسعى إليه دولة الإحتلال الإسرائيلي بجعل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته إستحالة طبيعية مطلقة بإبتلاع الأرض الفلسطينية التي تعتبر الركن الأساسي لإقامة الدولة.

 

وبالتشاور داخل البيت العربي، تم التوصل إلى إصدار بيان من جامعة الدول العربية تدين وتستنكر فيه التوسع الإستيطاني، وتدعو إلى وقفه، وتحذر إسرائيل من سياستها العنصرية، وتم الإتفاق على تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يلزم إسرائيل بوقف الإستيطان فورا، على أن يتم بذل الجهود لحشد الدعم للتصويت عليه في جلسة طارئة لمجلس الأمن خلال الأيام القادمة.

 

بالغ التقدير لهذه الجهود التي تنطلق من أساس “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، لكن ألم تلاحظ الدبلوماسية الفلسطينية وأشقائنا العرب أن تاريخنا مليء بمحاولات إستصدار قرارات من مجلس الأمن لصالح القضية الفلسطينية، لم ترَ النور مطلقا، فمشروع قرار إنهاء الإحتلال في نهاية ديسمبر 2014، ليس بعيدا عن الذاكرة، فقد أُجهض دون حق نقض، بمجرد معارضة الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، فهل ستضمن فلسطين والدول العربية وحلفائها موافقة تسعة أعضاء على مشروع القرار المزمع تقديمه بمن فيهم الأعضاء الدائمين، وهل ستضمن فلسطين عدم إستخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحق النقض “الفيتو” لإجهاض مشروع القرار؟!

 

وحتى لو فعلا أثمرت الجهود وصدر القرار بإدانة الإستيطان والدعوة إلى وقفه فورا، فهل من آلية لتطبيقه وإلزام إسرائيل به في ظل الإنحياز الإمريكي الواضح وضوح الشمس لإسرائيل؟! خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية ترفض أي حلول للقضية الفلسطينية تحت مظلة الأمم المتحدة وفق أحكام القانون الدولي، بإعتبار أن الأمر عرقلة لعملية السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

 

إن الإستيطان مخالف لأحكام القانون الدولي، وصدرت العديد من القرارات الأممية التي تدينه، وهو وفق أحكام القانون الجنائي الدولي جريمة حرب، وهو من القضايا المطروحة أمام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، فمن الأولى أن نوفر جهودنا ووقتنا بمحاولات إستصدار مشروع قرار من مجلس الأمن نتيجته معروفه، بالبحث عن آلية ذات مردود إيجابي ومن ضمن إمكانياتنا العربية.

 

إن وقف الإستيطان وإجبار دولة الإحتلال على تفكيك مستوطناتها وإجلاء مستوطنيها عن الأراضي الفلسطينية، يكون بقرار من بيتنا العربي وعمقنا العربي الذي نعتز به “جامعة الدول العربية”، فالقرار الذي نريده ليس بتشكيل جيش عربي لخوض حرب لتحرير فلسطين، فنحن ندرك ما تجره الحروب من دمار وويلات على البشرية، ولا نسعى إلى إبادة الطرف الإسرائيلي من الوجود مثلما تسعى إسرائيلي العنصرية إلى محاولات إبادة الشعب الفلسطيني وإنهائه من الوجود بكافة السبل، بل نريد قرار عربي منسجم مع أحكام القانون الدولي.

 

هذا القرار ينهض على تبني جامعة الدول العربية لقرار ملزم للدول الأعضاء بقطع العلاقات الدبلوماسية والإقتصادية للدول العربية التي لها علاقات مع إسرائيل، بحيث يبدأ القرار من التهديد بقطع العلاقات إلى تخفيض التمثيل الدبلوماسي المتبادل مع إسرائيل إلى الدرجة الثانية، إلى إنهاء هذا التمثيل، ومنع الطائرات المدنية الإسرائيلية من التحليق في الأجواء أو الهبوط في المطارات العربية، ومنع السفن التجارية الإسرائيلية من الرسو في الموانيء العربية، وقطع كافة أشكال التعاون الإقتصادي؛ مما سيجعل دولة الإحتلال في عزلة سياسية ويكبدها خسائر إقتصادية فادحة، مما سيٌجدي حتما في مواجهة الجسم الغريب “إسرائيل” المزروع في قلب الوطن العربي، فكل ما ينقصنا إرادة عربية جريئة لإتخاذ هذا القرار، فأبناء جلدتنا أولى في الثأر لحرمة أرضنا ودمنا من البرازيل التي نُكن لها كل التقدير في رفض إعتماد أوراق السفير الإسرائيلي داني ديان نهاية العام الماضي، لأنه رئيس للحركة الإستيطانية الصهيوينة في الضفة الغربية وأحد سكان المستوطنات، فرضحت إسرائيل لقوة القرار البرازيلي، رغم كل المحاولات الإسرائيلية البائسة.

 

فالإدانة والإستنكار سيمفونية تطرب مسامع حكومة إسرائيل الإستيطانية وتداعب مشاعر رئيس وزرائها، فلا يلزمها بالإنصياع لقوة القانون غير قرارنا العربي الحازم والحاسم وليس مجرد الإدانة والإستنكار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.