من ذكريات الجندي رقم 16.. في الجيش العراقي

قحطان جاسم جواد
 بعد تأسيس  الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921 م ومضي أربعين يوما تطوع  السيد جاسم  جواد كاظم  في الجيش العراقي   وكان رقمه بين الجنـود (16 ) والجيش في  بوادر تشكيله الأول بعد أن تم اختيار موقع له في الكاظمية  في خان   وسمي  بفوج موسى الكاظم  ثم بدا شيئا فشيئا يزداد عدده وتزداد صنوفه العسكرية   وخبرته  مع مرور الأيام  والسنوات .

 من النوادر التي حصلنا عليها  من مذكرات  المرحوم جاسم جواد  انه تسلم  راتبا في احد  الشهور  بأصغر  عملة  عراقية  التي هي ( فلـس ) مما اضطر  إلى طلب  مساعدة  بعض الجنود لحمل كيس الفلسان بعد تسلم الراتب .
 من المفارقات  التي لم  تكن تحدث إلا نـادرا في الجيش العراقي  دخول  جندي  إلى الجيش  العراقي  ويتقاعد  كضابط برتبة ملازم ثان وهو  ما حدث فعلا  مع الجندي رقم 16 حيث أحيل على التقاعد في منتصف عـام 1955 بإرادة ملكية  بعد أن شارك في عمليات درء الفيضان عن بغـ داد في  عام 1954 وإصابته بمرض ( الدازنتري ) و ( الروماتيزم )  لأنه عاش مع أقرانه  في موقع  تل محمد كأمر  سرية  في أحداث  الفيضان  وظل  مع جنوده بين  الرمـال  والماء  والرطوبة  لأكثر من عام فادى إلى أصابته بأمراض عدة … وكان لا يشكو أو يطلب  العلاج أو الذهاب  إلى المستشفى  لأنه يعتبر ذلك بمثابة تخاذل  أو خيانة  للوطن أو تقاعس عن أداء  الواجب المقدس فظل يتحمل الألم إلى أن ساءت حالته الصحية  على نحو كبير  فنقل  إلى المستشفى للعلاج وبعد شفائه احيل على التقاعد .
ويذكر الزميل قحطـان جاسم  نجل الجندي رقم 16  أن والده  كان يتحدث لأسرته ومعارفه عن كيفية  غرق العديد من مناطق بغــداد كلجوء اضطراري  حتى لا تغرق  بغداد كلها  وكان أمرا لسرية في منطقة تل محمد التي كانت من بين  المناطق  التي غرقت وكان يسكن فيها  بعد فتح الماء على معسكر الرشيد لكنـــه  وجنوده ظلوا صامدين أمام  مد تيار الماء  يحصنون السدود  ويعالجون فتحاتها التي تحدث هنـا وهناك ويذكر أن وزير الدفاع أوصى بتكريم  احد الجنود بمنحه رتبة ضابط أو مــلازم  بعد أن  حمل كيس الرمل واندفع إلى ثغرة  وسدها بجسده وبأكياس الرمل .
وحين جاء  وزير  الدفاع ومعه القائد  العام للقوات المسلحة الملك فيصل الثاني واستنادا إلى تقرير  الملازم  جاسم جواد تم منح  الجنـدي رتبة ضابط  بعد أدائه المتميز  في سد  الثغرة  المائية  التي كادت  تتسبب بإشكالات  عديدة  للمناطق المتاخمة ولقطعات الجيش العراقي المنتشرة خلفها .
وقد بني  فيما بعد على نفس  ( السدة الشرقية ) التي  تمتد على طريق محمد القاسم السريع  في بداية  الس بعينات بعد أن  زال  الخطر  كما يقول  جاسم  نتيجة  لإنشاء  سدة  الثرثار  في سامراء  التي  أنهت والى الأبـد  تهديد دجلة لمدينة  بغداد في فيضان  أخر  بعد أن  هددها لعدة مرات كان  أخرها فيضان عام 1954 وهو الأعنف .
ويستذكر  الجندي رقم 16  مرارة تلك الأيام حين أحاطت  المياه ببغداد  من كل  جانب  وصار  الناس بين  كماشة خطيرة  من الماء  ربما  يزيد ارتفاعه على عشرين مترا  وكانت مياه دجلة  تتلاطم مع حافات  النهـر  وكان يمكن رؤية  ذلك بوضوح في شارع أبي نؤاس  .. لكن الناس كانت على أهبة الاستعداد لمساعدة واما العسكر  فكانوا يهبون للمساعدة ويطهـون  الطعام ويوزعونه  على الجيش والقوات المسلحة .

وسام الفيضان
لقد كانت أياماً  لا تنسى أبدا كما يقول  جاسم وقد منحت  على أثرها  وسام  الفيضان تثمينا  لدوري  الكبير والمشرف  في هذا العمل البطولي والوطني لأني أديت  خدمة للوطن أولا ثم لشعبي  ثانيا وحافظت على المنطقة  المناطة بيٌ في أيام الفيضان … كنا يوميا  نقوم بزيادة علو الســاتر الترابي  بعد أن  يزداد الماء ارتفاعا  لقد برهن الحادث  أن الخطــر  حينما يواجه  مدينة  ما فان أهلها يهبون لدرء ذلك الخطر  كما فعل (  اهالي بغداد )  في أيام  الفيضان  فبعضهم كان يملا الأكياس  ( الكواني )  بالرمل  وبعضهم  الأخر  يجلب ( الحصران ) و ( مرادي )  الخشب وأخر  يهب لوضع أكياس  الرمل  على السواتر .ومازال شقيقي الفنان  التشـكيلي رافع جاسم  يحتفظ بفيلم  خاص (16 ) ملم عن الفيضان  ويحتاج إلى أجهزة  خاصة  لتحويله إلى عرض بـ ( 35 ) ملم حتى يمكن عرضه مناسبة ذلك  الحادث الخطير  الذي بدا مع موسم ارتفاع مناسيب النهر في منتصـــف آذار وبداية  نيسان  وماتلاه من أشهر  ويظهر  فيه الملك  فيصل وهو يتفقد مواقع الفيضان .
ويذكر السيد  رافع  أن حادثة  الفيضان  كانت  متوقعة  وقد أشار أليها  احد أعضاء  مجلس الأعيان نصرة الفارسي حين وجه  سؤاله  إلى وزير  الزراعة  عبد الغني  الدللي  وسأله ( هناك ثلوج كثيرة  في أعالي النهر  فإذا أصبح الجو حارا  على ( غفلة ) فانه سيؤدي  إلى ذوبان الثلوج  لتتحول إلى مياه  جارفة  ستزيد من ارتفاع  مناسيب مياه النهر وبالتالي تؤدي  إلى فيضان  مدمـر ) هذا السؤال  كان في  أواخر عام 1953 م لكن الوزيـر  الفارسي قال له  أننا أخذنا جميع  الاحتياطات  للسيطرة  على الفيضان  أن حدث وماهي الا شهور قليلة  إلا واجتاح الفيضان  بغداد !
وعلى أثره يقول  ( جواد ) اجتمع رؤوساء  الحكومات  العراقية  السابقة في بناية  مديرية  الري  ألعامة وكذلك  الوزراء  المعنيون وقرروا إخلاء  جزئياً لأهالي بغداد لاسيما  للشيوخ والأطفال والمرضى من جانب الرصافة من الذين يتهددهم الفيضان  إلى جانب الكرخ الذي كان  أكثر أمانا  وكان في بغداد  آنذاك  ما يقارب  ثلاثة أرباع مليون  شخص يسكن  ثلثاهم  في جانب الرصافة المعرض للغرق.
ويضيف  السيد رافع :  وقد  نكبت بحدود مليوني  فدان إلى جانب  ما يقارب ربع مليون  نسمة  وتجاوزت  الإضرار  الثلاثين  مليون دينـار وقد غرقت بغداد الجديدة  برمتها ولم تبق منها إلا  كور الطابوق العالية  وغرق معسكر الرشيد والوزيرية بمياه النزيز تبرعات الدول المجاورة
ويشير الزميل قحطان  بعد الفيضان  تبرع الكثير من الدول العربية للعراق لمساعدته  على تجاوز الكارثة  فقد تبرع الملك سعود بمليون ونصف مليون ريال سعودي ( نحو 150 ألف دينار عراقي ) و أمير الكويت  الشيخ عبد الله السالم بمائة ألف دينار  وشيخ  البحرين  بمائة ألف روبية  (تقريبا 7500 دينار ) وقداسة البابا بثلاثة ألاف دولار  وتبرعت  الهند بأربعين ألف روبية  وإيران بمليون ريال وجمعية  الهلال الأحمر بخمسة ألاف دينار  كما سمحت الحكومة  باجرا ء اكتتاب  بمائة  ألف دينار … في حين  أرسلت تركيا  وسوريا  والأردن  ومصر  بعثات طبية  وأجهزة وبطانيات  ومواد إســعاف كما تبرعت بريطانيا بألف خيمة وخمسة ملايين كيس وأمريكا وروسيا بخيم ومواد اسعاف وقد القى  الملك فيصل  الثاني  خطابا  بهذه المناسبة وعد فيه بانجاز  مشروعي  الثرثار ودربندي خان  لتفادي  الفيضان في الأعوام اللاحقة  وفعلا تم  افتتاح الثرثــــار  في عام 1956 م
في مجلس النواب حدثت مشادات كلامية  شديدة  اللهجة  بين المعارضة  والوزارة بسبب عدم استعدادها  لتفادي  الكارثة  التي حلت بالبلاد  وطالبوا  بإجراء تحقيق في الأمر  لكن حل مجلس النواب حال دون ذلك !
وهذه الذكريات تحدث  عنها  المؤرخ عبد الرزاق  الحسني في كتابه ( تاريخ  الوزارات العراقية ) وشرح فيه الكثير من معاناة بغداد والكوت والبصرة  عندما  واجهت الفيضان .
موسيقى الجيـــــــــش
من الذكريات الأخرى  التي تحدث عنها الملازم  الراحل جاســم جواد انه في  إحدى  المناسبات  الخاصة  بعائلته قام باستدعاء  فرقة موسيقى الجيش  التي حضرت  إلى داره  في منطقة  ( قهوة شكر )  وتحولت  المناسبة  الخاصة إلى احتفال مهيباستعرضت فيه الفرقة ألوان الموسيقى  الخاصة بها ومازال  أهالي ( قهوة شكر ) يذكرون  ذلك الاحتفال  حيث قامت   الفرقة  بالمرور  في الشارع  وعادت إليه بعد صولهــا  إلى نهايته وهذه المرة الاولى وربما الوحيدة التي تعزف فيها موسيقى الجيش خارج الواجب الرسمي لها !
 كما يشير الجندي رقم 16 إلى مشاركته في حرب  فلســــطين عام 1948 م وفي معارك الجيش العراقي  مع القائد  عبد الكريم قاسم في معركة كفر قاسم وقلقيليةوغيرها. .
 ويضيف  الزميل قحطان  كان جاسم جواد  يخدم كعسكري في مدينة الناصريـــــــــة  في الثلاثينات  وقد  تعمقت علاقاته بالكثير  من المواطنين  من أهالي  المدينة  ومن  بينهم المطرب حضيري أبو عزيز الذي كان في  بداياته  الأولـــى وكان برتبة  نائب عريف أو جندي أول أو شرطي أول  لا أتذكر بالضبط ما قال  جاسم وصارا صديقين  حميمين  وكان جاسم أمرا  للانضباط  في المدينــــة  وحضر  حضيري إلى  المحطة  فلم يتحرك  الجميع للاستماع إلى حضيري  القطار  يتأخر عن موعده !
 كان أفراد الجيش العراقي  يرتدون البنطلون  العسكري القصير ( الشــــورت ) على غرار  القوات المسلحة  البريطانية  والتركية … وظل  السيد جاسم  يحتفظ  بزيــــه  بعد  إحالته  على التقاعد لفترة  طويلة  اعتزازا بمســـــــيرته التي تجاوزت  الـ 35 عاما … وهو  متزوج  من امرأتين  أنجب من الأولى سـتة أبناء  ومن الثانية  ثلاثة أولاد وثلاث بنات  من بينهم  القاضي  الأول ســـليمان جاسم الذي كان قاضيا  في ديالى  إلى حين  تقاعده  والفنان التشــــــــــكيلي الرائد رافع جاسم  مصمم الديكور  الأقدم  والرسام  المعروف والصحفي  قحطان جاسم والسياسي حبيب النجل الاكبر .
 من الأمور التي كان يتحدث عنها  المرحوم جاســــــــــم  هي قضية غرق منزله في منطقة  تل محمد  التي كان آمر سرية  فيها  لمعالجة  ثغرات  الفيضان  ولحماية عائلته بنى سرادق على السدة  الشرقية  ظلت  فيها عائلته  إلى حين  انتهاء  أزمة  الفيضان  وعودة  المياه إلى  وضعها الطبيعي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.