كم كانت تُشوَّه صورة القلم الصَّحفِي والكِتَابِي, التَّحلِيلِي والنَّقدِي, الشِّعرِي والنَّثرِي, فَفِي عهد القذافي كانت الصُّحُف محصورة ومقيَّدة لا تستطيع أن تكتُبَ الحق بسبب محاربَتهِ لأقلامِ الحق ودعمِهِ لأقلامِ الزَّيف والباطل, وأكبرُ مِثَال على ذلك مُحَارَبتِهِ لِبعضِ الصُّحُف وإيقافِهِ لِنَشاطِهَا داخل ليبيا, وكثير من الأقلام حوربت وقُـيِّـدَت في عهده, فأغلبُ الأقلام التي كانت تَرُوقُ لِنظَامِهِ وفِي عهدِه كانت أقلامَ تملِّقٍ وتمجيد وباطل تخدم مصالحه هو وحاشيته ومؤسَّساتهِ المزيفة التي كانت تدير البلاد بلا إمكانيات تذكر, فبالتأكيد الفوضى في الإدارة الرئيسية لا تنتج إلا فوضى الفروع.
لذلك كانت ثقافة قراءة الصُّحف معدُومَة ومُتلاشِية في ذاك العهد, وليس السبب جهل أهل ليبيا وعدم حبهم للقراءة والكتابة بل كان السبب هو زيف الصحف التي كانت آنذاك وفقدان مصداقيتها مما جعل شعب ليبيا يمل قراءتها ولا يعيرها اهتماما, وأصبح شعب ليبيا تواقا لأن يرى اليوم الذي تنفجر فيه الأقلام بصوت الحق وتقول : (أخذت حريَّتي ولن يقيِّد حِبري ظلمٌ وطغيانٌ بعد الآن, سأكتبُ الحقَّ ولا شيء غير الحق, سأزيِّن ورقي بالشِّعرِ والنثرِ وفنِّ المقالة, سأنتقدُ نقدًا بنَّاءً يسمُو بالمنتقَدِ للصَّواب ويسمُو بوطني الحبيب فوق السحاب, وسأكتبُ بما يرضي اللهَ عن كتابتِي إن شاء الله ).
وفعلا بعد مرور اثني وأربعين عامًا حضرت ثورةُ الأقلام فِي ليبيا وقالت كلِمتها من يوم السابع عشر من فبراير, شأنُها شأن الأطفال والأمهات والشيوخ والشباب الأبطال نساءً ورجالاً هبُّوا لنداءِ الوطن واستجاب المولى عزَّ وجل وتحقَّقَ النَّصر.
ونشأت أقلامٌ عديدة بعد هذا اليوم المُبارك لتُؤَكِّد الحُرِّيَّة التي حظِيَ بها هذا الشَّعبُ الأبِي, بَدَأت الصُّحُفُ تزدهِر بِلَا قُيُود تحصِرُ حِبرها, تفجَّرَت المواهِب والأقلامُ الكتابيَّة شِعرٌ ونثرٌ وفنُّ مقالة وفن المخاطبة ولغة الحوار، فنانون وإعلاميون ومذيعون وكُتَّاب وصحفيُّون, وصحفٌ عادت لنشاطها بعد اضطهادٍ طال سنين, وليس لي إلا أن أُتَرجِمَ قولي بحبرِ قلمِي الذي نشأ بين هذه الأقلام فأقول :-
من لم يكن يقرأ الصحف الباطلة في ليبيا سابقا هم رُوَّادُ القِرَاءةِ اليوم، فتحيَّةً إلَى أقلامِ الحقِّ في كلِّ مكان أينما كانت وحيثُمَا وُجِدت فهي نُورٌ يكسحُ كلَّ ظلامٍ ويدحرُه، وتحيَّةً لشعبِ ليبيا الحر الأبي فالحرية ليست غريبة عنكم فقط حافظوا على استمرارها بالعلم والوعي وفهم حدود الحرية بأبعادها الأربعة, وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه ووالاه إلى يوم الدين.
حفظ الله ليبياوسائر بلاد المسلمين بلادا وعبادا في أمان الله ورعايته إن شاء الله