من يحكم من أ قليم كردستان والحكومة الاتحادية والحقوق والتحديات والدستور

جسار صالح المفتي

في كل مناسبة أو أزمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق، تحضر بقوة مفردة “الاحتكام إلى الدستور”. ولكنها حاضرة في خطابات السياسيين فقط، وليس لإيجاد حلّ للأزمات، وواقع الحال أن الدستور يوظف للاحتجاج وليس للاحتكام، وأصبح “كلمة حق يُراد بها باطل”. إذ لطالما كانت العلاقة المأزومة بين حكومتي بغداد وأربيل من جانب، وبين القيادات السياسية الكردية والعربية من جانب آخر، هي المِعوَل الذي يهدم مبدأ عُلوية الدستور.ولم تكن النصوص الدستورية هي التي تحكم العلاقة بين حكومة بغداد وإقليم كردستان، وإنما كانت التوافقات والاتفاقات السياسية هي التي تحدد طبيعة العلاقة بينهما. إذ أن الخلاف بين السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، في ولايته الثانية وبين السيد مسعود برزاني، رئيس الإقليم السابق، لم يكن خلافا دستوريا، وإنما كان بشأن قناعة الساسة الكرد بتنصل المالكي من تطبيق بنود “اتفاق أربيل” الذي شُكلت على أساسه الحكومة في 2010 وتم في ضوئه منح السيد نوري المالكي الولاية الثانية لرئاسة الوزراء,وتصاعدت وتيرة الخلافات في ولاية رئيس الوزراء السابق السيد حيدر العبادي التي بلغت ذروتها بإجراء استفتاء على استقلال كوردستان في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول 2017. والخلاف هذه المرة أيضا لم يكن خلافا دستوريا، وإنما مردّه كان في عدم التزام حكومة الإقليم بالاتفاق الذي عقده السيد عادل عبد المهدي، (الذي كان وزيرا للنفط آنذاك)، في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2014، والذي اتفق فيه على تسليم حكومة الإقليم 150 ألف برميل إلى الحكومة الاتحادية مقابل إرسال الأخيرة 500 مليون دولار إلى الإقليم***إذا إن الخلاف في جميع محطاته لم يكن بشأن الالتزام ببنود الدستور أو عدمه.حاول السيد عادل عبد المهدي تجاوز التوتر في العلاقة بين حكومتي كردستان وبغداد بعد أزمة الاستفتاء بكسب ودّ الكرد من خلال تحديد اتفاق جديد في موازنة 2019. ينص هذا الاتفاق على التزام حكومة إقليم كردستان بتصدير ما لا يقل عن (250000) برميل يوميا من النفط المنتج من حقولها، على أن تسلم الإيرادات النفطية إلى الخزينة العامة للدولة في المقابل، تلتزم الحكومة الاتحادية بدفع مستحقات إقليم كردستان بما فيها تعويضات موظفي الإقليم ويستقطع مبلغ الضرر من حصّة الإقليم في حال عدم تسليمه للحصة المقررة من النفط؟؟؟لكن حكومة الإقليم لم تلتزم لحد الآن، بتنفيذ بهذا الاتفاق. أما حكومة بغداد فإنها مستمرة بدفع الرواتب ومستحقات الإقليم، ويبدو أن علاقات الصداقة التي تربط عبد المهدي بالقيادات الكردية قد تكون المبرر لغض الطرف عن عدم محاسبة حكومة الإقليم في حال عدم الاتفاق الذي حددته بنود الموازنة. فتاريخ النضال وعلاقات الصداقة هي التي تحكم علاقة الحكومة الاتحادية بالإقليم وليس التشريعات والقوانين النافذة! علاقات المجاملات الشخصية بين الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد وأربيل، لا تزال تعمل بواقع تاريخي محكوم بعلاقات المعارضة أكثر من كونه محكوم بواقع التحولات والتوازنات السياسية بعد 2003. فالتحالف الذي قام على أساس المظلومية الشيعية ـ الكرُدية بات يفتقد للأرضية التي يقف عليها، فالشيعة لم يعودوا مظلومين من قبل السلطة، بل باتوا هم أصحاب السلطة الحقيقيين. والكرُد بتعاملهم مع الشيعة وفق منطق التغالب جعلهم متحالفين مع أحزاب سياسية شيعية فشلت في إدارة الحكم، وفسادها بات يملئ البلاد ومن ثم فَقَدَ الكرُد ثقة جماهير الشيعة وباتوا متهمين، من قبلهم، بنهب ثروات البلاد ويرونهم دولة مستقلة وليس شريكا في الوطن. ولذلك نجد جيلا كاملا في الجنوب لا يعنيه بقاء كردستان ضمن حدود العراق من عدمه، فضلا عن جيل سابق لا يحتفظ من ذكريات عن الكرُد إلا ذكريات “حرب برزان” أو “حروب العصاة” كما يسمونها وفي الطرف الكرُدي، هناك جيل كامل لا يرتبط بأي علاقة مع العراق العربي، إذ حتى اللغة العربية التي تشكل رابطا للتواصل، نجدها غائبة عن الغالبية العظمى من جيل الثمانينيات والتسعينيات الذين لا يجيدونها، وهذا ما دفعهم إلى الاقتناع بعدم وجود أي رابطة تربطهم بالعراق.إن الشخصنة والتخادم السياسي، بين طبقة سياسية تسلمت مقاليد السلطة في بغداد ـ وجعلت العراق في صدارة الدول الأكثر فسادا وفشلا ـ والإقطاعيات السياسية في كردستان، هما العاملان الرئيسان في رسم ملامح العلاقة بين كردستان وبغداد وأصبح الواقع السياسي محكوما بعدم جدية السياسيين الكرد في حلحلة جميع القضايا العالقة مع بغداد؛ لأن حلها يعني فقدان عنوان لتهديد قومي يستهدف الكرد، أيْ التهديد الذي يبرر هيمنة حكم العوائل السياسية في كردستان ولا القيادات السياسية في بغداد ترغب أو لديها القدرة على بناء دولة مؤسسات تكون فيصلا في حل الخلافات بين حكومتَي أربيل وبغداد ومن ثم، بات لدينا نظام سياسي عنوانه الدستوري “فيدرالي”، وواقعه دولة داخل دولة. فتحالف السياسيين الكرُد والشيعة لم يتوسع خارج إطار المنطقة الخضراء وحكومة أربيل، ولم يتطور على المستوى الجماهيري. ومن ثم فشل في خلق نظام سياسي قادر على توفير بيئة صحية للاندماج الاجتماعي وتشكيل هوية وطنية، وبالنتيجة فشل التحالف على أساس المظلومية ومنطق المعارضة في بناء دولة ـ أمة
عند البحث دستوريا في طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان، لا نعثر على مادة دستورية تعطي للسلطة الاتحادية صلاحية في الاقليم، الا بالشراكة مع ادارة ذلك الاقليم، وحينما نحدد صلاحيات الاقليم نجدها في ثلاث مواد هي (113 و114 و115) وهي عبارة عن صلاحيات مشتركة مع السلطة الاتحادية، واي صلاحية لم تذكر وهي ليست جزء من صلاحية السلطة الاتحادية تكون من صلاحية الاقليم حسب المادة (115)، ويثار تساؤل هنا ماهي الصلاحية الممنوحة للسطة الاتحادية لكي ينص هذا النص، فالصلاحيات كاملة للاقليم، ففي الباب الخامس الفصل الاول من الدستور خمس مواد تبين اختصاص وصلاحية الاقليم منفردا عن السلطة الاتحادية.وكما بين الدستور في نصوصه الخاصة بالموارد الطبيعية، نمط العلاقة بين الاقليم والمركز، وتبين ان المركز هو الخاسر الاكبر، فصلاحياته تتحدد فقط بالادارة والتطوير للنفط والغاز الموجود حاليا وليس له صلاحية استكشاف او ادارة النفط والغاز المستكشف مستقبلا، وهنا اذا تم استكشاف بئر نفط او غاز فان ادارته من صلاحية الاقليم دون السلطة الاتحادية وذلك طبقا للمادة (112) : اولا، كما انه لم يرد ذكر لاي مورد طبيعي اخر واسند امره الى سلطة الاقليم. وهذا ماحصل بعد (8) سنوات من الدستور وتم الاختلاف حول تفسير هذه المادة وشرعت سلطات الاقليم بذلك مفسره الصلاحيات بهذا الجانب وطبقته عمليا، بل ذهبت باتجاه السيطرة على كامل الموارد الطبيعية في الاقليم الموجود والمستشكف حديثا وهذا التنازع يرسخ القناعة بهشاشة فكرة اقامة الفدرالية في عموم العراق فلا بيئة خصبة تشجع بناءً على تجربة اقليم كردستان.
ازديادا الى ذلك نصت المادة (121) : ثانيا من الدستور العراقي لسنة 2005 كذلك ” يحق لسلطة الاقليم تعديل القانون الاتحادي في الاقليم في حال وجود تناقض او تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسالة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية ” . كما اشارت نفس المادة اعلاه : خامسا ” تختص حكومة الاقليم بكل ما تتطلبه ادارة الاقليم، وبوجه خاص انشاء وتنظيم قوى الامن الداخلي للاقليم كالشرطة والامن وحرس الاقليم ” . هذه المادة تعطي الضوء الاخضر لاقليم كردستان للتنمر على الحكومة الاتحادية في اي خلاف سياسي او امني، والمطالبة بامتيازات اكبر في ترسيخ الحق الكردي في كردستان عبر تحقيق اكبر قدر ممكن من الصلاحيات للاقليم، كما ان المادة (140) من الدستور تعطي الاستمرارية للاقليم للمطالبة بالاراضي الاخرى المتنازع عليها والتي يعتقد الاقليم بان له الحق التاريخي الذي يجعله يلح في تطبيقها، بل اعلن موخرا انه تم انجاز هذه المادة بفعل الاضطرابات الامنية بوجود تنظيم داعش في محافظة نينوى وصلاح الدين واثناء عمليات التحرير، بدون تنفيذ دستوري للتطبيع والاحصاء والاستنفتاء، والتهديد بتقرير المصير رغم انهم قرروا مصيرهم في الدستور ضمن تجربة اتحادية فدرالية.
اسس ومبادى التنظيم الاتحادي بين الحكومة الاتحادية والاقليم:
اسس او مبادئ الدولة الفدرالية هي ثلاثة ( الوحدة، الاستقلال، المشاركة)، في وهذا ماسنحدده عمليا وفق التجربة الاتحادية في العراقي :
1- الوحدة : علمنا ان مظاهر الوحدة تمثلت في وحدة الدستور والسلطات العامة. فمن حيث وحدة الدستور الاتحادي، فهنالك دستور واحد يحكم العلاقة بين المركز والاقليم، ولم يشرع الاقليم لحد الان دستورا خاصا به، مع تثبيت مبدأ علوية الدستور العراقي الاتحادي في المادة ( 13) اولا.
وحدة السلطات الثلاث :السلطات العامة الفدرالية في الدستوري العراقي تظهر وفق الاتي: تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. فالسلطة التشريعية الاتحادية مؤلفة من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الاتحاد ()، فالتمثيل في المجلس الاول يقوم على اساس عدد السكان، اما المجلس الثاني ( مجلس الاتحاد) والذي يعد بمثابة مجلس الاقاليم، فقد سكت الدستور عنه، وترك امر تشكيله الى قانون يسن من قبل مجلس النواب ().اما السلطة التنفيذية الاتحادية فتتالف من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء (). اما السلطة القضائية الاتحادية فتتكون من مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز، والادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى.
يبدو ان هناك وحدة في مجال السطات العامة الداخلية، محددة دستوريا تعطي السلطة الاتحادية مجالا اوسع في قيادة الدولة الفدرالية وتحديد الاولويات في العلاقة مع الاقليم بمعنى تسيير مصالح الاقليم ضمن نطاق السلطات العامة الفدرالية. وهذا يؤشر ايضا وحدة الشخصية الدولية بان تكون السيادة الخارجية فقط لحكومة بغداد، وهذا مانص عليه الدسنور العراقي ” تختص السلطات الاتحادية بالاختصاص الحصري في رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية “. وايضا وحدة الجنسية العراقية فجميع مواطني المركز والاقليم يتمتعون بجنسية واحدة وهذا يتضح في نص الدستور ” تختص السلطات الاتحادية بالاختصاص الحصري في تنظيم امور الجنسية والاقامة وحق اللجوء السياسي ” .
ب – الاستقلال :مظاهر الاستقلال للاقليم وضحت في الدستور الذي اشار الى دستور الاقليم ” يقوم الاقليم بوضع دستور له، يحدد هيكل سلطات الاقليم وصلاحياته، واليات ممارسة تلك الصلاحيات، على ان لايتعارض مع هذا الدستور “. وكذلك وفقا للنص التالي ” لايجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويعد باطلا كل نص يرد في دساتير الاقاليم او اي نص قانوني اخر يتعارض معه “. هذا وقد تشكلت لجنة لصياغة مشروع دستور اقليم كردستان العراق بموجب قرار برلمان اقليم كردستان المتخذ في جلسته الاعتيادية في 8/9/ 2005 واستغرقت مدة اكمال المشروع للفترة من 14/9/2005 ولغاية 22/8/2006، ومن المفترض اعلان الدستور نهائيا بعد اقراره في استفتاء عام، لكن لازالت هنالك خلافات سياسية داخل الاقليم بخصوص الدستور وصلت الى حد تعطيل البرلمان الكردي.
وكذلك تتجلى مظاهر استقلال الاقليم فيما يتعلق بالسلطات التابعة للاقليم، اذ يمارس المجلس الوطني لكردستان العراق المشكل وفقا للقانون رقم (1) لعام 1992، سلطة سن وتشريع القوانين للاقليم، ويتولى رئاسة الاقليم ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية في الاقليم اضافة الى السلطة القضائية التي تمارس الوظيفة القضائية من خلال محاكم الاقليم على اختلاف درجاتها.
يضاف الى ذلك تتجلى مظاهر الاستقلال بالاعتراف باللغة الكردية للاقليم، اذا نص عليها الدستور الاتحادي ” اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق “.
كما اعطى الدستور استقلالا محدودا للاقليم في مايخص التحرك في مجال السياسة الخارجية رغم ان امر تنسيقها تقبض عليه حكومة بغداد دستوريا ، وجاء في الدستور العراقي الاتحادي ” تؤسس مكاتب للاقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والجغرافية والانمائية “. رغم تمادي الاقليم بخصوص هذا الامر بشكل غير مسبوق.
اذن اعطت التجربة الاتحادية الفدرالية مساحة جيدة من الاستقلال في السياقات الدستورية والسلطات المحلية والسياسة الخارجية والحقوق الثقافية كاللغة.
جـ – المشاركة : من المفترض ان يخول مبدأ المشاركة مساهمة جيدة لاقليم كردستان والمحافظات غير المنتطمة باقليم، في اتخاذ القرارات الفدرالية واعطائه فسحة في موضوعة التعاون مع المركز ضمن سياقات دستورية وتتجلى مظاهر المشاركة لاقليم كردستان في الدستور في المادة ( 48) منه: ” تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد “، ومن المفترض انشاء مجلس تشريعي في العراق ( مجلس الاتحاد) يضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل مايتعلق به، بقانون يسن باغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب. غير انه لم يتخذ لحد الان تحديد آلية العمل في هذا المجلس، اذ نص الدستور ” يؤجل العمل باحكام المواد الخاصة بمجلس الاتحاد اينما وردت في هذا الدستور، الى حين صدور قرار من مجلس النواب، باغلبية الثلثين، بعد دورته الانتخابية الاولى التي يعقدها بعد نفاذ هذا الدستور ولكن الى الان لم يشرع هذا المجلس وعطل مما عرقل ترسيم الصلاحيات التشاركية بين الحكومة الاتحادية والاقليم، اذ لثنائية المجالس التشريعية في الدولة الاتحادية الفدرالية فلسفة تتجلى في تحقيق المساواة بين الاقاليم بشكل لايطغى به سلطة على اخرى، سواء اكانت السلطة المركزية او سلطة اقليم على اخرى، وفي الحقيقة ان ازدواج السلطة التشريعية في الدولة الفدرالية مرده الى اعتبارات تتصل بالشكل الفدرالي من حيث ضرورة اشراك الاقاليم في سلطات الحكم، وفي سن القوانين والقرارات التي تتخذ على صعيد الدولة الاتحادية، اذ ان فردية ووحدانية السلطة التشريعية العراقية المؤلفة من مجلس النواب يهدم احد ركائز او مبادى الدولة الاتحادية الفدرالية الا وهو مبدا المشاركة، لكن اطار التوافقات والمحاصصة وتعطيل الدستور وتجاوزه احيانا مكن الاقليم من تجاوز مبدا المشاركة وفق هذه الضرورات( التوافق والاتفاق) ولي الاذرع، كبديل عن مجلس الاتحاد.
اما المظهر الاخر من مظاهر المشاركة بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان، فتتمحور في طريقة توزيع الاختصاصات والصلاحيات، وقد كانت وفق الطريقة المختلطة، اذا سار الدستور العراقي على هذا المنوال ، اذ حصر اختصاصات السلطة الاتحادية في المادة (110)،وحصر الاختصاصات المشتركة بين السلكة الاتحادية وسلطات الاقاليم في المادة 114، والاختصاصات المتبقية التي لاتشملها المادة (110) هي للاقليم، اما بالنسبة للاختصاصات المشتركة، في حالة الخلاف بين السلطة الاتحادية وسلطات الاقاليم، تكون الاولوية فيها للاقاليم في المادة (115).
من هنا نجد ان التجربة العراقية اعطت صلاحيات تشاركية واسعة للاقليم استثمرت من قبل الاخير في التوسع بالصلاحيات، مما حدا به المطالبة بصلاحيات اوسع مما هو مقرر دستوريا، وصلت لحد المطالبة بالكونفدرالية والانفصال، اذ لم تعطي اي تجربة برلمانية هذا المجال الواسع دستوريا وقانونيا وسياسيا للاقاليم الذي اعطته التجربة العراقية الفدرالية الجديدة بعد عام 2003، لهذا نندهش من مسالة المطالبة بالانفصال وارسال رسائل للخارج والداخل الكردي بالاضطهاد، والواضح ان الاقليم يسعى الى توسيع منافعه الاقتصادية واستقلاله لمستوى دولة ذات سيادة دونما ان يفكر بالقفز من الدولة العراقية او تحمل اعبائها كاقليم فدرالي يمثل جزء من العراق ونرى ان اسس التنظيم الاتحادي الفدرالي ( الوحدة، الاستقلال، المشاركة ) راسخة بالتجربة الاتحادية العراقية متمثلة باقليم كردستان، ورغم هذا هنالك مشاكل دستورية سياسية تطرح بين الطرفين حول الصلاحيات والاختصاصات، منها موضوعة التصعيد من جانب الاقليم بالانفصال، عند التعارض مع المركز، كما انهم لايشعرون بالاستقلال اذ الظاهر ان مفهوم الاستقلال لدى الاقليم متمحور حول الاستقلال الاقتصادي اكثر منه في سياق البعد السياسي . اذن من هنا يمثل العراق تجربة اتحادية فدرالية غير مكتملة من الناحية الواقعية، عدا تجربة اقليم كردستان، وتشوبها اختلالات ايضا، لكن من الناحية القانونية والدستورية تعد التجربة واضحة ومحددة، لكنها بحاجة لبيئة ومناخ سياسي واجتماعي وتفاهمات ومحددات اخرى وقت زمني؛ لكي تفعل وترسخ موضوعة التجربة الاتحادية الفدرالية في العراق، لانها حديثة ومفروضة، وبيئتها غير خصبة، مع ان نموذجها من احدث النماذج المعاصرة وفي طور التحول
أكد لؤي الخطيب، زميل مركز بروكنجز الدوحة، أن مسيرة القطاع النفطي خصوصاً والطاقة إجمالاً في العراق ما زالت تواجه تحديات حقيقية بسبب تناقض الرؤى للأحزاب المشتركة في الحكومة، والتي ظاهرها حكومة توافقات سياسية وباطنها وزارات غير منسجمة في ما بينها لانعدام الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية الموحدة، مرجعا ذلك إلى تحديات المرحلة السياسية الانتقالية التي يمر بها العراق. وشدد الخطيب على أن أزمة نفط كردستان الأخيرة مع الحكومة العراقية هي أزمة قانونية ودستورية، فالحكومة الاتحادية في بغداد ترى أن صلاحيات تطوير الحقول النفطية وعمليات التسويق والتصدير محصورة بيد وزارة النفط الاتحادية استناداً للقوانين المركزية النافذة بحسب المادة 130 من الدستور العراقي، في حين ترى حكومة إقليم كردستان أن للإقليم حق تطوير الحقول وتسويق النفط والغاز دون العودة إلى الحكومة الاتحادية وقال إن أي انخفاض في إيرادات النفط من إقليم كردستان سيؤدي إلى كارثة اقتصادية تؤثر سلباً على مجمل مسؤوليات الدولة العراقية، مشيرا إلى أن الحكومة التركية ستضع نفسها موضع المساءلة القانونية إذا ما سمحت بتصدير نفط الإقليم عبر أراضيها.. وإليكم مزيد من التفاصيل:::
الوطن: نبدأ بالحدث البارز وهو الإشكال الأخير الذي ثار بين حكومة المالكي من جهة وحكومة إقليم كردستان العراق من جهة أخرى حول إيداع عائدات النفط الخارج من أراضي كردستان في ميزانية الحكومة العراقية.. ما هي رؤيتك لهذه الإشكالية؟
الخطيب: اختلاف الرؤى في هذا الملف دستوري قانوني بحت وليس خلافا سياسيا. فالحكومة الاتحادية في بغداد ترى أن صلاحيات تطوير الحقول النفطية وعمليات التسويق والتصدير محصورة بيد وزارة النفط الاتحادية استناداً للقوانين النافذة بموجب المادة 130 من الدستور العراقي وحتى تشريع قانون اتحادي جديد يحاكي الممارسة الفدرالية في هذا الباب، في حين ترى حكومة إقليم كوردستان أن للإقليم حق تطوير الحقول وتسويق النفط والغاز دون العودة إلى الحكومة الاتحادية وذلك استناداً لقانون 22 من سنة 2007 الذي شرعه الإقليم، إلا أن الحكومة الاتحادية في بغداد تجد هذا القانون غير دستوري لاصطدامه مع معطيات المادة 112 من الدستور العراقي والتي توجب إدارة الملف النفطي اتحادياً بمشاركة الأقاليم والمحافظات المنتجة مع الحكومة الاتحادية وبعد أن يتم تشريع قانون النفط الاتحادي. هذا هو الإشكال الأول. أما الإشكال الثاني فهو بما يتعلق بآلية إيداع الواردات المالية المتأتية من المبيعات النفطية، حيث بحسب القوانين النافذة، ترى بغداد أن جميع الواردات يجب أن تودع في الخزينة الاتحادية ومن ثم توزع بحسب تخصيصات الموازنة الاتحادية، كما يجب إيداع الواردات الناتجة عن تصدير النفط والغاز في صندوق تنمية العراق (DFI) في نيويورك لتستقطع منه التعويضات المتعلقة بغزو النظام السابق للكويت بمقدار 5 % قبل أن تصل المدخولات إلى الخزينة الاتحادية في العراق. وهذا ما لا ترغب به اربيل مطالبة بوضع حساب خاص في تركيا يكون تحت سيطرتها لاستقطاع كلف الإنتاج وأرباح الشركات يتبعها استقطاع حصة الإقليم المقدرة بـ 17 % قبل أن تصل المبالغ المتبقية إلى وزارة المالية الاتحادية.
الوطن: وبرأيك.. ما هي أفضل الطرق لحل هذه الإشكالية؟
الخطيب: رأيي في هذا الصدد يوافق الآلية المتبعة من قبل الحكومة الاتحادية حيث إن تسويق النفط يجب أن يبقى من مسؤولية شركة تسويق النفط التابعة لوزارة النفط الاتحادية إلى حين تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي وتأسيس مجلس النفط والغاز الاتحادي الذي سيحدد الآلية الاتحادية التي تنسجم مع الدستور الاتحادي، وبالتالي سيكون لأي إقليم أو محافظة منتجة للنفط والغاز الدور الفاعل في عملية الإدارة والتسويق في قطاع النفطي من خلال العضوية التنفيذية في هذا المجلس الاتحادي، وبحسب المسارات الدستورية. علماً بأن أي صيغة قانونية اتحادية لإدارة القطاع النفطي لن تُمَررَ في مجلس النواب دون الاتفاق على صيغة دستورية لتمرير قانون توزيع الواردات الاتحادية، وهذا في اعتقادي هو القانون الأهم لضمان حقوق كامل الشعب العراقي.
الوطن: وبرأيك.. هل انقطاع الإيرادات النفطية من كردستان يهدد الحكومة العراقية، بحيث تكون عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها؟
الخطيب: بالطبع، بل سيؤثر على جميع الأطراف الحكومية، الاتحادية وكذلك المحلية. فواردات النفط ما زالت تشكل 95 % من الخزينة الاتحادية وبالتالي أي انخفاض حاد في الإنتاج أو الأسعار سيؤدي إلى كارثة اقتصادية تؤثر سلباً على مجمل مسؤوليات الدولة العراقية. وسيكون عام 2014 من أصعب السنين التي ستواجه العراق بسبب محدودية الإنتاج النفطي الذي يعتمد على ضمان 12 % من إنتاج إقليم كردستان وتوقعات في هبوط أسعار النفط بسبب ظهور أسواق منافسة وتوفر الإنتاج غير التقليدي للنفط والغاز مما سيقلل من الاعتماد على دول أوبك فضلاً عن احتمالية عودة إنتاج النفط الإيراني إلى مستوياته الأولى بعد تقليل العقوبات الدولية.
الوطن: هدد مؤخرا وزير النفط العراقي عبدالكريم لعيبي باتخاذ إجراءات قانونية والرد بإجراءات تجارية قوية ضد تركيا وأي شركات أجنبية تشترك فيما أسماه «تهريب» النفط العراقي.. كيف يمكن وقف هذه المهزلة التاريخية «سرقة النفط العراقي»؟ وما هي الإحصاءات التي لديك عن سرقة النفط العراقي منذ انهيار نظام صدام؟
الخطيب: علينا أن نميز بين موضوع تهريب النفط والموقف القانوني للحكومة الاتحادية تجاه تصدير النفط من إقليم كردستان العراق دون موافقة الحكومة الاتحادية. ففيما يخص عمليات تهريب النفط الخام من محافظة البصرة فهذه قد انتهت بسبب تحسن الوضع الأمني في جنوب العراق إلا أن عمليات تهريب المشتقات مازالت قائمة بحسب بعض التقارير ولكن بشكل محدود جداً. أما في ما يتعلق بمبيعات النفط الخام في إقليم كردستان فلا توجد أرقام محددة لكن مئات الحوضيات المحملة بالنفط تتجه يومياً إلى تركيا وإيران، حيث تصف الحكومة الاتحادية هذه الممارسة بالتهريب لأنها خارج نطاق سيطرتها إدارياً وتجارياً. وبالتالي فإن النفط الذي يُباع محلياً أو يُصَدَر خارج البلاد دون علم وزارة النفط الاتحادية يُصَنَف كنفط مهرب، علماً بأن كل العمليات النفطية في إقليم كردستان هي خارج سيطرة الحكومة الاتحادية، لذا فإن الافتقار إلى أي أدلة ثبوتية ستعيق الحكومة الاتحادية من ملاحقة المهربين. وإذا تم تصدير النفط من إقليم كردستان عبر الأنابيب إلى الأراضي التركية فإن هذه العملية ستوفر الأرضية والسند ‎القانوني التي ستتحرك في إطارها الحكومة الاتحادية تجاه الشركات المستوردة للنفط وقد تضع الحكومة التركية في موقف قانوني حرج لأن العلاقات الدولية والتجارية بين العراق وتركيا تحكمها اتفاقيات نافذة تشترط حفظ الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالقوانين المركزية لكلا الدولتين، وهذا ما دفع بوزارة النفط بالتحضيرات القانونية في حال حصولها على أية معلومات تفيد ببيع النفط المصدر من إقليم كردستان العراق خارج السياقات الاتحادية.
الوطن: كشفت مصادر صحفية عن أن الحكومة العراقية تعكف حاليا على إعداد خطة لتحويل مسار خط أنابيب النفط إلى سوريا أو «إسرائيل» بدلا من تركيا.. فهل هذا الإجراء هو بديل الحكومة لمعاقبة كردستان؟ وما حدود تأثيرها على الوفاق الوطني في العراق؟
الخطيب: هذه المصادر غير دقيقة، فالعراق لا يستغني عن المنافذ الشمالية إلى تركيا عبر إقليم كردستان، فهي بالتالي حدوده العملية إلى الأسواق الأوروبية. أما المنافذ الأخرى والمطروحة على الطاولة فهي خط أنابيب عبر الأردن على المدى المتوسط وكذلك خط أنابيب عبر سوريا على المدى البعيد، إلا أن الاعتماد الأساسي للعراق هو على المنفذ الجنوبي حيث الطاقة التصديرية ستصل قريباً إلى ستة ملايين برميل يومياً، وهذا كفيل بحماية الكم الهائل من تصدير الخام العراقي خاصة وان أغلب الإنتاج سيذهب إلى الأسواق الآسيوية الواعدة.
الوطن: بعد اكثر من 10 سنوات على احتلال العراق.. ما زالت التقارير تتحدث عن سرقة النفط العراقي لحساب الولايات المتحدة وأطراف أخرى إقليمية.. ما هو تعليقك؟
الخطيب: هذه التقارير غير دقيقة، فالعراق يعتبر من ابرز دول المنطقة الذي بادر ليكون عضواً في مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية، وهذا الارتباط يحتم عليه أن يكشف عن كامل الإنتاج النفطي والكميات المصدرة والأسعار المعتمدة والجهات المستفيدة، علماً بأن الولايات المتحدة الأميركية لا تستورد أكثر من 25 % من التصدير العراقي في حين أن 55 % من التصدير يذهب إلى آسيا والمتبقي إلى أوروبا وأسواق اخرى.
الوطن: ما حجم الاستثمارات النفطية في العراق؟
الخطيب: من الصعب وضع رقم محدد لهذا القطاع المهم بسبب تراكمية الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في قطاع الطاقة والتداخل بين القطاعات الصناعية والخدمية كافة، ولكن بحسب الخطة الاستراتيجية الوطنية للطاقة، فإن الساحة الاستثمارية في العراق قد تستوعب أكثر من 1300 مليار دولار قبل عام 2025، من ضمنها 650 مليار دولار في قطاع الطاقة إجمالا علماً بأن نصف هذه التقديرات قد تذهب إلى القطاع الاستخراجي لتتجاوز حدود الـ 300 مليار دولار بهدف الوصول إلى إنتاج الذروة وادامة الإنتاج بمعدل 9.1 مليون برميل يومياً ابتداءً من عام 2020.
الوطن: هناك من يرى أن فرص الاستثمار في مشاريع الطاقة والغاز في العراق موجهة فقط للشركات العالمية على حساب الشركات العربية والمحلية.. هل تتفق مع تلك الرؤية؟
الخطيب: هذه النظرة بعيدة عن الواقع. فالحقول النفطية العراقية حقول عملاقة بالوصف العالمي وتحتاج إلى تمويل ضخم وتكنولوجيا متطورة واعتماد أساليب إدارية ومالية غاية في التعقيد، وبالتالي فإن توجه الحكومة الاتحادية لجذب الشركات العالمية لهذه الحقول كان نابعاً عن رؤية مسؤولة، لكن هذا لم يمنع إناطة بعض الحقول والرقع الاستكشافية وبناء محطات الطاقة لبعض الشركات عربية من دول مجلس التعاون الخليجي.
الوطن: وأين قطاع البتروكيماويات والطاقة الكهربائية والتصفية من هذه الاستثمارات؟
الخطيب: هنا بيت القصيد، فبالرغم من تقدم مسيرة الاستثمارات وعمليات التطوير في القطاع الاستخراجي للنفط وكذلك الزيادة الإنتاجية للطاقة الكهربائية والذي ما زال دون سد الطلب المحلي إلا أن مسيرة باقي القطاعات ما زالت متعثرة بسبب تناقض السياسات الحكومية التي ظاهرها حكومة شراكة وطنية وتوافقات سياسية وباطنها وزارات غير منسجمة فيما بينها مما سبب غياب الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية الموحدة، وهذا يعود إلى الحالة السياسية الانتقالية التي يعاني منها بلد مثل العراق.
الوطن: التقارير الدولية عن النفط العراقي في أغلبها تحدث عن وجود فساد داخل قطاع النفط… برأيك كيف يمكن التعامل مع هذا الفساد المتصاعد؟
الخطيب: هنالك تقارير دولية تتحدث عن الشفافية والفساد ولكن لا علاقة لها بقطاع النفط، لأنني كما ذكرت سابقاً بان بيانات هذا القطاع محكومة بضوابط مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية وقد أوفى العراق بهذا الجانب ليستحق العضوية في هذه المبادرة علماً بأن العراق هو الدولة العربية الوحيدة التي كشفت عن كل بياناتها كمنتج للنفط. أما عن تدني مستوى العراق في المؤشرات العالمية التي تعني بالشفافية وملفات الفساد إجمالاً فهذا صحيح، والسبب هو المرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق حيث تحول النظام من دكتاتوري مركزي اشتراكي شمولي إلى ديمقراطي اتحادي تجاري يعتمد اقتصاد السوق كسياسة عامة، وتبعات هذا التحول تحتم الاصطدام بملفات الماضي وتبعاته.
الوطن: هناك اتهامات موجهة لحكومة المالكي بأنها تسخر قطاع النفط والطاقة لحساب إيران.. ما هي رؤيتك لهذا الوضع؟
الخطيب: كما تفضلتم، المعلومات لا تعدوا أن تكون اتهامات، لكن الواقع يترجم غير ذلك، فالعراق بأمس الحاجة إلى كل ما تدره الواردات النفطية لسد العجز في الموازنات الاتحادية، لذا من غير المعقول أن العراق ما زال معتمداً على استيراد المشتقات النفطية والغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية فضلاً عن حاجته للقروض العالمية لسد العجز في الميزانية، في حين يُتهم بأنه يُسخِر مقدرات غير محدودة في الأصل إلى دول أخرى.
الوطن: الصيف الماضي خرجت تظاهرات عارمة ضد حكومة المالكي بسبب نقص الوقود وانقطاع الكهرباء خاصة المحافظات الجنوبية.. هل سيكون هذا الأمر بداية لثورة حقيقية ضد المالكي؟
الخطيب: حديث الثورات في العراق لا تحركه ملفات الخدمات، لاستحواذ أولوية الملف الأمني والحرب على الإرهاب على اهتمام الشعب. نعم، شحة الوقود وانقطاع التيار هو مسلسل صيفي تأقلم عليه الشعب العراقي لأن الطلب على الطاقة في تزايد بغض النظر عن أي زيادة ملحوظة، وذلك بسبب تعاظم الاستهلاك المحلي للطاقة وما تستوجبه عمليات اعادة الإعمار فضلاً عن الزيادة السكانية التي تقدر بـ 3 % سنوياً حيث بحسب التقديرات الدولية سترتفع النسمة السكانية إلى 50 مليون عراقي بحلول عام 2035. لذا فإن مشاريع الطاقة في العراق تحتاج إلى رؤية اقتصادية استراتيجية واعية تسابق الزمن، وكفيلة ببناء الدولة على أسس مؤسساتية واقتصاد متنوع الموارد ومنتج.
الوطن: وما مدى إمكانية استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية في ظل الحاجة للكهرباء، أو إمكانية إعادة تشغيل مفاعل تموز الشهير؟
الخطيب: مفاعل تموز قد دمر بالكامل ولا مجال لإسعاف ما تبقى من أطلاله ولعل افضل ما يمكن أن تعمله الحكومة العراقية هو تحريك ملف التعويضات ضد إسرائيل والذي لم يُفَعَل حتى هذه اللحظة، أما استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فهي من ‎المشاريع التي يرنوا لها العراق على المدى البعيد، لأن الأولوية هنا لتأمين الطاقة محلياً واقتصادياً في مجال التصنيع والتصدير خاصة وان العراق يملك مخزونات هائلة من النفط والغاز تؤهله أن يكون في مصاف الدول المنتجة كالسعودية وروسيا والولايات المتحدة بحلول عام 2020.
الوطن: ننتقل إلى الملف السياسي.. كيف تقيم أزمة الأنبار الأخيرة؟ وهل حقا العراق أصبحت مرتعا للجماعات الإرهابية ومنها القاعدة؟
الخطيب: أزمة الأنبار ظاهرها محلي وباطنها إقليمي. لقد بدأت الأزمة كحركة شعبية سلمية تطالب بتحسين ملف الخدمات والإفراج عن بعض المعتقلين، وكان لمطالب العشائر أن يُستجاب لها لولا دخول بعض الساسة والنواب ممن ينتمون إلى محافظات الأنبار والموصل وصلاح الدين على خط المطالب الشعبية بهدف تسييس المشهد وكسب الدعم الجماهيري تمهيدا لانتخابات مجالس المحافظات، لتتحول منصات الاعتصام ومناسبات الجمعة فيما بعد إلى فرصة للتحشيد الطائفي وإدراج مطالب غير دستورية بل وتعجيزية بهدف تغيير النظام في العراق. وتزامن ذلك مع انتقال المجاميع الإرهابية المتمثلة بداعش من سوريا إلى العراق وإيجاد حواضن لها. وأزمة الأنباز التي تشكل خط التماس الإقليمي الأول مع الأزمة السورية، ليست بأزمة محلية بل مشكلة إقليمية تسترعي انتباه دول المنطقة جميعاً للتعاون عليها وحلها، ابتداءً من تجفيف منابع الإرهاب الوافد إلى العراق وانتهاءً بالتعاون الاستخباراتي بين الجميع.
الوطن: ما هي حقيقة الاتهامات الموجهة للمالكي بأنه ديكتاتور العراق الجديد؟
الخطيب: يُعتبر العراق متقدماً على دول الربيع العربي بثمان سنوات. فالديمقراطية العراقية وان كانت ناشئة والشعب حديث عهد بها لكنها أفضل بكثير مقارنة بديمقراطيات المنطقة باستثناء لبنان. نعم هنالك ميول للتسلط والاستحواذ على مراكز القرار، وهذا يحدث بعد انهيار كل نظام دكتاتوري وبروز قوى سياسية متنافسة على الساحة، ولكن من اللامعقول التحدث عن عودة الدكتاتورية في دولة يمارس فيها المواطن حق التعبير عن الرأياكد زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني رئيس اقليم كردستان السابق مسعود البارزاني، أن وسط اضطرابات المدن العراقية الهدوء يسكن أربيل ويتباهى الأكراد بالمشاريع المستمرة، فيما اعتبر أن كركوك “محتلة عسكريا” ويتحكم بها الحشد الشعبي، اتهم جهة داخلية كردية بخيانة أبناء قوميتهم وقال البارزاني في حديث لـ”اندبندنت” عربية، إن “وسط اضطرابات المدن العراقية، الهدوء يسكن أربيل ويتباهى الأكراد بالمشاريع المستمرة”، مؤكد بالقول “عرضنا على بغداد أن تكون تجربة الإقليم تحت تصرفها لتستفيد منها في بقية مناطق العراق وأضاف، أن “أهم شيء قمنا به وساعدنا على تحقيق كل هذه الإنجازات كان المصالحة الداخلية في كردستان، ولو طبّق ذلك في بقية مناطق العراق كانت ستكون كلها مثل كردستان، ولكن بغداد رفضت الاستماع”، منوها الى أن “التحدي الأكبر الذي يواجه الإقليم قبل الاستفتاء وبعده وحتى اليوم هو الإرهاب، وهناك تحديات أخرى كالفوضى الموجودة في المنطقة العربية والشرق الأوسط والخلل في توازن القوى والتدخلات المستمرة والوضع الاقتصادي، كلها تحديات كبيرة لكنها لا تعقينا وبشأن كركوك، أشار البارزاني الى أنه “رأينا كان دائماً أن كركوك يجب أن تكون نموذجاً للتعايش القومي والديني والمذهبي وهو رأينا اليوم، طبعاً كان هناك اتفاق على حل قضية كركوك وبقية المناطق التي هي خارج إدارة الإقليم، أو ما يسمى بالمتنازع عليها، منها كركوك، خناقين، سنجار وغيرها بحسب المادة 140 يحصل تطبيع، إحصاء واستفتاء، سكان هذه المناطق هم يقررون إن كانوا يريدون العيش مع الحكومة الاتحادية أو مع الإقليم وتابع، “وكنا وسنبقى ملتزمين برأي سكان هذه المناطق، وأيضاً الآن يبقى هذا هو الحل الأمثل، أما كركوك فهي الآن تحت الاحتلال العسكري يتحكم بها الحشد الشعبي، وهناك اضطهاد للكرد، وهذا طبعاً لا يمكن أن يستمر ولا يمكن القبول به إلى ما لا نهاية”، متهما “جهة داخلية من الكرد بخيانة أبناء قوميتهم وبأنهم كانوا سبب دخول الحشد الشعبي إلى كركوك”، ووصفهم، بـ”أنهم أذلاء للحشد

خريطة توزع الأكراد في الشرق الأوسط وقواتهم المسلحة, الأكراد — أكبر شعب من دون دولة. يعيشون في العراق وإيران وتركيا وسوريا. العراق هي الدولة الوحيدة التي تضم إقليما كرديا (كردستان العراق) ذا حكم ذاتي.
التشكيلات الكردية المسلحة:
تركيا
حزب العمال الكردستاني* — منظمة تحارب من أجل حقوق الأكراد السياسية في تركيا وتسعى لإقامة حكم ذاتي ضمن تركيا.
إيران
البشمركة الإيرانية** — تشكيلات مسلحة كردية في “كردستان الإيراني”.
حزب الحياة الحرة الكردستاني*** — الفرع الإيراني لحزب العمل الكردستاني ويحارب من أجل حقوق الشعب الكردي في إيران (بالوسائل المسلحة فقط).
العراق
البشمركة — هدف البشمركة المزعوم توفير الأمن في كردستان العراق وغيره من المناطق.
سوريا
وحدات حماية الشعب — الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي. تعمل على مكافحة المنظمات الإرهابية شمالي سوريا.
وحدات حماية المرأة — مجموعة نسائية كردية مسلحة. تحارب المنظمات الإرهابية شمالي سوريا.
قوات سوريا الديمقراطية — تحالف مسلح متعدد يضم العرب والأكراد. ويقاتل ضد إرهابيي “داعش” و”جبهة النصرة”.

الأكراد قوم يسكنون المنطقة الجبلية الممتدة على حدود تركيا، والعراق، وسوريا، وإيران، وأرمينيا، ويترواح عددهم ما بين 30 و40 مليونا. ويعدون رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط، لكن لم تكن لهم أبدا دولة مستقلة في العصر الحديث وفي العقود الأخيرة، زاد دور الأكراد في التطورات الإقليمية، إذ قاتلوا من أجل حقوقهم القومية في تركيا، ولعبوا دورا هاما في الصراعات الداخلية في العراق وسوريا، آخرها المشاركة في مقاومة تنظيم “الدولة الإسلامية”. وفي الـ 25 من سبتمبر/أيلول الجاري يجرى استفتاء على استقلال كردستان العراق تاريخيا، عاش الأكراد حياة قائمة على الرعي والزراعة في سهول الرافدين، وفي المناطق الجبلية المرتفعة الموجودة الآن في جنوب شرقي تركيا، وشمال شرقي سوريا، وشمالي العراق، وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا واليوم يشكلون مجموعة متميزة، يجمعها العرق والثقافة واللغة، رغم عدم وجود لهجة موحدة. كما أنهم ينتمون لمجموعة مختلفة من العقائد والديانات في مطلع القرن العشرين، بدأت النخب الكردية التفكير في إقامة دولة مستقلة، باسم “كردستان”. وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء الغربيون المنتصرون تصورا لدولة كردية في معاهدة سيفر عام 1920.
إلا أن هذه الآمال تحطمت بعد ثلاث سنوات، إثر توقيع معاهدة لوزان التي وضعت الحدود الحالية لدولة تركيا، بشكل لا يسمح بوجود دولة كردية وانتهى الحال بالأكراد كأقليات في الدول السابق ذكرها. وعلى مدار السنوات الثمانين التالية، سحقت أي محاولة كردية لتأسيس دولة مستقلة أو حكم ذاتي ثمة صراع متأصل بين الدولة التركية والأكراد، الذين يمثلون حوالي 15 أو 20 في المئة من السكان على مدار أجيال، عاملت السلطات التركية الأكراد معاملة قاسية. ونتيجة لحركات التمرد التي قامت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، أعيد توطين الكثير من الأكراد، وحظر الأسماء والأزياء الكردية. كما حظر استخدام اللغة الكردية، وأنكر وجود الهوية العرقية الكردية، وأطلق عليهم اسم “أتراك الجبال وفي عام 1978، أسس عبدالله أوجلان حزب العمال الكردستاني، الذي نادى بتأسيس دولة مستقلة في تركيا. ثم بدأ الحزب الصراع المسلح بعد ست سنوات من تأسيسه. ومنذ ذلك الحين، قتل أكثر من 40 ألف شخص وتدمير أكثر من 3 آلاف قرية وتهجير سكانها إلى غرب تركيا وفي تسعينيات القرن الماضي، تراجع حزب العمال الكردستاني عن مطلب الاستقلال، وطالب بالمزيد من الاستقلال الثقافي والسياسي، مع استمرار القتال وفي عام 2012، بدأت محادثات السلام بين الحكومة التركية والحزب، بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة سنة. وطلب من مقاتلي حزب العمال الكردستاني التراجع إلى شمالي العراق ورغم اعتبار أنقرة أن تنظيم الدولة الإسلامية تمثل تهديدا لها، إلا أنها منعت الأكراد من العبور والقتال في سوريا للتنظيم عندما اجتاح مدينة كوباني/عين العرب عام 2014.
يمثل الأكراد ما بين سبعة وعشرة في المئة من تعداد السوريين، ويعيش معظمهم في محافظتي الحسكة وحلب إلى جانب العاصمة دمشق ومدينة حلب وتعرض الأكراد السوريين للكثير من القمع والحرمان من الحقوق الأساسية. وتم تجريد حوالي 300 ألف من الأكراد من الجنسية السورية منذ ستينيات القرن الماضي، وصودرت الأراضي الكردية وأعيد توزيعها على العرب في محاولة “لتعريب” المناطق الكردية ولم تتأثر المناطق الكردية كثيرا بالصراع السوري في السنتين الأوليين. وتجنبت الأحزاب الكردية الكبرى اتخاذ أي موقف من أي من طرفي الصراع. وفي منتصف عام 2012، انسحبت القوات السورية من المناطق الكردية لتركز على قتال المعارضة في مناطق أخرى، ففرضت القوات الكردية سيطرتها على المنطقة حيث أقام حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مناطق إدارات ذاتية في كل من القامشلي وكوباني وعفرين عام 2014. وأكد الحزب أنه لا يسعى للاستقلال بل إلى “إدارة محلية ديموقراطية يمثل الأكراد حوالي 15 إلى 20 في المئة من سكان العراق. وتاريخيا، كان للأكراد في العراق امتيازات مدنية مقارنة بالأكراد المقيمين في الدول المجاورة، إلا أنهم تعرضوا لقمع شديد وثار الأكراد في شمال العراق ضد الحكم البريطاني في فترة الانتداب، لكنهم قمعوا. وفي عام 1946 أسس الملا مصطفى البارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني بهدف الحصول على الحكم الذاتي في إقليم كردستان وبعد ثورة عام 1958، اعترف الدستور المؤقت بالقومية الكردية قومية رئيسية واعتبر الأكراد شركاء في الوطن مع العرب والأقليات الأخرى، لكن الزعيم الكردي مصطفى البارزاني أعلن القتال المسلح عام 1961.
وفي عام 1970، عرضت الحكومة التي كان يقودها حزب البعث على الأكراد إنهاء القتال ومنحهم منطقة حكم ذاتي. لكن الاتفاق انهار واستؤنف القتال عام 1974.
وبعد عام، انقسم الحزب الديمقراطي الكردستاني حيث أسس السياسي المعروف جلال طالباني الاتحاد الوطني الكردستاني وفي نهايات سبعينيات القرن الماضي، بدأت الحكومة في توطين عرب في بعض المناطق لتغيير التركيبية السكانية، خاصة حول مدينة كركوك الغنية بالنفط. كما قامت بإعادة توطين الأكراد في بعض المناطق قسرا وفي عام 1988، قبيل انتهاء الحرب مع إيران تعرضت مدينة حلبجة لغارات بالسلاح الكيماوي وأطلق صدام حسين حملة انتقامية ضد الأكراد أطلق عليها عمليات “الأنفال وبعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991، اشتعلت انتفاضة واسعة في مناطق جنوب العراق وإقليم كردستان ولشدة قمع الدولة لهذه الانتفاضة، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها منطقة حظر جوي على شمال العراق، مما سمح للأكراد بالتمتع بحكم ذاتي. واتفق الحزبان الكرديان على تقاسم السلطة، لكن الصراعات احتدمت، واشتعل صراع داخلي عام 1994، دام أربع سنوات وتعاون الحزبان الكرديان الرئيسيان مع قوات الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، التي أطاحت بصدام حسين، وشاركا في جميع الحكومات التي شكلت منذ ذلك التاريخ وكذلك في البرلمان العراقي، وشغل منصب رئيس الجمهورية سياسيان كرديان حتى الآن. كما تشارك الحزبان في مؤسسات الحكم في الإقليم المكون من ثلاث محافظات هي دهوك وإربيل والسليمانية وبعد هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في يونيو/ حزيران عام 2014، أرسلت حكومة الإقليم قوات البيشمركة للمساهمة في التصدي لزحف التنظيم فاستعادت مساحات كبيرة منه بمساعدة الطيران الأمريكي شهد القرن العشرين عدة محاولات لإقامة دولة كردية باءت جميعها بالفشل وهي:
مملكة كردستان :أقيمت بمدينة السليمانية في كردستان وريفها عام 1922 بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، ودامت سنتين حتى تحركت القوات العراقية بدعم جوي وبري للاستعمار البريطاني وسيطرت على السليمانية وأنهت سيطرة البرزنجي***كردستان الحمراء: لم يشكل الوجود الكردي في المثلث الأرمني الروسي الأذربيجاني قوة يمكن الاعتماد عليها، لكن هذه الدول الثلاث استخدمت الورقة الكردية لتحقيق مصالحها، ودفع الأذريون الأكراد إلى إعلان جمهورية كردستان الحمراء التي امتدت من 1923 إلى 1929 في ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة هامة تقع بين أرمينيا وأذربيجان***جمهورية آرارات: خاض الأكراد سلسلة من الموجهات مع تركيا بدأت بثورة في مناطق جبال آرارات باسم “ثورة آغري” عام 1930، بقيادة إحسان نوري باشا (1896-1976) الذي أعلن ثورة عارمة في وجه الدولة التركية، وأعلن مناطق جبال آرارات دولة كردية مستقلة، ليبدأ مع الدولة التركية حربا شاملة انتهت بسقوط هذه الجمهورية***جمهورية مهاباد: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أعلن الأكراد في إيران جمهورية مهاباد التي سقطت سريعا نظرا لغياب الدعم العشائري ومناهضة الإقطاعيين لها***جمهورية لاجين: التجارب الكردية في تلك المنطقة الواقعة بين أذربيجان وأرمينا لم تتوقف واستمرت ليصدر عام 1992 إعلان جديد عن ولادة جمهورية لاجين الكردية برئاسة وكيل مصطفاييف، ولكن لم يكتب لها النجاح وانهارت بسرعة فلجأ مصطفاييف إلى إيطاليا