قراءة في رواية : صراخ النوارس

قراءة في رواية : صراخ النوارس
أسهامات المبدع الراحل ( مهدي عيسى الصقر ) تدخل ضمن محاولات التي بذلها رواد الرواية العراقية . في تحديث اساليب الرواية من التقليد الى الحداثة . في الصياغة والرؤيا والتقنية في اساليب السرد . بالصياغة الواقعية في الافكار والطرح والتناول, في التعمق في مستويات السرد الروائي, في التصدي لمفردات الواقع الاجتماعي . عينات وتبعات في جوهر الواقع . وفي براعة الغوص الى العمق الواقع . وقد اسهمت محاولاته في الروائية , في تعميق الاتجاه الواقعية الاجتماعية . في خضم الصراع الوجود الحياتي . التي تجعل الفرد خاضع ومسير . لواقع صعب المراس في الضراوة والشدة , وفي حالة القهر والاحباط , في التصدي لبؤس الواقع الظالم والجائر . التي تجعل الفرد محصوراً في زاوية ضيقة , يواجه الطعنات . يجد نفسة في حالة نفسية مزرية في علقم ازماته . لذلك تجعله يفكر بافكار سوداوية . بان حبل المعاناة يشتد حول رقبته , وتضيق انفاسه بالانكسار , لم يجد طريقاً للخلاص من هذا الواقع المأزوم . سوى الانتحار والموت . ليتخلص من حطام الحياة المهشمة . لذلك نجد شخوص الرواية , ابطال السرد الروائي في الرواية ( صراخ النوارس ) في وضع سيء ومحبط , يلوكهم اليأس والخيبة لا يملكون من وسيلة سوى الانهزام . لاشك ان ابطال روايته هم من صلب الواقع الاجتماعي . لذلك ابدع في منصات السرد في المتن الروائي . وفي شد القارئ , ليجد نفسه امام واقع مغلف بالخراب , مهشم بالمعاناة . يعاني من أزمة نفسية . يعاني العزلة والانطوائية . في السلوك والتصرف , يخوض عملية الانهزام من واقعه اليومي …… والرواية تتحدث عن أسير عائد من الحرب . أنسان مهشم من الخراب . في عطب في عموده الفقري يمشي على عكازة . معوق من القدرة الحنسية . اي انه انسان معوق ومعطل . يلوك ازمته النفسية بمرارة , يحاول ان ينهزم من واقعه اليومي , بالشرود والانطوائية على نفسه . يحاول ان يواسي نفسه بهواية الصيد في ساعات طويلة . ليداري ضعفه وعجزه . كل صباح يأخذ أبنه معه طوال النهار , يجلس على صخرة في بحيرة الشاطئ . وفي احدى المرات ارسل أبنه الى البيت ليجلب اليه المزيد من الشاي . وبالفعل تسلل أبنه الى بيت وتناهى الى سمعه همسات مريبة في غرفة النوم أمه , وكانت مع عمه الاعزب , الماجن وزير النساء والعابث في الحياة . لاشك انه يستغل غياب شقيقه عن زوجته لساعات طويلة , ويستغل هذا الغياب في المعاشرة المشبوهة والمريبة مع أمه . لذلك اكتنز في صدره الحقد والكراهية والنفور من عمه , حتى اصبح لا يطيق رؤيته . وتصاعد البغض والعدوانية مع تقدم الزمن والسنين . وخاصة مع حالة انتحار أبيه في ظروف غامضة في شاطئ البحيرة . بما كان يعاني أباه من سوداوية الحياة . واعتبر الابن الصغير ( 13 عاماً ) بأن عمه هو المسؤول عن انتحار أبيه . ولكن تدور الايام والسنين وبعد اكثر من 11 عاماً يكبر الابن ويتزوج ويصبح لديه طفلاً . بأن عمه ايضاً ينتحر بشكل مريب وغامض في نفس المكان الذي انتحر فيه ابيه . كأنه قصاص الضحية من القاتل . هذه الخطوط العامة للنص الروائي . الذي يضعنا في دوامة السؤال والتساؤل والبحث عن عينات الانتحار لكلا الجانبين . والروائي المبدع الراحل ( مهدي عيسى الصقر ) , يعطي المفاتيح العامة , وعلى القارئ ان يفك شفرات النص ودلالته , البالغة العمق والايحاء والمغزى والرمز . من الواقع الاجتمتاعي وتشحيصها وتحليل معانيها . وهي محصلة سلبيات الواقع الاجتماعي في كل مجالاته . وهي تخلق حالات سلبية في آثارها المدمرة .
×× أحداث المتن الروائي :
× الاب العائد من الحرب , في حالة يرثى لها , رجع من الاسر أنسان محطم ومعوق ومعطوب ومعطل . يعيش حالة من الشرود والحزن في افكاره واحلامه السوداوية . يقضي يومه وطوال النهار , جالس على صخرة شاطئ البحيرة , يتسلى في هواية الصيد . يأخذ ابنه الصغير ( 13 عاماً ) ليساعده في حمل حاجياته ويساعده في المشي , لانه يمشي بواسطة عكازة . ويأخذه الشرود اثناء عملية الصيد . وتنتابه حالات الحزن والغضب , عندما تشتد عليه , يعاقب أبنه بدون سبب , وهو يبكي بحزن وقهر وبألم وتغرق عيونه بالدموع شفقة على أبنه المعاقب , ثم يمد يده الى جيبه ويعطيه بعض النقود ( خذ هذا أبني , أذهب اشتري به شيئاً تأكله . أو اذا احببت أصرفه على الملاعيب في الفندق ) ص19 . وفي احدى المرات ارسله الى البيت لجلب المزيد من الشاي . فتسلل الابن الى داخل البيت , وسمع همسات مريبة غير مفهومة , في غرفة نوم أمه . وعرف بأن هذه الهمسات كانت بين أمه وعمه ( شقيق أبيه ) . فظل عالقاً في شروده وفي باله العلاقة المريبة والمشبوهة , التي دارت في سرير النوم . ويعرف عن عمه انه ماجن وزير النساء واعزب وسكير , يشترك معهم في شقة الدار , العائدة الى احدى بيوت المصلحة السياحية , ان هذه العلاقة المشبوهة , يمكن ان تكون التعويض الجنسي لامه , على حالة ابيه المعطوب بالقدرة الجنسية من مخلفت الحرب . وهم في سفرتهم السياحية على شاطئ البحيرة . حاول الاب ان ينهي حياته غرقاً في شاطئ البحيرة , بعدما فشل في عملية الانتحار الاولى . ليتخلص من حياته الغارقة في الحزن والسواد . فحينما سأله أبنه عن سبب الانتحار , في انهى حياته .
( – أبي . قل لي , لماذا حاولت أن تنتحر ؟
يلتفت مندهشاً :
– أنا انتحر ! من قال لك هذا الكلام الاحمق !؟
– أذن لماذا ألقيت بنفسك في البحيرة قبل أيام ؟
– من أجل اطفئ النار اتي أشتعلت في روحي ) ص44 .
ولكن فعلها مرة ثانية ومات غريقاً , لينهي حياته لى الابد . وظلت عالقة في عقل الابن هواجس الانتحار الاب مشتعلة في داخله , ويحمل مسؤولية موت ابيه , عمه في المعاشرة غير الشرعية والمشبوهة مع أمه . وظل يشعر بالحقد والكراهية والنفور , ولا يطيق رؤيته . رغم ان عمه حاول اصلاح البين والقطيعة لكن دون جدوى حتى في تقدم العمر بعد احدى عشرة عاماً , وتزوج وانجبت زوجته طفلاً , فظل العداء والكراهية تشعل نفسه ,ولايمكن ان يتجاوزها , رغم ان عمه الذي تزوج امه بعد موت ابيه . ولم يستجب لمحاولات المصالحة ونبذ الحقد والكراهية والنفور . فتقول له أمه في عتاب ( ياولدي أنت واهم تماماً في ظنونك السود , فهو يمازحها فقط , مثلما يمازح أب أبنه , وليس بالانسان الحقير ) ص54 . وتقول له بأن الاب انتحر بأختياره الحر . لكنه لم يتخلص من العلاقة العدائية بالحقد والنفور. ولكن في النهاية استجاب الى طلب اعادة العلاقة وتبادل الزيارات .لا ثم اقترح القيام بسفرة جماعية الى شاطى البحيرة . شكتت الام بالارتياب وقالت له ( – قل لي ما الذي تخطط له ياولدي !؟ . وأنت قلت مراراً بأنك لا تتحمل رؤية وجهه . فكيف !؟ ) ص101 . ولكن اقنعها في قلب صفحة جديدة من العلاقة مع عمه أو زوج أمه . ويقول لامه ( – هل انتِ سعيدة الآن . يا أمي ؟
– لا تقدر ان تتصور كم أنا سعيدة . اذ اراكما معاً .. فأنتما اعز شخصين عندي .
– طيب . ما رأيكم في سفرة نقوم بها نحن جميعاً , الى البحيرة ونقضي هناك بعض الوقت ) ص102.
وتتم السفرة وتحدث فيها اشياء غريبة , تأجير نفس الشقة التي انتحر فيها ابيه . وفي أخر ليلة للسفرة . انتحر عمه زوج أمه في نفس المكان الذي انتحر فيه ابيه سابقاً . كأنما يدل على قصاص القتيل ضد القاتل , ونفس عملية الريبة والشكوك تدور حول الابن , لابد ان يكون له ضلع في عملية الانتحار .
جمعة عبدلله