الأثنين. أغسطس 19th, 2019

“كهوة الطرف “قامت بدور النوادي البدائية

كهوة الطرف

كهوة الطرف

لم تعرف بغداد ، والمدن العراقية الاخرى “كهوة الطرف” الا بعد ان شاع شرب القهوة . فالمقهى هو المكان الذي يقدم القهوة لرواده ، ومع ان اجود انواع القهوة انتجتها ارض البلد اليماني الشقيق، الا انها في الاصل حبشية، ولم تعرف المقاهي قبل القرن الثامن عشر، وقد جرت في استانبول عاصمة الامبراطورية العثمانية محاولات لمنع شربها ،

 وصدرت فتاوى بتحريمها ، الا انها صارت خلال سنوات قليلة من احب ما يقبل الناس على شربه، وأصبح للقهوة ادواتها الخاصه بها من دلال وفناجين، وصار صناع الادوات النحاسية يتقنون بصنعها ، وتعددت طرائق تنضيجها ، فقهوة المقهى غير التي تقدم في البيوت ، والقهوة العربية ، غير القهوة  التركية ، وهما مغايرتان للقهوة الفرنسية، وصرنا في العراق نخلط  مسحوقها عند انضاجه ببعض “الهيل” المسحوق او نضع فيها بعض حباته!

اسم جديد للمقهى
وبعد الحرب العالمية الاولى (1914ـ1918)، شاع عندنا شرب الشاي ، فصارت المقاهي تعرف باسم اخر هو الجايخانه وافضل الشاي هو المستورد من جزيرة سيلان ،واسمها اليوم “سيريلانكا” وهي دولة مستقلة وكانت تابعة للهند التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني، وعرفنا مع الشاي الادوات التي يعد بواسطتها مثل “الكتلي” وهو انكليزي ، اما كلمة “سمارو” “واستكان” فمن الاسماء الروسية ، ومع مرور الايام صار الشاي من المشروبات المنزلية في فطور الصباح وفي العصاري، وهو يقدم للضيوف وكانت تقام حفلات زيارة نسائية عرفت باسم “القبول” يقدم فيها الشاي والكعك والبقصم ، ثم استعيض عنها بالبسكويت والكيك!

رحالة انكليزي يقول:
وقد تحدث الرحالة الانكليزي جيمس بكنغهام الذي زار بغداد خلال رحلته التي بدأها في اوائل صيف عام 1816، عن المقاهي البغدادية.
فقال: كان المقهى الذي بقرب مدرسة المستنصرية يبدو وكأنه شعلة من نور على الجانب الشرقي من دجلة.
واما المقهى الثاني وهو اكبر من هذا ويقع قبالته تماما، فإنه يتقد بمصابيحه على الضفة الغربية (الكرخ).

مقاهي المحلات
وكانت المقاهي البغدادية حتى اواخر الثلاثينيات تنقسم الى قسمين، تلك الموجود في شارع الرشيد، وداخل الاسواق ، وهي عامة يرتاده كل الناس الذين يكونون غير بعيد عنها وعدد كبير ممن جاؤوا الى بغداد لسبب ما ، للمعالجة او شراء بضاعة ، ثم “كهوة الطرف ” ، وكانت تستقبل ابناء المحلة التي تقع فيها وبعض سكان المحلات المجاورة.
وكانت للقراغول وتبة الكرد ومنطقة حمام الكهيه مقاهيهم الواقعة في محلة “دكان شناوه” اما محلة عيفان والمناطق ومقهى الفضل. وكان هناك مقهى اخر غير بعيد عنه هي “كهوة حجي عزيز” .. وكانت لكل محلة او عدة محلات اخرى مقهى خاص بها، مثل مقهى باب الشيخ ، ومقهى المهجية ،ومقهى البيروتي في الكرخ. ومقاهي الكرادة الشرقية.

المقاهي كالنوادي
وكانت كل كهوة من كهاوي الطرف شبيهة بنوادي هذه الايام، فاليها يختلف الرجال ويدخنون الغلايين والنراكيل والسكائر اللف وام الزبانة ويشربون القهوة ، ويتباحثون في شؤونهم الخاصة والعامة، ويعقدون صفقات البيع والشراء . وتتم فيها اتفاقات الزواج. ومصالحة من اختلف مع اخر، ولم يكن يرتادها من الشباب الا من صار “يلزم شاربه بيده!”
وكانت نساء المحلة المحجبات يتجنبن المرور امام مقهى الطرف، فذلك “عيب” وكان اشهر روادها المخاتير والختيارية الذين لهم الرأي الاول في القضايا التي تعرض والمشاكل التي تطرح وكانوا يتسلون بـ “لعب المنقلة” والدومنة والطاولي ، اما في ليالي الشتاء ، وفي شهر رمضان على وجه التخصيص ، فانهم كانوا يأتون بمن يقرأ عليهم سيرة عنترة بن شداد ، والزير سالم وغيرهما من القصص الحافلة بصور البطولة العربية.
وحدثني احد ابناء القرن الماضي. 
وقد فارق الدنيا قبل عقدين من السنين ، فقال انهم كانوا في العهد الثاني يذهبون الى كهوة الطرف في الصباح الباكر لشرب “القنداغ” ثم تدخين الناركيلة وغيرها ، قبل الذهاب الى اعمالهم ، وكان القهواتي يقدم اليهم رشفات القهوة اثناء التدخين.
وقد ذهبت تلك المقاهي كما ذهبت ايامها . 
وان كانت مازالت تقوم على ذات الارض التي كانت تقوم عليها بعض المقاهي الأحدث منها بناء واثاثاً وادوات بحكم التطور الذي حصل عليه عراق اليوم.
بقي ان نقول “القهوة” التي ورد ذكرها في شعر ونثر العرب القدامى، ليست هي التي نصنعها من “البن المحمص والمسحوق” ،تلك القهوة هي الخمرة .
وقد اطلق عليها اسم قهوة لأنها “تقهي” أي تذهب بشهية الطعام.
جريدة البلد تشرين الثاني 1964

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.