
للتاريخ أقول أن السلطات العراقية أطلقت حملة واسعة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي ضمن خطة محكمة للقضاء على الأمية، وأصدرت قوانين صارمة تلزم جميع العراقيين من الكبار والصغار، الذين لم يدخلوا المدارس، بالانخراط في مدارس محو الأمية، وتم الإعلان عام 1990 عن خلو العراق من الأمية نهائياً، مما جعل العراق حينها أول بلد عربي ينجح في القضاء على هذه الظاهرة. لكن بعد الحصار المرير الذي فرضه الغرب على العراق و من بعده العدوان الصليبي في 2003 ومن حذا حذوهم من قوى الشر، الذين عاثوا في عراقنا الغالي ومنعوا حتى الطفل أن يتعلم وقتلوا الملايين وشردوا الملايين وعذبوا الملايين هذه هي الديمقراطية المستوردة، قتل وتشريد وتعذيب وتهجير وإهلاك للحرث والنسل. فكانت الحصيلة أن عادت الأمية وتراجع العراق إلى الوراء، بعد أن أصبح الواقع التربوي في العراق يعاني تراجعاً كبيراً. وقد ظهرت إحصائيات دولية أن هناك سبعة ملايين ونصف المليون أمي في العراق تراوح أعمارهم بين 15 و55 سنة وأن “أعمار النساء الأميات في الريف تنحصر بين 15 و22 سنة في حين تنحصر النسبة بين النساء في المدن بين أعمار عشرين و28 سنة، بينما تشير تقارير أشرفت عليها وكالات الأمم المتحدة، إلى أن نسبة الأمية بين العراقيين تبلغ 24%، منها 11% بين الرجال، في حين بلغت النسبة في المناطق الريفية 25%، بينما لا تتعدى 14% في مناطق الحضر. علماً أنه يوجد في بغداد وحدها مليونان ونصف المليون أمي من مختلف الأعمار، مما دفع منظمات عراقية ودولية لبدء حملة للقضاء على 50% من الأمية بحلول العام 2015، بعد أن شرعت بتنفيذ برنامج (اقرأ) الذي يمتد لأربع سنوات للقضاء على الأمية. ورغم أن تكاليف الأمية باهظة؛ فهي تزيد من تفاقم دورات الفقر واعتلال الصحة والحرمان، وتضعف المجتمعات المحلية وتقوض العمليات الديمقراطية عن طريق التهميش والاستبعاد، إلا أن التمويل جاء من مكتب الشيخة موزة بنت ناصر المسند عقيلة أمير دولة قطر المبعوثة الخاصة لمنظمة اليونسكو لشؤون التعليم بميزانية تصل إلى نحو ستة ملايين ونصف المليون دولار، والذي يتلقى فيه المشاركون في برنامج مكافحة الأمية العراقي من الجنسين ومن كافة الأعمار دروساً لمدة 14 شهراً يتم بعدها منح المشارك شهادة الصف الرابع الابتدائي. أن الغاية من احتلال العراق الذي تم بمؤامرة صهيوأمريكية إيرانية وتعاون بعض الحكومات العربية هو إرجاعه للوراء مئات السنين حتى لا يشكل خطراً على إسرائيل، وهذا هو مشروعهم، الذي بدأ بالأمية بين الكبار وأدى إلى إهمال تعليم الصغار بسبب عدم إيمان الآباء بأهمية التعليم وهكذا فإن ضرر الأمية لا يتوقف عند الأمي بل يتعداه إلى الأبناء، وربما إلى الأحفاد. إن قانون محو الأمية الذي صوّت عليه في مجلس النواب العراقي والذي يشمل كل من لا يقرأ أو لا يكتب من عمر خمسة عشر سنة وصعوداً، لازال بدون تطبيق رغم الوعود بتشكيل هيئة خاصة لمتابعة هذا القانون وإنجاحه بمشاركة جميع وزارات الدولة العراقية. محو الأمية يحرر قدرة الأفراد على تصور وبناء مستقبل يحقق تطلعاتهم بدرجة أكبر، وهو يفتح آفاق تحقيق مزيد من العدالة والمساواة والتقدم، ومحو الأمية يمكن أن يساعد المجتمعات على التعافي والمضي قدماً بالعمليات السياسية والمساهمة في الصالح العام. إن احتفال سنة 2011 باليوم الدولي لمحو الأمية، الذي صادف يوم 8 سبتمبر/ أيلول من كل عام، في إطار موضوع “محو الأمية والسلام” يشكل تذكيراً مهما بأن المهمات الحيوية المتمثلة في منع العنف وتخفيف حدة التوترات ووضع حد للنزاعات يتطلب جميعها إيلاء اهتمام لهذا الجانب الأساس من كرامة الإنسان. محو الأمية واجب إنساني ورسالة حضارية ومسؤولية اجتماعية، (هكذا خططوا وصرّحوا.. لكننا لم نر أي بصيص أمل على أرض الواقع للآن!!)…. ومع ذلك لازلنا نتذكر ما وعد به جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا الأسبق بإرجاع العراق إلى العصر الحجري. ولا ندري الآن هل نصدق حكومتنا أم جيمس بيكر، ولو أن الترجيح ينصب نحو الأخير… لا يوجد في الكون كلّه أبشع من الظلم ولا أسوا من الاحتلال.. ولا أبغض من الأمية.. وكل عام والأمية في العراق بخير!!