ماذا يقول الاسلام عن التعذيب وما رأي الفقه فيه

لا تأتي أخبار التعذيب الذي يتعرّض له مواطنون في سجون الدول العربية ومراكز أجهزتها الأمنية، أو في أقبية الجماعات المسلحة التي تلعب دور سلطة الأمر الواقع في دول عدّة، فرادى، بل تأتي بالجملة، ولعلّ ما نعرفه أقل بكثير مما نجهله.الملف مفتوح إذن، وكل يوم تلتهم آلة التعذيب المزيد من الضحايا في كل الدول العربية، ولا يمكن استثناء أيّة دولة منها من انتهاج هذا الأسلوب الذي تصفه الأمم المتحدة بأنه “يسعى إلى تدمير شخصية الضحية وينكر الكرامة المتأصلة في الإنسان”.تستمر هذه الممارسة مستفيدة من الضعف المقصود في آليات حماية المواطنين القانونية، والذي يسمح للمعذِّبين بالإفلات من العقاب، ومستفيدة من اهتمام المجتمع الدولي بالمصالح على حساب حقوق الإنسان. “نستطيع القيام بأي شيء، أن نغتصبك، ولا الأمم المتحدة ولا غيرها ستنقذك منا، ولدينا ضوء أخضر من (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب بأن نفعل بك ما نريده”، قال المعذِّبون للناشطة البحرينية ابتسام الصائغ.والمصيبة أن الشعوب العربية تشهد انقسامات اجتماعية حادة حول هذه الممارسة، إلى حدٍّ بات يمكننا معه القول إنها ليست ضد التعذيب، فمعظم الناس يؤيدون علناً أو في سريرتهم تعذيب خصومهم السياسيين. وهذه كارثة.في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، وفي كل يوم، من الضروري التذكير بأن التعذيب جريمة قائمة بذاتها، لا تغيّر من وصفه هويات المعذِّبين والمعذَّبين أو انتماءاتهم السياسية أو القومية أو الإثنية أو الدينية أو الطائفية.ومن الضروري التذكير بأنك إذا أسقطت الصفة الإنسانية عن خصمك وشجعت على استباحته مادياً ومعنوياً، فأنت تبرر له إسقاط الصفة الإنسانية عنك وتشجيعه على استباحتك بحال تغيّرت موازين القوة.
من الأمريكيين وغوانتامو إلى داعش والموصل والرقة، من عيّنة عربية تشمل اليمن، سوريا، العراق، تونس، والبحرين، وتصل إلى الفلسطينيين في إسرائيل، يجمع هذا الملف قصص أشخاص تعرّضوا للتعذيب، وربما علينا أن نتخيّل أن ما حدث معهم حدث معنا نحن، لكي نشعر بفداحة ما يجري.

طقوس التعذيب، أخذت في الكثير من الأحيان، الشكل المشروع المقدّس، وذلك جرّاء ارتباطها بالمنظومة الدينيّة القائمة في دولةٍ ما أو مجتمعٍ بعينه، ومن هنا ظهر التساؤل حول حدود العنف المقدّس، وضوابطه ومحدّداته.
التعذيب في العالم القديم:حضارات الشرق الأدنى القديم، وخصوصاً تلك التي ظهرت في مصر وفينيقيا وبابل وأشور وبلاد فارس، مارس حكّامها صيغاً متعدّدةً من التعذيب البدني ضدّ أعدائهم، وعملوا على شَرْعَنَة ذلك العنف من خلال ربطه ببعض القيم المجتمعيّة أو الأيديولوجيّات السائدة.
على سبيل المثال يحدّثنا سِفْر الخروج في العهد القديم، ومجموعة من سور القرآن الكريم عن أنواع الاضطهادات البشعة التي مارسها فرعون مصر، بموجب كونه إلهاً أو شبه إله، ضدّ بني إسرائيل، وهي تلك الاضطهادات التي مثّلت الإرهاص المبكّر لخروج اليهود من مصر بعد ذلك، على يد النبي موسى.
أيضا ورد في سِفْر الملوك الثاني، الحديث عن وحشيّة نبوخذ نصر ملك بابل وتعذيبه لأعدائه من بني إسرائيل بعدما نجح في اجتياح مملكتهم، وإخضاع ملكهم صدقيا:
“فَأَخَذُوا الْمَلِكَ وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَلِكِ بَابِلَ إِلَى رَبْلَةَ وَكَلَّمُوهُ بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَقَتَلُوا بَنِي صِدْقِيَّا أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَقَلَعُوا عَيْنَيْ صِدْقِيَّا وَقَيَّدُوهُ بِسِلْسِلَتَيْنِ مِنْ نُحَاسٍ، وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بَابِل”.
تلك الممارسات البشعة كانت تتكرّر بشكلٍ اعتيادي في منطقة الشرق الأدنى، حيث تردّدت أصداؤها في كلّ مكان، خصوصاً وأن إظهار القوّة والبطش كانا السبيل الأكثر فاعليّةً وتأثيراً في إثبات هيمنة القوى الحاكمة، ومن هنا فلم يكن من الغريب أن تحدّثنا المصادر التاريخيّة عن الكثير من الفظائع التي مارسها الأشوريّون والفرس على وجه التحديد، والتي تنوّعت ما بين الإحراق بالنار، أو صب النحاس المصهور على رؤوس المعذَّبين، أو قطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وجدع الأنوف.
على الجهة المقابلة من شطآن البحر المتوسط، كانت الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة مختلفة في بلاد اليونان، حيث نجد حالات ممارسة التعذيب البدني كانت أقلّ بكثيرٍ من مثيلاتها المعروفة في بلدان الشرق الأدنى، ولكن المصادر ذكرت عدداً من حالات التعذيب، أشهرها ما يذكره براين إينز في كتابه “تاريخ التعذيب”، عندما فشلت الثورة على الطاغية نيارخوس، وتمّ القبض على الفيلسوف زينون إيليا، والذي كان مشاركاً في تلك الثورة، ووُضع تحت ضغط التعذيب الشديد، في محاولة للتحصّل على معلوماتٍ عن شركائه، ولكنه رفض ذلك، ولما اقترب من نيارخوس، قبض على أذنه وقطعها بأسنانه.
في التاريخ الروماني، تواتر ظهور ممارسات التعذيب، خصوصاً بعد التحوّل الكامل للنظام الإمبراطوري في الحكم، واستئثار الإمبراطور بالسلطة بشكل شبه مطلق، حيث توسّع الرومان في صلب أعدائهم، وكان الصليب في البداية عبارةً عن خازوقٍ يثبّت عليه المتهم حتى يموت من الجوع والعطش والإجهاد، ثم تطوّر شكله لتضاف إليه خشبة عرضيّة تثبّت عليها يدي الضحية، بواسطة الدقّ بالمسامير.
الكثير من أباطرة الرومان، اشتهروا بميلهم لتعذيب أعدائهم، من هؤلاء الإمبراطور تيبيريوس الذي عُرف بتعذيبه لضحاياه من خلال إجبارهم على شرب كمياتٍ كبيرةٍ من النبيذ، ثم ربطهم ببعضهم البعض بالحبال، بحيث يتمّ الضغط على مثاناتهم، فيتوجّعون ويشعرون بالألم، أما ابنه كاليغولا، فقد عذّب ضحاياه بنشرهم بالمناشير، وبتقديمهم للحيوانات المفترسة في ساحات مباريات الألعاب القتاليّة، أيضاً اشتهر الإمبراطور دقلديانوس بأساليبه وأدواته الغريبة التي استخدمها في سبيل تعذيب المسيحييّن في شتّى أنحاء دولته، للدرجة التي وصف معها عصره في الأدبيات المسيحيّة باسم عصر الشهداء.

أشهر وسائل التعذيب في السجون العربية
لطالما قيل إن في الدول الديكتاتورية، ومن بينها بعض الدول العربية، توجد تحت المدن الأصلية، غرف سريّة يرسل إليها المواطنون، ليس ذوو التهم الجنائية، بل التهم السياسية. سوء السمعة، الذي تتصف بها بعض السجون والمعتقلات العربية ينبع من وسائل التعذيب التي لا تخالف كل الأعراف والقوانين المحلية والدولية فحسب، بل تتخطى حدود الخيال في الإذلال الذي تتضمنه. رصيف22 يقدم لمحة عمّا يمكن أن تواجهوه إذا زرتم أحد السراديب السرية.
الكرسي الألماني
يعدّ من أشهر وسائل التعذيب في السجون، ويقال إنه مستمد من السجون النازية كما تعود جذوره إلى العصور الوسطى لكن بصورة أقل تطوراً. يُحكم وثاق المعتقل على الكرسي من ناحية القدمين واليدين. ظهر الكرسي المتحرك يسمح بتمديد جسد المعتقل بالطول ثم يتم ثنيه بالعكس حتى تتكسر فقرات ظهره شيئاً فشيئاً. قد يسبب ذلك الشلل والإعاقة الدائمة.
بساط الريح
هناك صورة شعرية في اسم وسيلة التعذيب هذه، فبساط الريح يتجاوز قوانين الفيزياء، وفيه استعادة لأساطير القدماء وقصص سندباد. لكن في المعتقل، لبساط الريح دلالات أخرى، إذ يربط المعتقل على قطعة من الخشب إما مربعة أو لها شكل الجسم البشري، فيبدو كأنه يحلّق وتنهال عليه أساليب التعذيب المختلفة. يمكن طوي البساط بحيث يلامس رأس المعتقل قدميه. يرجح أن يكون هذ الأسلوب مشتقاً من الصلب الذي تعود جذوره إلى ما قبل الميلاد.
الدولاب
يعود هذا الأسلوب إلى العصور الوسطى وما زال مستمراً إلى الآن، إلا أن شكله المعاصر اختلف. هناك أساليب مختلفة لاستخدام هذه الوسيلة: عبر ربط يدي وقدمي المعتقل بالدولاب، سواء من جهة البطن أو جهة الظهر، ثم تعذيبه؛ أو عبر وضع المعتقل داخل الدولاب بحيث تلامس يداه قدميه وتمارس عمليات التعذيب المختلفة عليه.
كان قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصليّة بلاده في اسطنبول صادماً بسبب فعل الارتكاب نفسه، لكن مشهديّة تقطيعه والحديث عن مدة عمليّة التقطيع (7 دقائق و15 دقيقة)، ثم رمزيّة أداة التقطيع (المنشار) تزامناً مع العنصر الموسيقي الذي وُجد خلال التنفيذ (لـ”تهدئة الأعصاب”)، أعطى الجريمة بُعداً سينمائياً حيث يتفنّن المجرمون بقتل ضحاياهم في غرف توحي ببرودة مرعبة.
ولأن من يمارس التعذيب أو القتل بطريقة وحشيّة ينبغي، وفق الصورة النمطية، أن يكون سادياً وغريب الأطوار، بات من السهل حشر كل من يقوم بفعل مماثل، وفي حالة خاشقجي حُكي عن مدير الطب الشرعي في الأمن العام السعودي صلاح الطبيقي، في خانة الاضطراب النفسي والانحراف. هذه الخانة تجعل هؤلاء مختلفين حُكماً عن الأناس الطبيعيين الذين يتساءلون في أحيان كثيرة بدهشة: كيف طاوعه قلبه أن يفعل كذا وكذا؟ كيف كان يقتل فلاناً وهو يغنّي مثلاً؟ معلّقين بترفّع “الأكيد أنه ليس طبيعياً”. من هو هذا الإنسان الذي يمكن أن يكون بهذه الوحشيّة في تعامله مع إنسان آخر؟ هل هو ساديّ أو منحرف جنسياً؟ هل مرّ بطفولة صعبة جرّاء تنشئة مستبدة أو إيذاء جسدي من والديه؟ هل هو مضطرب ذو شخصيّة عصبيّة تحمل خصائص وراثيّة؟
أبعد من مرضى ومتوحشين
قد يكون أكثر راحة الاعتقاد بأن من يقومون بأفعال مروّعة مختلفون عنا. “نحن”، بعد كل شيء، أشخاص صالحون ولا يمكن أن نمارس التعذيب، فمن يقوم بهذا الفعل هم “الآخرون” الذين إما مرضى أو متوحشون، ولكن العودة للتجارب العلميّة والوقائع العمليّة تدعو لمقاربة “حيونة الإنسان” (والوصف بشكل مختلف، وبالتالي عدم تمييع مسؤوليّة من يرتكب فعلاً وحشياً بحصر دوافعه في إطار مرضيّ.
لا تستبعد الدراسات والتجارب وجود الاضطراب العصبي في حالات التوحّش الفرديّة، إنما تلك التي تتم في إطار مؤسساتي/ رسميّ أو ممنهج تُناقض الصورة المتعارَف عليها، لتُظهر أن من يقوم بذلك شخصٌ طبيعيٌ، لا بل يُفترض – كشرط لعمله كمُعذِّب (torturer) – أن يكون طبيعياً أو بمعنى آخر سويّاً. أكثر من ذلك، أظهرت الدراسات أن الشخص “المؤهّل” لممارسة التعذيب هو شخص يُصنَع (يُقولَب) في ظروف معيّنة وفق معايير محدّدة، واستخلصت بالنتيجة إلى أن الشخص الطبيعي يمكن في حال وجوده في تلك الظروف أن يرتكب فعلاً “لا طبيعياً” (متوحشاً).
تجارب شهيرة على “أشخاص طبيعيين”
“تجربة ميلغرام”
قد تكون تجربة عالم الاجتماع الأمريكي ستانلي ميلغرام (Stanley Milgram) الأشهر على الإطلاق. قام بها مطلع الستينات، لكن نتائجها لا تزال شديدة الحيويّة.كان هدفها فهم الرغبة لدى أشخاص – يُعرّفون عن أنفسهم كأشخاص يقدّسون المبادئ الإنسانية – بتعذيب آخرين في حال طُلب منهم أو أُمروا بذلك.
وقد بُنيت على التجربة، بعد إجرائها في أمريكا، اختبارات عديدة مماثلة في دول مختلفة، وكانت النتائج متشابهة (أُجري 18 تقليداً ناجحاً للتجربة بين عامي 1968 و1985). في الظاهر، أعلنت الصحف وقتها عن تجربة هدفها دراسة أثر العقاب على التعلّم وتنشيط الذاكرة، بينما في العمق أراد ميلغرام منها اختبار المدى الذي يستطيع فيه الشخص العاديّ الانسياق لتعذيب شخصٍ آخر حين تُلقى على عاتقه مهمة التعذيب.
لا تستبعد الدراسات والتجارب وجود الاضطراب العصبي في حالات التوحّش الفرديّة، إنما تلك التي تتم في إطار مؤسساتي/ رسميّ أو ممنهج تُناقض الصورة المتعارَف عليها، وتُظهر أن من يقوم بذلك شخصٌ طبيعي
الإيديولوجية، الطاعة وتلقي الأوامر من شخص “مؤهل” و”شرعي”… عوامل موضوعيّة لتحويل “شخص طبيعي” إلى “جلّاد”
أُخبر من خضعوا للتجربة، وهم من خلفيات علمية واجتماعيّة وثقافية تُعدّ مرموقة ومُحترمة، أن بإمكانهم ضغط زرّ يوصل شحنة كهربائية لجسد شخص آخر، في حال لم يُجب على الأسئلة بشكل صحيح. لم تكن الشحنات الكهربائية موجودة فعلاً، لكن من خضع للاختبار كان يعتقد بوجودها، بينما يتم بث أصوات صراخ مسجّلة في كل مرة يستخدمها. أُتيح للمشاركين أن يزيدوا من مقدار الشحنة الكهربائية مع كل إجابة خاطئة إضافيّة، بينما وصل 65 في المئة من هؤلاء حدّ استخدام الشحنة القصوى الكفيلة بقتل الشخص الذي يتعرّض لها فعلاً، علماً أنهم كانوا على دراية منذ البداية أن الحدّ الأقصى من الشحنة يقتل الشخص. (يمكن الاطلاع على تفاصيل التجربة هنا).
“سجن ستانفورد”
ثمة تجربة أخرى تُعرف بتجربة “سجن ستانفورد” لصاحبها الباحث النفسي فيليب زيمباردو (Philip Zimbardo) وهي تركت بصمتها في مجال علم النفس منذ إجرائها في أوائل السبعينات. في هذه التجربة، انقسم المشاركون إلى مجموعتين، الأولى لعبت دور السجناء والثانية دور السجانين. سرعان ما لاحظ الباحثون أن المجموعة الأولى باتت أكثر سلبيّة ورضوخاً بينما الثانية ازدادت استبداداً وتوحشاً. كان يُفترض أن تستمر التجربة لأسبوعين، لكنها انتهت في اليوم السادس بعدما بدأ الحراس المفترَضين باستخدام أساليب تعذيب شكلت خطراً حقيقياً على حياة المشاركين بدور السجناء. (يمكن الاطلاع على تفاصيل التجربة هنا).
تجربة باتريك هاغارد
في عام 2016، قرّر المتخصص في علم الأعصاب الإدراكي في جامعة لندن باتريك هاغارد تكرار تجربة ميلغرام مع تعديل الجانب الأخلاقي الإشكالي فيها، مقرراً مصارحة المشاركين بأن الهدف هو التعذيب لاختبار نتائجه. ما قام به هاغارد بشكل إضافي كذلك، كان محاولة تحرير ممارسة التعذيب من دمغتها الجندرية الذكورية، فاختار النساء حصراً للتجربة، وكانت النتيجة نفسها.
اللافت كان ما قام به من تخطيط عصبي للنساء ليتبيّن أن المرات التي قرّرن فيها “طاعة الأوامر” لم تُعالج فيها مُخوخهن مُخرجات الفعل بينما تضاءل إحساسهن بالمسؤوليّة، مقارنة بالمرات التي طُلب منهن فيها اتخاذ القرار بأنفسهن – والذي للمفارقة كان نفسه (الصعق الكهربائي الذي لم يدركن كذلك حقيقة عدم وجوده) – لكن مخوخهن أظهرت حينها اضطراباً أكبر.
العنف المقدّس: كيف وضع الفِقْهُ الإسلامي الحدَّ الفاصل بين العقوبة والتعذيب؟رفضت المنظومة الفقهيّة الإسلاميّة الانصياع الكامل لمتطلّبات السلطة، فأنكرت شَرْعَية التعذيب، كما فتحت باب التعزير على مصراعيه، لتُتيح للمجتمع أن يُحدّث منظومته القانونيّة العقابيّة بما يتناسب مع ظروف ومقتضيات كلّ عصر
بين الحدود والتعذيب-تزامناً مع تأسيس الدولة الإسلاميّة الأولى في المدينة المنوّرة في العام الأوّل من الهجرة، ظهرت إلى الوجود منظومة العقوبات الشرعيّة في الإسلام، تلك التي اصطُلح على تسميتها باسم الحدود.والكثير من تلك الحدود ارتبطت بفكرة التعذيب البدني والإيلام الجسدي، وظهر ذلك بشكلٍ واضحٍ في مجموعةٍ من الممارسات، من قبيل الجَلْدِ في حالتي الزنا وشرب الخمر، وقطع الأيدي في حالة السرقة، بالإضافة إلى الصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، بحقّ من تثبت عليه تهمة الحرابة ,بعض من تلك الحدود تشابه مع التشريعات الموسويّة التوراتيّة التي طبّقها اليهود، كما أن الكثير منها كان معروفاً وشائعاً بين قبائل العرب قبل الإسلام وذلك بحسب ما يذكر الدكتور جواد علي في كتابه “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، فلما ظهرت الدعوة المحمديّة، صبغت تلك الأحكام بصبغتها الدينيّة الإسلاميّة، واستخدمتها في حياكة وتطعيم منظومتها العقابيّة، والتي تتسق مع أهداف وغايات الشريعة الإسلاميّة.في الحقيقة، لا يمكن نفي صفة العذاب عن معظم الحدود الإسلاميّة، وذلك بدليل ما ورد في سورة النور، والتي تحدّثت عن حدّ الجَلْد للزاني والزانية، فجاء بها “وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين.”.
من المهم هنا أن نلاحظ أن الهدف الرئيس من تطبيق الحدود في المرحلة المبكّرة من الإسلام، كان يتمثّل في كونها نوعاً من المكفّرات عن الذنوب والمعاصي والآثام التي ارتكبها المذنبون، ومن هنا فقد كان هذا العذاب الجسدي سبيلاً للتطهّر والتوبة، وطريقاً لعودة المذنب مرّة أخرى إلى صفوف الجماعة المؤمنة، ويشهد على ذلك القصّة الشهيرة التي تذكر أن عمر بن الخطاب لما أصابه دم مسلمةٍ زانية أثناء رجمها، وتأفف من ذلك، فأن الرسول قد نهاه عن ذلك وأخبره بأن الله قد عفا عنها، وغفر لها ذنبها.
من هنا فأن الكثير من العلماء المسلمين قد ذهبوا إلى أن الهدف من إقامة الحدود هو صلاح الدنيا، فعلى سبيل المثال، يذكر ابن القيّم الجوزية في كتابه “الحدود والتعزيرات” أن الحدود قد “شُرّعت زواجر للنفوس ونكالاً وتطهيراً، فهي عقوبة مقدرة لحق الله تعالى، ثم لأجل مصلحة المجتمع؛ فالله تعالى أوجبها على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطباع البشريّة؛ فهي من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فلا تتمّ سياسة الملك إلا بزواجر عقوبات لأصحاب الجرائم، منها ينزجر العاصي ويطمئن المطيع وتتحقق العدالة في الأرض ويأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم…”.
المنظومة الفقهيّة رفضت التعذيب-التوجّه الإسلامي المبكّر، والذي ينظر للعذاب المصاحب للحدِّ على كونه مجرّد كفّارة للذنب، سرعان ما سيتغيّر عقب اتساع دولة المسلمين، وفرض سيطرتها التامة على العراق والشام ومصر وبلاد فارس، فسيصبح التعذيب الجسدي أداةً سلطويّةً مهمّة في أيدي الخلفاء والأمراء، بحيث استخدموه في البطش والتنكيل بأعدائهم، ومما يؤكّد على ذلك تعدّد أنواع التعذيب السياسي التي مارسها الخلفاء الأمويّون والعباسيّون بحقّ منافسيهم، والتي بدأت بالضرب بالعصي والسياط والخيزران، وانتهت بتمزيق الجسد ورشّه بالملح وتعريضه للشمس، مروراً بالوضع على الخازوق والصلب والحرق وقطع أعضاء الجسم.
ما يُحسب للمنظومة الفقهيّة الإسلاميّة، أنها قد رفضت الانصياع الكامل لمتطلّبات السلطة، فرفضت شَرْعَنَة الممارسات السياسيّة العنيفة التي تظهر فيها مختلف أشكال التعذيب، كما أنها فتحت باب التعزير على مصراعيه، لتُتيح للمجتمع أن يُحدّث منظومته القانونيّة العقابيّة بما يتناسب مع ظروف ومقتضيات كلّ عصر.
استند الفقهاء المسلمون إلى ما ورد في سورة الأنعام “لا تزر وازرة وزر أخرى”، ليذهبوا إلى ضرورة الفصل بين مقامي السلطة والسياسة من جهة، والأحكام الشرعيّة والدينيّة من جهةٍ أخرى، ورجعوا لقول الرسول “ادرؤوا الحدود بالشبهات”، وهو ما تابعه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، واتخذ منه عنواناً للسياسة العامة للدولة، حيث قال هو الآخر “لأن أعطّل الحدود بالشبهات أحب إليّ أن أقيمها بالشبهات”.
من النصوص المؤسّسة لهذا الاتجاه الفقهي، ما ورد في صحيح البخاري من قول الرسول في حجّة الوداع “فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَارَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ”، وما ورد في صحيح مسلم من نهي رَسُولُ اللهِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْه.
أيضا رجع الفقهاء لما حُكي من أن الخليفة عمر بن الخطاب، لما مرّ أثناء عودته من بلاد الشام، على قومٍ من أهل الكتاب قد أُقيموا في الشمس، يُصبّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما بال هؤلاء؟ فقيل له عليهم الجزية لم يؤدّوها، فهم يعذّبون حتى يؤدّوها! فقال عمر: فما يقولون هم وما يتعذّرون به في الجزية؟ قالوا: يقولون لا نجد! قال: فدعوهم لا تكلّفوهم ما لا يطيقون، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا، يعذبهم الله يوم القيامة، وأمر بهم فخلّى سبيلهم، وذلك بحسب ما يذكر محمد جمال الدين القاسمي في كتابه “محاسن التأويل”.
من هنا فأن معظم المدوّنات الفقهيّة الكبرى قد حملت في طيّاتها ما يدلّ على رفض التعذيب، ومن ذلك ما ذكره القاضي أبو يوسف (تـ. 182هـ)، وهو واحد من أكابر أصحاب الإمام أبو حنيفة النعمان، في كتابه الخراج “ولا يُضرب أحد من أهل الذمّة في استيدائهم الجزية، ولا يقاموا في الشمس ولا غيرها، ولا يجعل عليهم في أبدانهم شيء من المكاره، ولكن يرفق بهم، ويحبسون حتى يؤدوا ما عليهم”.
وقد أكّد القاضي والفيلسوف الأندلسي أبو الوليد ابن رشد (تـ. 595هـ)، على ذلك الرأي في كتابه “البيان والتحصيل” بقوله “لا يصلح أن يُعاقَب أحدٌ فيما يلزمه فيه العقوبة إلا بالجلد والسجن الذي جاء به القرآن، وأما تعذيب أحد بما سوى ذلك من العذاب فلا يحلّ ولا يجوز”.
أما ابن فرحون اليعمري (تـ. 799هـ)، فقد أورد في كتابه “تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام” أن الإمام مالك بن أنس قد سُئل عن مشروعية تعذيب اللصوص ودهن أجسادهم بالقطران، فرفض ذلك ولم يجزه، وقال “لَا يَحِلُّ هَذَا، إنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوْ السِّجْنُ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.