مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي (الحلقة التاسعة عشرة )

مرافئٌ فِي ذاكرةِ يحيى السماوي
(الحلقة التاسعة عشرة )
لطيف عبد سالم
يقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ – مَا أتيح لي – مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.
ثَمَّةَ عبارة لا يحضرني الآن اسم مَنْ قالها أو عنوان الكتاب الَّذِي قرأتها فِيه، فالأسماء كما قيل : ” تطوفُ بالذهنِ حين لا نريدها، وَتستعصي إذا طلبناها “، إلآ أني أحفظها عَنْ ظهرِ قلب منذ أيام دراستي فِي سبعينياتِ القرن الماضي في إعداديةِ الجمهورية فِي مدينةِ بغداد، وَالَّتِي مفادها : ” ألّا أسوأ مِن الفقر، إلا فقدان الرغبة فِي الحياة “، فالفقر بحسبِ الأدبيات الاجتماعية هو الحالة أو الوضع الَّذِي يحتاج فيه الفرد أو المجتمع إلى المواردِ الماليّة، فضلاً عَن الأسسِ الضروريّة للتمتُّعِ بأدنى مستوىً مِن الحياةِ وَالرفاهيّة. وَبالاستنادِ إلى تقريرِ التنمية فِي العالم الصادر فِي عامِ 1990م عَنْ ” البنك الدولي للإنشاءِ والتعمير “، يُعرف الفقر بوصفِه ” عدم القدرة عَلَى تحقيقِ الحد الأدنى مِنْ مستوى المعيشة “. وَقد وجدَ بأنَّ الأطفالَ الَّذين ينشؤون فِي بيئةٍ فقيرة يعانون منْ مشكلاتٍ صِحيّة بشكلٍ مستمر وَمتكرّر بخلافِ الأطفالِ الَّذين ينشؤون في ظلِّ ظروفٍ ماليّة أفضل، فالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ الأطفالَ فِي كثيرٍ مِن الأسرِ الفقيرة يفتحون عيونهم عَلَى الدنيا بوزنٍ منخفض عند الولادة، إلى جانبِ كونهم أكثر عرضةً للموتِ قبل إتمامهم عامهم الأول، ما يعني احتمال تعرضهم لكثيرٍ مَن المشكلاتِ الجسديّة وَالإعاقات العقليّة، وَالَّتِي لا يمكن الوقاية مِنْ حدوثِها إلا بتوفيرِ الرعاية الصِحية الأولية.

*
مـاذا سـأخـسـرُ
حـيـن يـقـتـحـمُ الـخـرابْ
كـهـفَ الـكـهـولـةِ
حـيـث جـثـمـانُ الـشـبـابْ ؟
لا شـيءَ يـخـسـرُ شـوكُ أيـامـي
إذا انـحـسَـرَ الـسّـرابْ !
الـمـاءُ مـن حـجـرٍ ..
وأرغـفـةُ الـمـديـنـةِ مـن ضـبـابْ
نـاطـورُنـا لـصٌّ ..
وأمّـا حـارسـو مـرعـى الـمديـنـةِ فـالذئـابْ

**
ليس خافياً أنَّ الفقرَ بفعلِ مَا يحمل فِي ثناياه مِنْ أبشعِ صور القبح فِي المعاناةِ الإنسانيَّة، لا يعرف معناه إلا مَنْ تكابد معايشة أيامه أو مَنْ شعرَ بِمعاناةِ غيره ممَنْ تجرّعَ مرارة العوز، وَثقل مراثي الأيام، بالإضافةِ إلى مَنْ بوسعِه الشعور – عَلَى نحوٍ صارخ – بِما يتلمس مِنْ الفقرِ المس بالكرامةِ الإنسانيَّة للأفراد؛ إذ لا أظن أَنَّ هناك أسوأ، ولا ألعن مِنْ مصاحبةِ الألم النفسي والروحي لإنْسَانٍ يعشق الحياة وَأنسها وَلطفها وَيحاول النهل مِنْ عذوبتها؛ نتيجة معاناته الدائمة مِن العوزِ وَالفاقة وَالحرمان، وَالَّذِي قد يجعله لا يفكر بأي شيء فِي الحياةِ سوى الوقوع فِي شباكِ الموت البَشَريَّة رويداً رويداً ببطء. وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلت أَنَّ ذلك الأمسَ الحافل بالزفراتِ فوق سنين هموم الكثير مِنْ أهلنا ليس بعيداً بمعطياتِه عَنْ مَا يجري فِي أيامِنا، وَكما يقول الروائي وَالفيلسوف الروسي ” فيودور دوستويفسكي ” فِي روايته الجريمة وَالعقاب : ” مَا يَزال يخيّل إليّ أنَّ فيك شيئاً قريباً مني كل القرب “؛ إذ أَنَّ رمادَ وقائع الأمس، وَمَا حمله مِنْ حسراتٍ فِي جبين مَنْ عاشه ليس بعيداً عَنْ حاضرنا، بل يَبْدُو أنَّه ملتصقٌ به، فمَا يَزال يتناثر فوق أيامنا. فلَا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا أنَّ الفقرَ بمعناه الواسع تفشى فِي العراق مَا بَيْنَ المواطنين فِي الأعوامِ القليلة الماضية بفعلِ سوء تخطيط الإدارات المتأتي مِنْ ركون القيادات الإدارية إلى اعتمادِ نهج ” المحاصصة ” الَّتِي هيمنت عَلَى البلاد، وأصبحت وَبالاً عَلَى الْعِبَاد، حتى أصاب الفقر، وَمَا تباين مِنْ تداعياتِه الكثير مِنْ أهلِ أغنى بلدان العالم بالثروات، وَأكثرها كرماً للغرباء.

*
حلمتُ يوماً أنني جناحْ
وحينما استَيْقَظْتُ
كانت السماءُ صهوةً
وَسَرْجُها الرياحْ
وكان ما بيني وبين الوطنِ المُباحْ
مشنقةٌ
تمتدُّ من سِتارةِ الليلِ
الى نافذةِ الصباحْ
*
حلمت يوماً أنني صرتُ «أبا نؤاسْ»
وحينما هاجر من أحداقيَ النُعاسْ
رأيتُ جفني زِقَّ أحزانٍ
وجرحي كاسْ
وكان ما بيني وبين الوطنِ الجريحِ
قَيْحٌ
ودمٌ يسيل من مئذنةِ الصباحْ
وروضةٌ مذبوحةُ الأغراسْ
*
المتوجبُ إدراكه أيضاً أَنَّ الفقرَ بالاستنادِ إلى المفاهيمِ الحديثة المبينة فِي أدبياتِ التنمية المستدامة ينظر إليه بوصفِه ” أكثر مِنْ مجردِ الافتقار إلى الدخلِ وَالموارد ضماناً لمصدرِ رزقٍ مستدام “؛ إذ أَنَّ الفقرَ يشير عَلَى وفقِ هذا المعنى إلى الحرمانِ المادي الَّذِي يترتب عليه التدني فِي كافةِ المستويات، وَلاسيَّما المستوى التعليمي وَالمستوى الصحي وَالسكني، فضلاً عَمَا قد يفضي إلى انعدامِ ثقة الفقير بالْمُجْتَمَعِ وَفقدان احترامه لمبادئ التعايش، وَلَعَلَّ مِنْ أبرزِ مظاهر الفقرَ وَأهمها : الجوع وَسوء التغذية، ضآلة إمكانية الحصول عَلَى الخدماتِ الأساسية كالتعليمِ وَالصِحة، التمييز الاجتماعي، الاستبعاد مِن الْمُجْتَمَع، فضلاً عَنْ عدمِ المشاركة فِي اتخاذِ القرارات؛ لذا يتعين أنْ يكون النُمُوّ الاقتصادي مخططاً لَه عَلَى وفقِ سبلٍ ضامنة للخروجِ بالفردِ مِنْ مستوى خط الفقر. وَتحضرني الآن مقولة لرئيسِ البرازيل الخامس والثلاثين” لويس سلفا “، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري، وَالَّتِي يقول فِيها : ” إنَّ الفقرَ يُعَدّ أسوأ أسلحة الدّمار الشّامل على الإطلاق “. ويبدو أَنَّ الرجلَ كان مصيباً فِيما اعتقد، ولعلَّ خير شاهد عَلَى ذلك أَنَّ الفقرَ كان عَلَى مرِ العصور مِنْ أبرزِ الأسباب الرئيسة الَّتِي أدّت إلى قيامِ الكثير مِن الثوراتِ الاجْتِماعِيَّة وَالسياسية ” الكبرى ” الَّتِي شهدها التاريخ الإنساني؛ لأَنَّ الفقر يُعَدّ آفة جسيمة الأثر، بوصفِها ولادة للخوفِ وَالاحباط، وَمَا يترتب عَلَى ذلك مِنْ بؤسٍ وَاضطهاد وَضيم.

*
مـوائـدنـا تـخـلـو من الـدسَـم ..
قِـدورنـا بـيـضـاء ..
وأعـذاق نـخـيـلـنـا
لم تـَعُـد تـســيـلُ عَـسـَـلا ..
فـمـا الـذي أغـوى
كـل هـذا الـذبـاب البشـري
لـدخـول الـعـراق ؟
*
رأتِ المـآذِنَ مُـمَـدَّدَةً عـلى الـقِـبـاب ..
والـنـخـيـلَ حـلـيـقَ الـرؤوس ..
ولا ثـمـة غـيـرُ دخـان الـحـرائـق ..
لـذا :
إكـتـَفـَتِ الـلـقـالـقُ والـطـيـورُ المُـهـاجـرة
بـتـأشـيـرة ” ترانـزيـت ”
مـا دامـتْ لـن تـجـِدَ فـي الـعـراق
مـكاناً مـرتـفِـعـاً
لأعـشـاشـهـا !

*
يبدو أنَّ العراقيَ رسمت لَه الأقدار ملحمة صراع متفردة مِنْ أجلِ البقاء عَلَى قيدِ الحياة، فهذا المبتلى بشقاءِ الليالي : لا أمانٍ لَه مثل سائر الأقوام، فهو كمَنْ يخالجه شعور المستجير مِنْ الرمضاءِ بالنار، لَمْ يكن أمامه خيار – وَحالة الاستياء ترسمت عَلَى وجهه بفعلِ سياسة افقار الفقير وإغناء الغني الَّتِي اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة – سوى تذوق ألم التلصص عَلَى حياةِ الثراء الَّتِي يعيشها اللصوص وَالمفسدون وَالعابثون، وَلاسيَّما ” القطط السمان ” الَّتِي تأبى دخول جحورها مِنْ دُونِ رادع، حيث أورث الفقر أهل العراق غماً كبيرا؛ بالنظرِ لعدمِ شعور المتسلقين إلى السلطةِ باحتياجاتِ الفقراء عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ بعضهم كانوا جزءاً مِنْ شريحةِ الفقراء يشاركونهم همهم المتأتي مِن ارتفاع نسبة البطالة بفعلِ قلةِ فرص العمل وَجهل الكثير مِنْ الناس بأسرارِ المهن أو الحرف التي يمكن أنْ يعتاشوا منها، بَيْدَ أنَّهم تعمدوا نسيان مَا يعانيه أبناء جلدتهم مِنْ هموم، وانغمسوا فِي محاولةِ البحث عَنْ الثراءِ وَالنفوذ، وَكأنهم بمثابةِ ثعبانٍ لا هم لَه سوى الانسلاخ مِنْ جلدِه؛ لأجلِ الاكتساءِ بجلدٍ جديد يضفي عَلَيه حيوية.

*
كـيـف أشـعـرُ بـجـمـالِ الـمـنـظر
إذا كنت
مـعـصـوبَ الـعـيـنـيـن ؟

الـطـيـبـة أمـي
رحَـلـتْ قـبـل أنْ تـلِـدَنـي
وأبـي شُـقَّ لـه قـبـرٌ
قـبـل أنْ يـشـقَّ الـمـنـفـى لـسـفـيـنـتـي
نـهـراً تـجـاه الـوطـن

والـقـحـطُ نَـبَـتَ فـي الـحـقـلِ
قـبـلَ أنْ يـنـبـتَ ريـشُ
جـنـاحـي
*
يمكن الجزم بأنَّ الفقرَ الَّذِي صبغ حياة الإنْسَان فِي بلادنا بآثارِ صبغته المتمثلة بالبؤسِ وَالحزن وَالفاقة وَغيرها مِنْ أنواعِ الهموم، كان – وَمَا يَزال – أحد أقسى المشكلات الاجْتِماعِيَّة وَأكثرها خطورة؛ بالنظرِ لِمَا أحدثه مِنْ تفاوتٍ كبير فِي مستوياتِ دخل الأسر، فليس بالأمرِ المفاجئ أنْ يؤديَ الفقر المدقع إلى فشلِ دخل الأسرة فِي تلبيةِ حاجات أفرادها الأساسيّة، فضلاً عَنْ خيبةِ العوام فِي الحصولِ عَلَى فرصٍ متكافئة فِي الْمُجْتَمَع؛ إذ أَنَّ هذا الآدمي المبتلى بالعوزِ وَالمهووس فِي البحثِ عَنْ السعادة، وَإنْ كانت قصيرة الأجل، لَمْ يَمنحه أباطرة السياسة الفرصة المناسبة لإثباتِ نفسه فِي الحياة، فَلَمْ يَكن بوسعِه الانعتاق مِنْ أروقةِ المعاناة وَمفارقة عالم الفقر.

*
زرع الليل فلم يحصد
سوى
عتمة كهفٍ
من صباحٍ مستريبِ!
*
إنّ عدمَ رقي الإنسان إلى العيشِ بحياةٍ هانئة ومطمئنّة ضمنَ المستويات المعيشيّة الجيّدة، وَالَّتِي تشير إلى صعوبةِ تحمّله متطلبات الحياة وَتكاليفها، فضلاً عَنْ عجزَه الاستمتاع بها أو إمتاع أفراد أسرته، لا تشكل الحالة السلبية الوحيدة لتزايدِ رقعة الفقر؛ إذ يمكن القول إنَّ تأثيراتِ الفقر عَلَى الْمُجْتَمَعِ كبيرة وَآثاره السلبية لا حصر لها، حيث لا تقتصر تأثيراته عَلَى الحالةِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فَحسب؛ وإنما له مجموعة متشابكة مِن التأثيراتِ الكفيلة بتدميرِ أي مُجْتَمَع، وَلعلَّ فِي القلبِ مِنْها وأكثرها خطورة هو مَا بوسعِه التأثير سلباً عَلَى العلمِ وَالثَّقَافَة.
لا يخفى عَلَى كُلِّ متابعٍ مدى الألم الذي يحزّ فِي النفسِ بسببِ حياة الفقر والعوز الَّتِي عاشها الكثير مِن الأدباء والكُتّاب والفنانين الَّذين وضعوا بصماتهم في سجلِ الإبداع قبل أنْ يرحلوا بشكلٍ مأساوي عَنْ الدنيا، وَلاسيَّما مَنْ وافته المنية عَلَى قارعةِ الطريق، أو مَنْ ألزمه حسّه الإنْسَاني رفض ” واقع ” العبث بمصائرِ الناس، وَمَا فرضته عَليه أصالة الجذور مِنْ مواجهةٍ لمحاولاتِ أقوياء العصر تكدير الحياة وَتلويثها بكُلِّ وَسيلة، فكان أنْ دفع ثمنه العيش فِي البائسِ مِن الأمكنةِ الَّتِي لا تليق بالآدمية، أو ارتضاء أحد أرصفة المدينة الَّتِي يعيش فِيها مأوىً، كما حصل مَعَ الشاعرِ عبد الأمير الحصيري ( 1942- 1978 ) الَّذِي وُجد جثة هامدة فِي غرفةِ غاية فِي الرثاثةِ بأحدِ الفنادق البائسة، وَمثلما حدث أيضاً مَعَ صاحبِ رائعة “غريبة الروح” الشاعر الشعبي جبار الغزي ( 1946 – 1985 ) الَّذِي عثر عَلَيه جثة مشبعة بالمياه تحت جسر الجمهورية وسط بغداد فِي أعقابِ يومين غزيرين بالمطر، فضلاً عَنْ بقائِها رهينة إحدى ثلاجات الطب العدلي فِي بابِ المعظم مدة عشرة أيام. كذلك كان المصير التراجيدي للشاعرِ عقيل علي (1949 – 2005 ) الَّذِي اشتهر بعبارته الموجعة : ” لا أقسى من غربة الوطن، فأنا لاجئ في وطني “، حيث فارق الدنيا بجسدٍ ممددٍ عَلَى أريكةِ محطة باص فِي أحد شوارع بغداد العاصمة. وَهناك الكثير مِنْ تلك الحوادثِ الَّتِي تدلل عَلَى ركونِ المبدعين لممارسةِ حالات الرفضِ والتمرد، بالإضافةِ إلى المعاناةِ الدائمة مِنْ شظفِ العيش وَبؤسه إلى الحدِ الَّذِي ساهم فِي ضياعِ هيبة الإبداع وَالمبدعين، وَكأنَّ المقولة الَّتِي تزعم أنَّ : ” حرفة الأدب تورث الفقر ” تخيم عَلَى فضاءاتِ حياتهم.

*
حـلـمـتُ يـومـاً
أنـنـي
جـنـاحْ
وكـان مـا بـيـنـي
وبـيـن
الـوطـنِ الـمُـبـاحْ
مـشـنـقـةٌ
تـمـتـدُّ مـن سِـتـارةِ الـلـيـلِ
إلـى
نـافـذةِ الـصّـبـاحْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت الـسـمـاءُ صـهـوةً
وسـرجُـهـا الـرّيـاحْ
*
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي
قـنـديـلْ
وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن الأهـلِ
صمـتٌ عـارمٌ
وصـرخـةٌ تـنـبـئُ عـن قـتـيـلْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت الـفـراشـاتُ عـلـى نـافـذتـي
تـنـسـجُ لـيْ مـن كـحـلـهـا
مـنـديـلْ
*
مِنْ المعلومِ أنَّ السَماويَ مثل الكثير – مِمَن سبقه وَمَا تلاه – ينتمي إلى جيلٍ جُبل عَلَى المعاناةِ وَالاضطهاد وَالحرمان، فمنذ أنْ فتحَ عينيه عَلَى هذه الدّنيا فِي أواخرِ أعوام العقد الرابع مِن القرنِ الماضي، وجد الشارع المحلي يلهج بتناصٍ معَ قولِ بدر شاكر السياب : ” مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ “،عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ أغلبَ دول العالم كانت يومذاك تضع مهمة مكافحة الفقر ضمن أهم أولوياتها؛ لأجلِ التخلص مِنْ تداعياته بطريقةٍ أو بأخرى. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ السَماويَ يحيى حين أطل عَلَى الحياةَ كان أبوه كما هو حال السواد الأعظم – فِي مدينتِه وَبقية مناطق جنوبي البلاد – يصارع الحياة وَتصارعه، فِي محاولةٍ للانتصارِ عليها؛ لأجلِ تحقيق أقصى مَاهو مشروع مِنْ ” طموحاته “، وَالمتمثل بإعالةِ أسرته وَلو بالكفافِ طالما يجعلها تعيش بأمانٍ وَكرامة، فلا عجب فِي أنْ يشكلَ الفقر والمؤلم مِنْ تداعياته أحد ” دعائم البناء الشعري ” الَّذِي قامت عَلَيه تجربته الإبداعية؛ بالنظرِ لتأثره ببيئةِ مدينته البائسة الَّتِي كان الفقر مخيماً عَلَى فضاءاتِها وَالشقاء يوشَّح لياليها، إلا أَنَّ تلك البيئة ” المهمشة حكومياً ” كانت تسودها معايير الفضيلة الناظمة لحركتِها، وَالَّتِي فِي القلبِ مِنها الطيبة وَالصدق وَالبساطة وَتكافل أهلها، بالإضافة إلى تميزِها بولادةِ القامات الثقافية فِي مجالاتِ الثقافة وَالفنون، فَلَمْ يكن الفقر عائقاً أمام امتطاء أبناء السَماوة صهوة الإبداع، فها هو ” السَماوي يحيى بن عباس ” الَّذِي يُعَدّ بوصفِه أحد أبرز شعراء العربية وَأكثرهم نتاجاً وإبداعاً، يخرج مِنْ تحت عباءة الفقر وَمحيطه الَّذِي لا يرحم إلى النجوميةِ والتألق الدائم.
*
أمـسِ ضُـحـىً
رأيْـتُ في بـحـيرةِ الـبـطِّ صَـبـيّـاً
يـرتدي سـحـابـةً ..
تـضـحَـكُ فـي مُـقـلـتِـهِ الـحـقـولْ

رأيْـتُ فـي ضـحـكـتـهِ
بـراءةَ الـقـانـتـةِ الـبـتـولْ

وفي بـيـاضِ الـبـطّ لـونَ قـلـبِـهـا ..
وكنتُ ما بينهما
سـفـيـنـةً تُـبـحـرُ في الـمـجـهـولْ

تـبـحـثُ عـن طـفـولـةٍ ضـائـعـةٍ ..
وعـن بـسـاتـيـنـي الـتـي
مـنـذ اغـتـرَبْـتُ
لـم يـزُرْهـا مـوكـبُ الـفـصـولْ
*
فِي قصيدته ” لـماذا تـأخـرتِ دهـراً عـلـيّـا ؟ ” مِنْ مجموعتِه الشعرية الموسومة ” لماذا تأخرت دهرا “، يركن السَماوي ببلاغته المعهودة وَهو يتحدث عَنْ زياراتِه إلى السَماوةِ فِي أحلامِ اليقظة إلى اعتمادِ اصطلاحٍ غير مألوف بقولِه :
” وأمـي ـ إذا جـعْـتُ ـ تـشـوي لـيَ الـمـاءَ “.
وَإذا كان ثمة مَا يدفعنا إلى التسليمِ بضرورةِ الوقوف عند العبارة المذكورة آنفاً قصد إدراك مَا تعنيه، فإنَّ الواقعَ يشير إلى نباهةِ السَماوي وتشبثه بتوظيفِ البلاغة فِي بناءِ منجزه الشعري؛ إذ أنَّه وظف هذا التعبيرٍ البلاغي ” شوي الماء ” فِي توصيفِ واقع الفقر الَّذِي نهش في حياةِ العراقيين بعلامةٍ فارقة، حيث أراد مِنه القول إنَّ أمه ( وكل الأمهات العراقيات الفقيرات ) كانت تحاول أنْ تبتكر الطريقة تلو الاخرى أو كما يشير إليها السَماوي يحيى بعبارةِ ” فتح قفل باب المستحيل “؛ لأجلِ طرد شبح الجوع عَنْ صغارِها. وَضمن هذا السياق يروي السَماوي إحدى الحكايات الَّتِي قد يصعب عَلى الأجيالِ الحالية تصديقها، وَالَّتِي يقول فِيها : إنَّ امه – رحمها الله – طبخت لهم ذات يوم ماءً وَكركماً وَبصلاً، فأكل ألذ ” مثرودة ” في حياته.
عَلَى الرغمِ مِنْ أني لا اكتم خشيتي مِنْ احتمال سؤال أحدهم عَنْ معنى ” المثرودة ” أو ” الكركم “، فثمة واقع وَحقيقة ينبغي إدراكها وهي أَنَّ الباري عز وَجل لا ينسى عياله؛ إذ أثبت العلم الحديث أَنَّ فوائدَ ” الكركم ” عظيمة فِي مواجهةِ عدد كبير مِن الأمراضِ وَالوقاية مِنْها. يضافُ إلى ذلك أَنَّ مفعولَه فِي محاربةِ السرطان يُعَدّ مِنْ أهمِ مميزاته الرائعة، حيث أشارت بعض الدراسات إلى قدرتِه عَلَى منعِ نُمو الأورام بفضلِ عمله بشكلٍ مباشر عَلَى الأنزيماتِ والجينات، مَا يفضي إلى منعِ انتشار خطوط الخلية السرطانية. وَبالاستنادِ إلى أشهرِ علماء الأورام المشهورين، فإنَّ ملعقةً صغيرة مِن الكركمِ يومياً، ستكون كافية لتوفيرِ الحماية ضد السرطان.

*
كاللصّ : في حذرٍ أطلُّ عليكِ من ثقبٍ بذاكرتي
وأدخل خلسة من شرطة الطرقات بيت أبي
وقد أدعو صديقا للعشاءِ: حساء دخنٍ دونما لحمٍ..
وشيء من سقيط التمرٍ..
خبزٌ ” طابكٌ ” زادته أمي بالدعاء العذبِ عافيةً..
ومثل اللصّ : أخرجُ قبل صوت الديكِ خشيةَ شرطة الطرقاتِ
يانخل السماوة كيف حال القبّرات ؟
أما يزال هديلها كالأمس ؟

أمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ سارقَ الطفولةِ أو مغتصبِها – مُستبِدَاً كان أو مُفسِدَا، أباً كان أو حاكما، متعلماً كان أو جاهلا، صديقاً كان أو عدوا – اعتاد عَلَى التلذذِ بجعلِ البؤس يتشرب فِي نفوسِ النشء الجديد مِنْ دُونِ أنْ يرفَ لهُ جفن، فالأطفال بحسبِ يحيى السَماوي : ” أكثرُ مروءةً وَإنسانيةً وَعزّة نفس وَقناعة وَطهراً وَحتى شرفاً مِنْ بعضِ الكهول الذين أكلوا ومازالوا يأكلون آباءنا وأمهاتنا “. وَضمن هذا المعنى يؤكد السَماوي معنى َإنسانية الطفولة بقوله : ” لازلت أتذكّر أنَّ الطيبَ أبي رحمه الله، اشترى لي قطعة شكولاتة عَلَى شكلِ حمامة، فلم أأكلها خوف أنْ أخسر الحمامة “.

*
صُـبِّـيـنـي فـي كـأسِـكِ لأشـربَـكِ قُـبـلـةً قُـبـلـة ..
لا تـخـافـي مـن جـنـونـي
فـالـطـفـلُ الـجـائـعُ لا يـأكـلُ دُمـيَـتـه !

*
خُـذيـنـي صـاريـةً لِـشِـراعِـك ..
ومِـرْوَداً لِـمـكـحـلـتِـك ..
ومِـحـراثـاً لِـتـنُّـورك …

أو :
كـونـي حـقـلاً لِـبـذوري
وورقَـةً لـقـلـمـي
وقـوسـاً لِـسـهـمـي
فـإنّ حـاءَ حـقـلـي سـيـبـقـى بـلا مـعـنـى
بـدون بـاءِ بـئـرك !

*
لا عجب مِنْ تفننِ الطغاة وَالمستبدين – الذين انغمسوا فِي شهوةِ السلطة وَجنون العظمة – بأساليبِ الإذلال، فضلاً عَنْ زيادةِ إيغالِهم فِي إيقاعِ الأذى بجموعِ الفقراء عَلَى مرأى وَمسمع القائمين عَلَى المَنظماتِ والمؤسسات الأممية الَّتِي صدعت رؤوس الناس – الَّذين لا حول وَلا قوة لهم – بشعاراتٍ براقة مثل العدالة الاجتماعية وَالحقوق المكفولة وَغيرهما؛ إذ لطالما سعى الطغاة إلى إخضاعِ السواد الأعظم مِن المُجْتَمَع للسيطرةِ الكاملة مِنْ دُونِ معارضة، وَهو الأمر الَّذِي يملي عليهم وجوب المضي بعامةِ الناس إلى حدِ التأرجح فِي الحياةِ ذات اليمين وَذات اليسار حتى بلوغ مَا يشابه ” النقلة الجينية ” الَّتِي مِنْ شأنِها ترويض العامة عَلَى التكيفِ مَعَ الفقرِ وَالخنوع، فضلاً عَنْ الحرصِ عَلَى استبعادِ محاولة التفكير بالخروجِ مِنْ جلبابِهما فِي ظلِ جعل واقع الحال يستبطن مَا يفضي مِن المحركاتِ إلى استبدالِ مشاعر اليأس وَالإحباط بمشاعرِ البهجة.
*
هم يقتلونَ النخلَ !
إنَّ النخلَ مُتـَّـهَمٌ بـِرَفـضِ الإنحناءِ
وبالتشـبُّـثِ بالجذورِ ..
وباخضرارِ الـسَّـعْـفِ ..
مُـتـَّـهَمٌ بإيـواءِ العصافيرِ التي
لا تـُحْـسِـنُ اسـتـقبالَ :
أعداءِ الطفولـَةِ ..
والطواغيتِ الكبارْ ..

والنخلُ مُـتـَّهمٌ
بتـألـيبِ المياهِ على الطحالبِ
في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ
الكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ
ولنا عَـنـادُ المستحيلِ بوجهِ جلجلةِ التخاذلْ
ماذا يريدُ المُـتخـَمونَ من الجياعِ ؟
فلم يـعُـدْ في الحقلِ
ما يـُغـري المناجلَ بالحصادِ
النخلُ معنيٌّ بـِـرَدِّ الإعتـبـارِ إلى السَّـنابلْ
أمْ أنَّ حَـرْثـاً بالقنابلْ ..
سيُقيمُ بُسـتاناً جديداً
للثكالى والأراملْ ؟ٌ
لابدَّ للنخلِ المُـحاصَرِ بالفجيعةِ
أنْ يقاتلْ
ذوداً عن العشبِ المُـخـَـضَّـبِ بالدماءِ
وعن أراجيحِ الطفولـةِ
والبلابلْ
*
يُمكنُ الجزم بأنَّ موتَ ” الحب ” بمعناه الإنساني النبيل فِي قلوبِ ولاة الأمر، يُعَدّ الباعث الحقيقي لتسلطِهم عَلَى الشعوب، وَالإيغال فِي دروبِ الظلمِ وَالاستبداد وَالوحشية وَغيرها مِنْ أشكالِ التعسف الَّتِي تمارسها الكثير مِن الأنظمةِ الاستعبادية، فلا غرابة فِي أنْ تكون صرخات الفقراء وَآهاتهم مثاراً لضحكِ الطغاة بنشوةٍ وَجنون. وَليسَ خافياً أنَّ الشعورَ بتشبعِ نفوس الراغبين فِي التسلطِ عَلَى رقابِ الناس بصفاتِ البغضاء وَالحقد وغيرهما مِن المساوئ، وجدت لها مستقراً فِي الكثيرِ مِنْ الإنجازاتِ الإبداعية للأدباءِ وَالكتاب وَالمفكرين؛ إذ طالما شغلت المبدعين الَّذين عمدوا لاتخاذها رموزاً مِنْ أجلِ التعبير عَنْ المعاني الَّتِي يريدون الخوض فِيها عَلِى طولِ التأريخ الإنساني، وَلَعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الموروثات فِي هَذَا الإطار مقولة الشاعر وَالكاتب وَالناقد الأدبي وَالمترجم وَالفيلسوف فرناندو بيسوا ( 1888 – 1935 ) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أهمِ الشخصيات الأدبية فِي القرنِ العشرين، فضلاً عَنْ كونِه أحد أعظم شعراء اللغة البرتغالية، وَالَّتِي يقول فِيها : ” نعذّبُ أخوتنا من البشرِ ببغضنا، بحقدنا، بخبثنا، ثمَّ نقولُ بعدَ ذلك: العالمُ سيّئ ! “.

*
الـثـيـابُ الـقـصـيـرةُ
قـد تـخـفـي تـحـتـهـا سـواطـيـرَ طـويـلـة

قـد لا تـكـونُ الـدمـوعُ
دلـيـلَ تـهـجُّـدٍ
وإثـبـاتِ بـراءة ..

فـأخـوة يـوسـفَ
جـاؤوا أبـاهم مُـنـتـحـبـيـنَ
وعـيـونـهـم
تـزخُّ دمـوعـا
*
لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ الأيمانَ بحريةِ الإنسان وَالتيقن مِنْ حتميةِ الدفاع عَنْ قضاياه تُعَدّ بوصفِها العوامل الرئيسة الَّتِي دفعت طبيباً فِي ريعانِ الشباب مثل ” تشي جيفارا ” الَّذِي يُعَدُّ مِنْ ألمعِ قادة أميركا اللاتينية الثوريين، وجعلته يهجر سُبُل العَيْش الرغيد وَالهني فِي أوساطِ بحبوحة السلطة وَالنفوذ؛ إذ لَمْ تجذبه رفاهية الحياة وَأضواؤها، وَلَمْ تستهوه مخملية فضاءات وزارة الصِناعة الكوبية والبنك الوطني اللذين جعلاه القيصر ” الافتراضي ” للاقتصاد الكوبي، فكان أنْ انغمسَ بحركةِ المقاومة فِي الكونغو ثم أحراشِ بوليفيا؛ إذ امتازت حياته بطابعِ النضال وَالكفاح المرير وَالانحياز إلى الفقراءِ وَالمعدمين وَالكادحين فِي تلك القارة، مَعَ العرضِ أَنَّه ينحدر مِنْ أبوين يعودان إلى أصولٍ إيرلنديّة وَإسبانية وَمولود فِي الارجنتين. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ المواقفَ الخالدة الَّتِي دافع بها جيفارا وغيره مِنْ المناضلين – سياسيين وكتاب وفنانين ومثقفين ومفكرين وغيرهم – عَنْ نبلِ القيم الإنسانية، تعبر فِي واقعِها الموضوعي عَنْ فضائلَ وَمكرماتٍ وَأعمال بطولية تركت علامات كبرى فِي التاريخِ الإنساني بوصفِها بصمة خالدة فِي مسارِ الدفاع عَنْ الشعوبِ المقهورة فِي ما تباين مِنْ أرجاءِ المعمورة، مَعَ العرضِ أَنَّ عجلةَ الاستبداد والتسلط مَا تَزال تعمل وَدائـرتـهـا أخـذةٌ فِي الاتساعِ بوحشية، ما يعني إلزام مَنْ يتصدى للطغاةِ استحضارَ المحبة الإنسانية وَمَا يتمحور حولها مِنْ قيمٍ نبيلة، بوصفِها أساس المواجهة. ويحضرني فِي هَذَا الإطار بوحٌ رائعٌ للشاعرِ التركي ناظم حكمت ( 1902 – 1963 ) الَّذِي وِلد فِي كنفِ أسرةٍ ثرية وَمتنفذة، إلا إنَّه عارض الإقطاعية التركية، وَأصبح شاعر البسطاء وَالمعوزين وَأصحاب المهن البسيطة، وَالَّذِي تأثر بشعرِه الكثير مِن الشعراءِ العراقيين مثل عبد الوهاب البياتي وَبلند الحيدري، حيث يقول حكمت :
يا طفلتي يا ذات العيون الذهبية
كنت سأشتري لك البنفسج هذا الصباح
لكن الرفاق كانوا جياعا
فاشتريت لهم خبزا
وكتبت لك قصيدة حبّ.
لا يخفى على كُلِّ متابعٍ إنْ كان سياسياً أو اقتصادياً وحتى الإنْسَان العادي، أنَّ سياسةَ الحكومات المتعاقبة فِي العراق، لَمْ تكن جديرة بضمانِ العيش الكفاف للفقراءِ والمعوزين، فالمستقبل الذي يصبو إليه الكادحون ظل حلماً يراودهم، فلا أمل يرتجى بالعيش فِي عالمٍ مِن الحريةِ الحقيقية وَالسعادة وَالرفاه. وَأَدْهَى مِنْ ذلك الحضور الفاعل داخل النفس البَشَريَّة لهاجسِ الاغتراب فِي الوطن، فقمة الاغتراب أن يكون الإنْسَان غريبا فِي دياره وَمَا بَيْنَ أهله وأبناء جلدته، إلا أَنَّ تلك الشرائح الاجْتِماعِيَّة – وإن ارخى عليها ليل الفقر سدوله – لَمْ يفضِ بهما الفقر المدقع والعوز المؤرق إلى الخنوع، وَلا الذل عرف طريقاً لإكساءِ وجوه أهلها، وَلَمْ تتلاشَ جذوة الأمل ببزوغِ فجرٍ جديد فِي نفوسِ هؤلاء الَّذين لا يملكون شيئا مِنْ حطامِ الدنيا سوى الحب وَالتكافل وَالطيبة، فحالة العوز الَّتِي كانت تخيم عَلَى أيامِهم وَلياليها لَمْ يكن بمقدورِها إيقاف الحياة بالنسبةِ لأباةٍ الضيم، وإنما تجلت بأنبلِ صور الرفض وَالتحدي، فكانت المواجهة لسدنةِ الاستبداد الَّذين ظلّت نفوسِهم سجينة مغامراتها بفعلِ تيقنهم مِنْ أَنَّ لا رادع يردعهم وَلا خشية مِنْ عقوبةٍ قد تطالهم.
*
مـن حُـسْـنِ حـظـي
أنـنـي أبـدلـتُ :
بـالـوطـنِ الـمـديـنـةَ ..
بـالـمـديـنـةِ مـنـزلاً ..
بـالـمـنـزلِ الـطـيـنـيِّ ركـنـاً مـن بـقـايـا حُـجـرةٍ ..
بـالـحـجـرةِ الـشـبّـاكَ
أفـتـحُـهُ عـلـى نـهـرٍ بـلا مـاءٍ
وبـسـتـانٍ بـلا شـجـرٍ
وفـاخـتـةٍ تـفـتـشُ فـي الـفـضـاءِ عـن الـفـضـاءْ

مـن حـسـنِ حـظـي
أنـنـي هـيّأتُ :
حـقـلـي لـلـخـريـفِ ..
ولـلـحـريـقِ الـسّـنـديـانـةَ ..
والـحـديـقـةَ لِـلـيـبـابِ..
ولـلـفِـراقِ الأصـدقـاءْ

مـن حـسـنِ حـظِ الـعـشـقِ
أنَّ نـخـيـلَ دجـلـةَ
لايُـجـيـدُ الإنـحـنـاءَ
ولا يـمـدُّ ظِـلالـهُ لـلـمـارقـيـنَ..
وأنّ بـاديـةَ الـسـمـاوةِ لا تُبـادِلُ بالـرّمـالِ
الـتـبـرَ والـيـاقـوتَ ..
والمعـصـومـةَ الأعـذاقِ تـنـسـجُ سـعـفـهـا كـوخـاً..
تُـبـايـعـنـي أمـيـراً فـي بـلاطِ الـوردِ ..
عـرشـي قـلـبُـهـا
والـصّـولـجـانُ الـكـبـريـاءْ
وإذن ؟
سـأطـبـقُ مـقـلـتيَّ عـلـى غـدٍ عـذبٍ
أرى وطـنـاً بـلا قـهـرٍ
ومـئـذنـةً تُـكـبّـرُ لـلـهـوى
فـيـؤمّ بـالـعـشـاقِ طـفـلٌ مُـشـمِـسُ الـعـيـنـيـنِ
يـلـبـسُ بـردةً خـضـراءَ مـن عـشـبٍ ومـاءْ
*

بدأ السَماوي يحيى محاولةِ الانتماء إلى اتحادِ الطلبة ولمّا يَزَلْ فِي مرحلة الصبا، حيث دفعته روحه الوثابة المليئة بالحسِ الوطني منذ أنْ كان طالباً فِي الصفِ الأول المتوسط إلى تلك المحاولة الَّتِي قد يرى فِيها البعض مغامرة؛ نتيجة تأثره بزوجِ شقيقته التي تصغره بعام واحد الَّذِي كان منتمياً إلى الحزبِ الشيوعي العراقي حينئذ، إلا أَنَّ صغرَ سنه أخّرَ تحقيق مرامه إلى بداياتِ مرحلة الدراسة الثانوية الَّتِي تشرف فِيها بعضويةِ الحزب الَّذِي يشير إليه باسْمِ ” أحفاد عروة بن الورد “. وَقد كان لاتحادِ الطلبة الأثر الفاعل فِي تحولِه مِما توجبه مرحلة المراهقة مِنْ إفرازاتها، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها صدور مجموعته الشعرية الأولى ” عيناك دنيا “، حيث انتقل المراهق إلى مرحلةِ الفتى المنشغل بهمومِ الإنسان ويبدأ شبابه الشعري فِي ديوانه الثاني الموسوم ” قصائد في زمن السبي والبكاء “، مَعَ العرض أنَّ تلك الفترة تركتْ فِي نفسه ذكريات لم ينسَها. وَتنامي هذا الحس الوطني فِي مرحلةِ دراسته الجامعية الَّتِي عمل خلالها ” مجاناً ” فِي صحيفةِ ” طريق الشعب “. وَضمن هذا الإطار لا ينسَى السَماوي تأثره بأساتذته الذين أسهموا فِي صنعِ الوجدان الوطني لطلابِهم أمثال الأساتذة عزيز الحاج علي عيسى الجبلاوي وحسين علي الغرة وزوج شقيقته الشهيد إبراهيم الحساني “ابو نوفل”، فضلاً عَنْ بقيةِ رموز الحركة الوطنية فِي مدينةِ الفقراء وَالكادحين ” السَماوة “.
*
لابـدَّ أنـكِ تـسـألـيـن الان
عـن أسـبـابِ إيـقـادي الـفـتـيـلْ

فـي ورد أحـلامـي ..
وعـن سـرِّ انـطـفـاءِ العـشـبِ
فـي مـقـلـي ..
وعـن سـبـبِ الـرّحـيـلْ

أمضـيـتُ عـمـري واهِـمـاً..ً
حـيـنـاً أرى ـ فـي الـحـلـمِ ـ بـاديـة السـمـاوةِ
واحـةً ..
والـنـخـلَ ـ وهـو مـآذنـي الـخـضـراءُ ـ
يـرفـلُ بـالـهـديـلْ

وأرى ” أبا عـوفٍ ” و ” عـمّـارَ بن يـاسِـرَ ”
يـثـردانِ الـخـبـزَ فـي صـحـنٍ
ويـقـتـسـمـانِ مـا فـي الـكـوزِ مـن دمـع الـسـمـاءِ ..
وآلَ دجـلـةَ يـسـمـرون عـلـى الـضـفـافِ ..
أرى الـخـلـيـلـةَ والـخـلـيـلْ

يـتـنـاغـيـانِ ..
أرى بـيـوتَ الـطـيـنِ ضـاحـكـةً ..
أرى الـعـشـاقَ
يـفـتـرشـون سـاحـاتِ الـمـدائـنِ فـي الأصـيـلْ

حـتـى أفـقـتُ عـلـى :
الـمُـلـثّـمِ ..
والـفـقـيـهِ الـزُّورِ ..
والـسـيّـافِ ..
والـحـامـي الـدخـيـلْ

فـإذا بـيـومـي يـلــطـمُ الـشـمـسـيـن مـن جـزعٍ
عـلـى غـديَ الـقـتـيـلْ
*
يمكن الجزم بأنَّ السَماويَ يحيى، شاعر متوهج الموهبة، أفضى بتميزِ عطائه الشعري إلى المُسَاهَمَةِ فِي إثراءِ الأدب العربي بمنجزٍ أدبي مائز، أصبح يشكل – بتماسه مَعَ معاناةِ الفقراء وَهموم الوطن وَالإنسان – وَجدان أجيال، فالمثقف كما قيل: ” ينبغي أنْ يكون صاحب رؤية وموقف، متجاوزا دائماً لواقعِه، متصادما مَعَ ثوابتِ مجتمعه وَالسلطة القائمة “. وَقد حظيت تجربة يحيى السَماوي الشعرية باهتمامٍ متزايد مِنْ قبلِ النقّاد العراقيين وَالعرب، فضلاً عَنْ الشعراءِ وَالأدباء وَالقراء، فالباحث وَالناقد العراقي صباح محسن كاظم يشير إلى تجربةِ السَماوي يحيى بقوله : ” السماوي تجربة إنسانية ثرة .. من جنوب القلب سماوة النخيل والسمار وضفاف الفرات…الشاعر والاستاذ والمكافح والسجين والشريد اكتوى بها القلب الكبير…مخاضات ..من سجن الوطن الى سجن رفحاء الى الغربة الضبابية…جعلته يبحث عن الخلاص ..عن السلام…عن الحب “. وَضمن هَذَا المعنى يقول الناقد العراقي جمعة عبد الله : ” إن اسلوبية السماوي في خلق المخيلة الشعرية الملهمة, في الصياغة والتكوين والبناء, لها منهجية وخصوصية يتميز بها السماوي في الاسلوبية الشعرية التي ينتهجها وبرع بها بتألق جمالي كبير, تتمثل في التركيز على خلق الصورة الشعرية المتكاملة بحيث يجعلها ناطقة بالصوت والصورة , في مشاعرها المتدفقة, برز في البنية المعمارية في خلق الصورة المتكاملة, شعرياً ولغوياً دون اطناب في السرد الشعري, وانما خلق محصلة الصورة الكلية المشهدية التي تتكون بالاختزال والتكثيف, وفي هندسة شعرية معمارية متألقة “.كذلك ينحى الشاعر العراقي عبد الكريم محمد الحسون بالمسارِ ذاته حين يقول : ” تحية اجلال وتقدير لشاعرنا الكبير المعطاء السماوي الذي ألبس الشعر ثوب العافية بنصوصه المتميزة واشعاره المخضلة بندى ازاهير الحب والحنان والحبلى ببشارة الامل الذي سيلقي ظلاله على ربوع ارواحنا التي أمحلتها سنين القهر “.
وَعَلَى ذكرِ ” الأرواح الَّتِي أمحلتها سنين القهر “َ، لا مناص مِن الاعترافِ بصبرِ السَماوي وَتمسكه بالأمل فِي انجلاءِ غيوم الظلام وبزوغ فجر جديد وَإنْ تأخر، فهو الَّذِي كتب ذات يوم إلى صديقه الشاعر كريم الثوري – وَرُبَّما كان يمازحه – بقولِه : ” بعض التأخر جميل أيها الحبيب … من أمثلة ذلك : تأخرنا في الوصولِ إلى المقاعدِ الأمامية في سياراتِ النقل العام، فنجلس في المقاعدِ الخلفية، لنكتشف أنَّها الأجمل والأبهى؛ لأنَّ جلاسَ المقاعد الأمامية لا يرون غير زجاج الواجهة، أما الجالسون في الخلفِ فإنهم يرون جميع الركاب ”

*
لن يكون بعيداً اليوم الذي ينتقم فيه :
الجرحُ من السكينِ…
الدموع من دخان الحرائق …
الشجرةُ من الفأسِ …
الأقدام الحافيةُ من الأشواك ..
القيودُ من صانعيها ..
الأوطان من السماسرة …
وظباء يقيننا
من ذئاب الظنون !
لن يكون بعيداً اليومُ الذي يتآلفُ فيه :
الخبزُ مع الجياع …
العشب مع الصحارى …
الذئبُ مع الشاة …
الوسنُ مع الأجفان المسهدة …
هذا ما قرأته في كتاب عشقي
المكتوب على فمي
برحيق رضابك !
*
يشير الأديب العراقي حسين السوداني إلى شاعريةِ يحيى السَماوي بقوله : ” أنت لست من سلالة بني ادم بل من سلالة الجن الذين اختطفوا يوماً – خرافة – أنت من عصابة العفاريت لغة, بلاغة وصوراً جمالية شعرية عذبة. قرأت كثيراً باللغة التشيكية لشاعر الرومانسية والجمال – يسينين – الشاعر الروسي العظيم فتوصلت الى قناعة تامة بان شيطان الشعر وليس ملاكه هو الذي يزق الشعر زقاً بقلبك كما كان يفعل مع – سيرجي يسينين – . رومانسيتك السحرية قريبة جداً من رومانسيته إلا أنه شاعر الريف وأنت شاعر المدينة. هنيئاً لك ولنا نحن قراء شعرك هذه الشاعرية الرهيفة “. وَفِي شهرِ نيسان مِنْ عامِ 2009م وصلته رسالة مِن الدكتور يحيى معروف – إيراني الجنسية – يقول فِيها : ” أخي العزيز الأستاذ يحيى السماوي المحترم .. انه من دواعي فخري وسروري ان اعلن إلى سيادتكم باني اعمل استاذا مشاركا بجامعة رازي في كرمنشاه بإيران – كلية الآداب والعلوم الانسانية قسم اللغة العربية – ولنا اطروحات مختلفة عن شعراء العرب الكبار، والآن افتخر أن اقترح لطلابي باختيار موضوع اطروحتهم حول سيادتكم كشاعر مجيد ورومنسي فذ، ولذلك أتمنى من حضرتكم أن ترسلوا لنا دواوينكم الشعرية عن طريق البريد الإلكتروني للوقوف على قصائدكم القيمة …. أخوكم الدكتور يحيى معروف “.
*
الخبز يشكو الجوع
والينبوع يستجدي السراب
وتشحذ الشمس الضياء من الفوانيس الكفيفة
ما الجديد إذن
إذا جحدت مغنيها الربابة
والنديمة صَيْرَتْ من شعرها
حبلاً لمشنقة.. ومن شباكها لهزار قلبك
مقصلةْ ؟
*

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.