تجاوز المحتوى

ملامح سياسة بايدن في الشرق الاوسط

ملامح سياسة بايدن في الشرق الاوسط
ادهم ابراهيم

تميزت سياسة ترامب في العالم ومنطقة الشرق الاوسط بالتوتر وعدم اليقين . ويتطلع العالم الى التغييرات التي ستحدث في عهد الرئيس الديموقراطي جو بايدن في منطقة الشرق الاوسط التي تعد من اهم مناطق العالم الساخنة . ويبدو ان بايدن السيناتور المخضرم سوف لن يكون نسخة جديدة من اوباما الذي كان نائبا له خلال سنوات طويلة.
ومن خلال مسيرته السياسية وماطرحه من اراء ووجهات نظر ، يمكن قراءة بعض سياساته العامة في منطقة الشرق الاوسط .

ويعد الملف النووي الايراني من اكثر المسائل الجدلية في المنطقة .
وفي تقديرنا فان بايدن سيبدي مرونة اكبر في تعامله مع هذا الملف ، ولكن ليس بالشكل الذي ينتظره قادة إيران الذين توقعوا انفراجا حادا في الازمة النووية الايرانية ، خصوصا بعد تصريحه بانه يفضل مقاربة أكثر ليونة للجمهورية الاسلامية ، حيث إن سياسات ترامب جعلت إيران “أقرب إلى امتلاك ما يكفي من المواد النووية لصنع قنبلة” على حد قوله .
ولذلك فان العلاقات الأميركية الإيرانية ستشهد تحسناً طفيفاً ، ولكن هذا الأمر مرتبط بمدى تجاوب إيران مع الشروط التي وضعها بايدن للعودة الى طاولة المفاوضات . وان ذلك سوف لن ينعكس بالسلب على العلاقات الأميركية الخليجية كما يضن البعض . فدول الخليج والسعودية على الاخص تعتبر من المجال الحيوي الامريكي الذي لايمكن التفريط به الى امد ليس بالقصير . رغم وجود خشية مبطنة من قادة الخليج في العودة لسياسات أوباما المعادية للعرب ، والتي ساهمت في التمدد الايراني في المنطقة .

ان التحدي التقني الذي اثاره استئناف ايران للمشروع النووي سيكون محل خلافات جديدة مع طهران . وفي كل الاحوال سوف لن تكون هناك عودة لنفس الاتفاق النووي ، حسبما تتوقع ، او تريده ايران .

وعلى الصعيد الخليجي فان الحوار الاقليمي السعودي الاماراتي مع قطر  سيظل مستمرا . كما لايمكن استبعاد محادثات سعودية إيرانية للتوصل الى توافقات في العديد من القضايا ، وهذا الأمر دعمه الأوروبيون منذ فترة لتحقيق استقرار المنطقة ، ولوضع حد للحرب اليمنية التي طالت كثيرا وتسببت في معاناة انسانية متفاقمة . ولذلك فان ادارة بايدن ستكون بحاجة الى الجهود الاوروبية بهذا الخصوص .

وفيما يتعلق بفلسطين فإن معظم حكومات المنطقة ستستقبل مقترحات بايدن بشأن القضية الفلسطينية برحابة صدر ، نتيجة التوتر الذي احدثه ترامب وصهره في الضغط على الدول العربية للتطبيع المبكر مع اسرائيل ، قبل ايجاد حلول مقبولة للقضية الفلسطينية .
كما نتوقع تجديد المساعدات الأمريكية للفلسطينيين ، وإعادة فتح البعثة الفلسطينية في واشنطن . اضافة الى العودة لمشروع الدولتين ، التي يؤمن بها العرب والاتحاد الاوروبي . على الرغم من ان بايدن قد رحب باتفاقيات التطبيع السابقة ، الا انه يعارض المنطق الأحادي الذي مارسه ترامب تجاه إسرائيل .

وقد يكون بايدن مقيدًا أيضًا من قبل الكونغرس الأمريكي الذي يتمتع بسلطة كبيرة في هذا الملف. ومع ذلك ، فإن التغيير في مزاج  واشنطن قد يحدث فرقًا تجاه القضية الفلسطينية . وعلى الارجح فان المفاوضات الفلسطينة الاسرائيلية ستعود مجددا برعاية الولايات المتحدة . 

وفي الموضوع السوري المعقد فان بايدن سيدعم العملية السياسية للأمم المتحدة بشكل كبير ، لانه يرغب في اطفاء حرائق المنطقة، مع الإبقاء على العقوبات تجاه الحكومة السورية . وسيتفق الأوروبيون مع هذا النهج ، لكن ينبغي استمرار الضغط من أجل سياسة أكثر فاعلية بالنظر  لتمسك نظام الأسد بالسلطة ، وماتبعه من الانهيار الاجتماعي والاقتصادي المتفاقم في البلاد ، والمعاناة المتزايدة لشعبها .
ولكن من غير المرجح أن يقود بايدن أي مسعى دبلوماسي في المسألة السورية حتى لايثير غضب روسيا وهذا مالايريده .

وبخصوص العلاقة مع تركيا فاننا على الارجح سننتظر شهورا عديدة لإعادة ضبط العلاقات المتوترة نتيجة عقوبات ترامب عليها .
وهناك سببان يدعوان تركيا للقلق من سياسة بايدن تجاهها . الأول هو الخوف من اثارة المسألة الديمقراطية ، وحقوق الإنسان  فيها . والثاني تقييد النفوذ التركي المتنامي من جديد . ولذلك فانه سيدعم سياسة احتواء تركيا في ليبيا وسوريا وشرق البحر المتوسط ​​.

المسألة الكردية
يولي بايدن اهتماما كبيرا بالكورد ، وستكون هناك تداعيات مهمة للسياسة الامريكية في المنطقة لكون توجهاته بهذا الشأن ستثير حفيظة كل من تركيا وايران والعراق .

وفيما يتعلق بمصر فقد انتقد بايدن ومستشاروه انتهاكات حقوق الإنسان فيها ، وسوف تتخذ مواقف أكثر صرامة تجاه هذه المسألة مستقبلا . مما قد يؤدي الى توتر في العلاقات بينهما ، ويعتقد بعض مستشاري بايدن أن نهج الرئيس عبد الفتاح السيسي القاسي يؤدي إلى نتائج عكسية لأنه يشجع على التطرف على حد زعمهم .
ولكن من المستبعد استخدام الإخوان كورقة ضاغطة على مصر لكون الظروف الامنية والسياسية الحالية لاتحتمل مثل هذه المناورات .
وعلى العموم فان بايدن يدرك جيدا ان الشعب المصري قد اثبت اكثر من مرة ان ارادته الشعبية هي المحرك الرئيسي للسياسة المصرية ولايمكن النيل من المكتسبات المتحققة باي شكل كان .

اما موقفه تجاه الاوضاع في ليبيا
فقد كان ضد التدخل فيها عام 2011 . ولذلك فمن غير المرجح
  أن يعطي الأولوية لتحقيق الاستقرار فيها . ولكن الدور ألامريكي سيكون أكثر حزماً في حال ظهور اي تهديد أمني جاد فيها ، مثل عودة تنظيم الدولة “داعش” ، مما قد يؤدي الى تدخل عسكري محدود جدا فيها .

وفيما يتعلق بالعراق. فان الاحزاب السياسية الحاكمة والميليشيات المسلحة قد استبشرت خيرا بفوز بايدن على خصمه ترامب ، حيث استفاد قادة هذه الأحزاب من العلاقة الجيدة التي كانت تربط إدارة أوباما ونائبه بايدن بإيران ، إذ شجعت هذه الإدارة على التدخل الإيراني في العراق بعد توقيع الاتفاق النووي ، وقد اثار هذا المخطط نزاعات طائفية اوشكت على تقسيم البلاد وفق اسس عرقية وطائفية .
الا ان قتراح بايدن السابق بتوزيع  السلطة في العراق، عبر ثلاث حكومات محلية سوف لن يكون له اي اثر في سياسة بايدن المستقبلية تجاه العراق ، لكون الاوضاع الداخلية والاقليمية قد تغيرت تماما ولايمكن العودة الى نفس  الاطروحات السابقة .
وبكل الأحوال ستكون أمام بايدن فرصة كبيرة لإصلاح أخطاء الماضي في العراق، ومعالجة مخلفات أوباما السيئة ، مع تفادي طريق ترامب المتناقض وغير الواضح .
ولكن الولايات المتحدة في عهد بايدن ستستمر في سحب قواتها بحوالي  3000 جندي .
الا ان كل المعطيات تدل على ان واشنطن سوف لن تنسحب كليا من العراق ، وان انسحاب بعض قواتها لايمكن ان يضعف  نفوذها في بلد يمثل الركيزة الاساسية لاستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط ، لكون العراق يقع في وسط منطقة ملتهبة ، تعد من اكثر مناطق العالم حيوية لوفرة النفط والمعادن فيها اضافة الى الموقع الاستراتيجي المهم .

يأمل كثير من العراقيين في الخروج من عنق الزجاجة لتحقيق نوع من الاستقرار السياسي والامني ، وتحسين الوضع الاقتصادي المتردي والقضاء على الفساد ، من خلال الحد من النفوذين الامريكي والايراني في بلادهم . ويطمحون في عراق مستقل ذو سيادة وطنية بعيدة عن كل الصراعات الدولية والإقليمية .
ادهم ابراهيم

Published inاراء

تعليق واحد

  1. غير معروف غير معروف

    مقالة مهذبة و مستوعبة لكل الفنارات والاطارات والاوضاع الاقليمية والدولية. لقد كان الباحث ادهم ابراهيم موفقاً في تحقيق كشف الفروقات في تفكير بايدن وسياسته في الماضي والآن …أتمنى أن يكون الباحث اكثر اقترابا وهو يتحدث عن دور الأمريكان في عهد بايدن في العراق وايران اليوم و تقديم تطمينات لنا في العراق ان بايدن لن يكون- بعد كام شهر- من الآن نسخة ملوثة من اوباما …نطمح ونتمنى ………………….معن عبد القادر آل زكريا –

    شهادة عليا في الاقتصاد – ويلز المملكة المتحدة – ماجستير في القانون الدولي العام – جامعة الموصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.