من وحي أرض الطفوف / 3

من وحي أرض الطفوف / 3
بقلم : عبود مزهر الكرخي

نأتي الى تكملة المقال حيث هناك :
الاتجاه الثاني : وكان هذا الاتجاه أو هذه المرحلة كما يصنفها هؤلاء الكتاب والباحثين عندهم بأنها العمل على اتخاذ مرحلة مقاومة الحكم الأموي ، وبالتالي طرح الأمام الحسين(عليه السلام)نفسه بديلاً عن الحكم الأموي ، وهو ما يعبر عنه بالخروج على الحاكم، والتي بعض الشيوخ من مذهب السنة والجماعة يعتبر أن بيعة يزيد شرعية ، وأن الحسين(عليه السلام)قد خرج على الحاكم ، وقد أخطأ بهذا القرار ، وهو ما ذهب اليه بن باز وأبن تيمية والعديد من علماؤهم ومؤرخيهم ، فيما عارضه البقية على هذا الأمر.
والذي سوف نحلل الذين يتبنون لهذا الرأي والذي لا يخلو من المغالطات والشبهات. ” ومن المعروف أن الأمام الحسين(عليه السلام)قد خرج من المدينة و فقد قدم إلى مكة في الثالث من شعبان سنة: 60هـ للهجرة، وخرج إلى العراق في الثامن من ذي الحجة من نفس السنة، وفي هذه الفترة كان – رضي الله عنه – يراسل أهل العراق، وتقدم إليه الوفود، حتى رأى أنه لا بد من مقاومة الظلم وإزالة المنكر وأن هذا أمر واجب عليه، وكانت شيعته بالعراق على اتصال به وتمت بينهم مراسلات ” وهذا الكلام تجده في أغلب الكتب والمواقع الالكترونية التي تتبنى هذا الاتجاه.
ويعتبرها هؤلاء الفئة أنها مرحلة مقاومة الحكم الأموي ، والتي وصل فيها الحسين الى قناعة راسخة ، ليبني بالتالي قراره السياسي(على فتوى أقتنع بها على مقاومته حكم بنو أمية)وقد وضعت هذه العبارة لأنها عبارة لا تخلو من المغالطة وتحريف الحقائق ” وذلك لأنهم لم يلتزموا حدود الله في الحكم، وخالفوا منهج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدين، وبنى الحسين – رضي الله عنه – فتواه بتسلسل منطقي شرعي، فاستبداد بني أمية، والشك في كفاءة وعدالة يزيد، توجب عدم البيعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على علماء الأمة، ومن أكبر المنكر حكم بني أمية واستبدادهم، وبما أن الحسين ليس في عنقه بيعة، وهو أحد علماء الأمة وسادتها، فهو أحق الناس بتغيير هذا المنكر، وعلى ذلك فليس موقفه خروجاً على الإمام، بل هو تغيير المنكر، ومقاومة للباطل، وإعادة الحكم إلى مساره الإسلامي الصحيح، ومما يدل على حرص الحسين – رضي الله عنه – على أن تكون فتواه وتحركاته السياسية في مقاومته للحكم الأموي متماشية مع تعاليم الإسلام وقواعده، امتناعه عن البقاء في مكة عندما عزم على مقاومة يزيد حتى لا تستحل حرمتها وتكون مسرحاً للقتال وسفك الدماء، فيقول لابن عباس: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة وتُستحل بي ” (1).
وهذا ما ذهب اليه الكاتب عباس محمود العقاد ، والكاتب والمفكر طه حسين حيث يذكر ويقول طه حسين : «جعل معاوية الخلافة مُلكاً ، وأورثها ابنه من بعده ، واستباح أشياء حرّمها القرآن . . ثمّ تتابع الخروج على الكتاب والسنّة ، لأنّ الإثم يدعو الإثم ، ولأنّ حبّ الدنيا لا يقنع صاحبه ; فالله قد حرّم مكّة في القرآن ، وحرّم النبي المدينة ، وقد استباح بنو أُمية المدينة ومكّة جميعاً ، بدأ يزيد بن معاوية فاستباح المدينة، وأنهبها ثلاثاً ، وثنّى عبد الملك بن مروان فأذن للحجّاج في أن يستبيح مكّة..
كلّ ذلك لتخضع البلاد المقدّسة لبني سفيان ومروان ، واستباح ابن زياد عن أمر يزيد قتل الحسين وأبنائه وإخوته وسبي بنات النبيّ . . وأصبح مال المسلمين مُلكاً للخلفاء ، ينفقونه كما يحبّون لا كما يحب الله» (2) .
ثم يذهب الكاتب المصري عباس محمود العقاد وهذا هو الأدهى في تحليل نهضة الأمام الحسين(عليه السلام) فيقول ” زواج الحُسين (ع) :وكأنّما كانت هذه المنافسة المؤصّلة الجذور لا تكفي قصاص التاريخ ، فأضاف إليها اُناس من ثقاتهم قصّة منافسة اُخرى هي وحدها كافية للنفرة بين قلبين متآلفين ؛ وهي قصّة زواج الحُسين (رضي الله عنه) اُرينب بنت إسحاق التي كان يهواها يزيد هوى أدنفه وأعياه .
وكانت زينب هذه ـ على ما قيل ـ أشهر فتيات زمانها بالجمال ، وكانت زوجة لعبد الله بن سلام القرشي والي العراق من قبل معاوية ، فمرض يزيد بحبّها وأخفى سرّه عن أهله حتّى استخرجه منه بعض خصيان القصر الذين يعينونه على شهواته . . . فلمّا علم أبوه سرّ مرضه , أرسل في طلب عبد الله بن سلام واستدعى إليه أبا هريرة وأبا الدرداء ، فقال لهما : إنّ له ابنة يريد زواجها ولم يرض لها خليلاً غير ابن سلام ؛ لدينه وفضله وشرفه , ورغبة معاوية في تكريمه وتقريبه .
فخدع ابن سلام بما بلغه وفاتح معاوية في خطبة ابنته ، فوكّل معاوية الأمر إلى أبي هريرة ليبلّغها ويستمع جوابها . فكان جوابها المتفق عليه بينها وبين أبيها أنّها لا تكره ما اختاروه ، ولكنّها تخشى الضرّ وتشفق أن يسوقها إلى ما يغضب الله . فطلّق ابن سلام زوجته واستنجز معاوية وعده . . . فإذا هو يلويه به ويقول بلسان ابنته إنّها توجس من رجل يطلّق زوجته وهي ابنة عمّه وأجمل نساء عصره . . .
وقيل : إنّ الحُسين سمع بهذه المكيدة ، فسأل أبا هريرة أن يذكره عند اُرينب خاطباً . . . فصدع أبو هريرة بأمره وقال لزينب : إنّك لا تعدمين طلاباً خيراً من عبد الله بن سلام .قالت : مَن ؟ قال : يزيد بن معاوية والحُسين بن عليّ ، وهُما معروفان لديك بأحسن ما تبتغينه في الرّجال .
واستشارته في اختيار أيّهما ، فقال : لا أختار فم أحد على فم قبّله رسول الله ، تضعين شفتيك في موضع شفتيه .
فقالت : لا أختار على الحُسين بن عليّ أحداً وهو ريحانة النّبي (ص) وسيّد شباب أهل الجنّة .
فقال معاوية متغيظاً :
أنعمي اُمَّ خالدِ*** رُبَّ سَاعٍ لِقاعِدِ
ولم يلبث الحُسين (ع) أن ردّها إلى زوجها , قائلاً : (( ما أدخلتها في بيتي وتحت نكاحي رغبة في مالها ولا جمالها ، ولكن أردت إحلالها لبعلها )) .
فإن صحّت هذه القصّة وهي متواترة في تواريخ الثقات ، فقد تمّ بها ما نقص من النفرة والخصومة بين الرّجلين ، وكان قيام يزيد على الخلافة يوم فصل في هذه الخصومة ، لا يقبل الإرجاء ، وكان بينهما كما أسلفنا مفترق طريق . . .” (3).
وهذا هو قمة التزوير والتحريف البشري لما قام به الأمام الحسين في نهضته المباركة.
وفي ختام جزئنا هذا وننقل بعض من العبارات المتداولة هؤلاء الكتاب والمؤرخين ومنها “فإن المضحين غالباً إما أن يتشبثوا بأمل السلامة ونجاح المشروع الذي يخططون له فيشرعوا في تنفيذه ويدخلوا في المعركة، حتى إذا أخطأوا وفشل مشروعهم أبت لهم كرامتهم وحميتهم التراجع والاستسلام من أجل السلامة، فيثبتون حتى النهاية، وإما أن يفاجئوا بالمعركة من دون تخطيط سابق لها وتنسد أمامهم طرق النجاح فتمنعهم حميتهم أيضا عن الاستسلام طلباً للسلامة، ويثبتوا حتى النهاية. ويكون النصر حتميا ويختلف النصر هنا من معركة الى معركة من حيث الناتج المعنوي…”
وفي جزئنا القادم سنناقش هذا الأمر وما ذهب اليه هؤلاء الكتاب والمفكرين أن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ مأخوذة من مقال بعنوان(حقائق غائبة حول استشهاد الحسين وأحداث كربلاء .د. علي الصلابي. موقع الجزيرة. مدونات. منشور بتاريخ 23/9/2018.
2 ـ كتاب مرآة الإسلام . تأليف الأديب المصري طه حسين. ص : ٢٦٨.
3 ـ كتاب الحُسَين عليه السلام أبو الشُهداء. عباس محمود العقاد. ص 37 ـ 39.

نشر بواسطة المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.