قراءة في المجموعة الشعرية (اهزوجة عشق خريفية)

قراءة في المجموعة الشعرية (اهزوجة عشق خريفية)
علي جابر الفتلاوي
(اهزوجة عشق خريفية) مجموعة شعرية جديدة، تأليف الشاعر (ثامر الحمداني) أصدرها بداية عام 2021، وصدر للشاعر قبل هذه المجموعة،مجموعتان شعريتان هما: على ضفاف الوجد، في انتظار خطاها.
عناوين المجموعات الشعرية الثلاث، نستوحي أن الغالب في شعر الشاعر ثامر الحمداني، هو الحب والعشق، وأفهم أنا كقارئ أن الحبّ في مختلف ألوانه له مصاديق كثيرة في حياتنا، فالأنسان يحب الله، يحب الحياة، يحب الخير، يحب الوطن، يحب الجنس الآخر، يحب العائلة، إلى غير ذلك من محفزات الحياة الكثيرة التي تدفع الانسان أن يحبّها، أحيانا يحب الانسان أحد هذه المصاديق أو غيرها بدرجة كبيرة حتى تظهر مظاهر هذا الحب في سلوكه، حينئذ يسمى عاشقا، فالعشق أعلى درجة من الحب، وكثير من العشاق يضحّون بأنفسهم من أجل معشوقهم، وفي التاريخ العربي من اشتهر بعشق إمراة كمجنون ليلى وهو شاعر الغزل قيس بن الملوح، وجميل بثينة، وكثير عزّة، وغيرهم، ومن أهل الايمان والفكر من يعشق الله سبحانه، وهؤلاء يسيرون في اتجاهين التصوف والعرفان، وسلوك المتصوف غير سلوك العارف. استوحي من العنوان أمورا:
الأمر الأول: وصف الشاعر ديوانه أنه أهزوجة، والأهزوجة تكون وليدة ساعتها وتعبّر عن حالة شعورية معينة يعيشها من يهزج، وفي نفس الوقت يعبّر عن مشاعر مجموعة من الناس عندما يهزج في وسطهم، نرى الناس الذين يُهزَج لهم يستقبلون صاحب الاهزوجة بالارتياح والرضا، إذ يتفاعلون مع الاهزوجة.
عرّفت الموسوعة الحرّة الاهزوجة أنها نوع من الأناشيد الشعبية الغنائية، لا يصاحبها أي نوع من الآلات الموسيقية تعتمد في القائها على المد الطويل للكلمات مع إصدار الصوت الواضح الدال على التمديد، وتسمى في العراق (الهوسة). وأهزوجة شاعرنا ميدانها الحب، فقد تصفحت الديوان فوجدت الغالب في قصائده الحب، وهذا مؤشر على قرب الشاعر من مشاعر المحبين، وأنّه مرهف الاحساس يعبّر بصدق عن مشاعرهم وأحاسيسهم.
الأمر الثاني: استوحي من كلمة (عشق) أنّ شاعرنا أما أنّه يمر بتجربة عشق حقيقية فترجمها إلى قصائد، أو أنه استوحى مشاعر العشّاق فترجمها إلى كلمات حارّة في قصائده، ومن خلال معرفتي للشاعر المتألق، اقول: أنّه مرهف الاحساس يتحسس مشاعر العشّاق فيترجمها إلى كلمات تشع منها حرارة تلذع بشكل خاص من يخوض تجربة حب، قد تكون هذه التجربة صامتة تظهر من خلال مؤشرات في سلوك المحبين، وقد تنتج تجربة الحب كلمات يعبّر بها المحب عن مشاعره وأحاسيسه تجاه محبوبه، وفي كلتا الحالتين أجاد الشاعر في قصائده، فهي قصائد معبّرة عن أحاسيس صادقة، ليس هذا فحسب بل أرى الشاعر يحمل هموم أهل الحب خاصة، بدليل أن اسم الديوان الأول، (على ضفاف الوجد) والثاني (في انتظار خطاها)، وكلا العنوانين يوحي بالحب، وهذا مؤشر أن شاعرنا مرهف الاحساس يعبّر بصدق عن مشاعر وأحاسيس المحبين.
الأمر الثالث: استوحي من كلمة (خريفية) في العنوان، أنه يشير إلى عمره، إذ يعدّ نفسه في خريف العمر، أي مابين مرحلة الشبابية والشيخوخة، وأقول للشاعر المبدع ثامر الحمداني، أن الروح لا تكبر أو تشيب إنما الجسد فقط هو الذي يهرم، لكن الروح تبقى متوثبة ومتحفزة للإبداع والعمل في اتجاهات عديدة.
تصفحت المجموعة الشعرية وجدت جميع القصائد موضوعها الحب، أفراحه آلامه محطاته، مع رسم للمشاعر بكلمات معبّرة، يبدو فيها الشاعر وكأنه يمرّ بتجربة حب عميقة، أرى أنّه يستوحي مشاعر وأحاسيس المحبين، فيترجمها إلى كلمات توحي وكأنه هو من يعيش هذه التجربة، وهذا دليل على شاعريته وإبداعه؛ بدأ مجموعته الشعرية بببت من الشعر اسماه (توطئة):
كنتُ الكتابَ لها فطارتْ أحرفي تحكي الهوى أهزوجة لخريفي
عندما يكون الحبيب كتابا لحبيبته، ثم هو من يخط أحرف الكتاب، هذا يعني أنه أسير حب يتجّه به حيث يريد، لدرجة أن كلمات الحبيب تحولت إلى اهزوجة للمحب وهو في خريف العمر، لم يكن عائق العمر عقبة، وهو في هذا العمر الخريفى اُسِر قلبه من غير إرادة منه، بعد التوطئة يأتي عنوان (تقديم) للأديبة الفلسطينية (خلود أحمد أبو ريدة)، عبّرت عن رأيها في المجموعة الشعرية، ولا تعليق عندي على التقديم.
نختار نماذج من مجموعته الشعرية، القصيدة الأولى (تطريز)، يقول:
اهزوجة نُسِجت بخيط وداد تحكي حكايا العشق للآباد
هي نبض من كانوا رموزا للهوى تروي حكايا العبد والأسياد
ودموع من عاشوا الهوى دفاقة تشكو عذاب العشق والأصفاد
جمر الهوى يكوي القلوب وميضه أوّاه من جمر لظاه وقاد
أرى القصيدة بأبياتها الخمسة عشر تحكي قصة حب يكتوي قلب الحبيب بلهيب نارها، إذ (يرنو الفؤاد متلهفا إلى وصال حبيبه …مدى الآباد)، وصف الشاعر قصة حبّه أنها اهزوجة، أهزوجة الشاعر تختلف عن الأهزوجة المتعارف عليها كون أهزوجته نسجت بخيوط الود والحب، بل الحب ارتقى إلى العشق الذي يذوب فيه العاشق في هوى معشوقه إلى نهاية العمر (للآباد)، وهذا اعتراف من العاشق بسطوة نار الحب على قلبه لدرجة أنّه يعيش لظاها مدى العمر، وصف الشاعر الحبيبة أنّها نبض، وبتوقف النبض تقف الحياة، حكاية الحب التي عبّر عنها الشاعر أشبه بالعلاقة بين السيد والعبد، العبد أي العاشق يذوب في هوى معشوقه لدرجة أنه يتملكه ويصبح عبدا مطيعا له، دموع العاشق لا تتوقف فهي دفّاقة، وهذا مؤشر أن العاشق لا يقابل بنفس نار عشقه من محبوبه، عشق غير متعادل، هذه الدرجة من العشق تكون في ظروف معينة مؤلمة للعاشق، كون العاشق يكتوى بنار معشوقه دون ملل أو توقف، لا رحمة في العشق إن كان المعشوق لا يبالي بمشاعر العاشق إذ سيتحول قلبه إلى جمر لظاه لا ينطفئ، يستمر الشاعر في وصف مشاعر العاشق. للهوى جمر يكوي قلب العاشق وميضه، وقلب العاشق يبقى مكتويا لأنّ نار الحب تزداد اشتعالا، وهذه النار لا أحد يستطيع إطفاءها إلّا من كان سببا في إيقادها، وهو الحبيب الذي يعيش في قلب العاشق، أبيات القصيدة توحي أن المعشوق بعيد المنال هو أشبه بالسحاب في السماء، يصعب الوصول إليه. أخيرا يختتم قصيدته بقوله:
في وصلكم أنات قلب تنتهي تترجل الأحزان بعد سياد
يشدو كما الأطيار لحن مودة تتراقص النبضات في إسعاد
تدعو إله الكون يبقي جمعهم ما دام صوت بالوداد ينادي
هنا يعلن الشاعر أن وجع القلب سينتهي بوصال الحبيب، والأحزان ستغادر بعد أن كانت متسيدة على القلب، سينبض قلب الحبيب بوصال حبيبه نبضات الفرح والسعادة، كالطائر الذي يغنّي لحبيبه في أوقات القرب والوصال، نبضات قلب الحبيب بعد الوصال تتحول دعوات إلى إله الكون، بأن يديم الجمع بين الحبيبين ما دام الوصال والوداد موجودا ومستمرا، إنها مجرّد أمنية، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه، نرى الشاعر يتحسس مشاعر القلب الدفينة الدافئة الحنونة، فيترجمها إلى كلمات ذات حرارة، وهذا مؤشر على الشاعرية والارهاف الحسّي.
أطول قصيدة في المجموعة الشعرية هي (فصول الهوى)، القصيدة أشبه بخطاب وعتاب من الحبيب إلى حبيبته، يظهر أن الحبيبة فاقدة للثقة بحبيبها، إذن الحب من طرف واحد رغم ما يبدي الحبيب من مشاعر الود والشوق، الحبيبة تسمع كلمات الحب لكنّها تتجاهلها، رغم توسّل الحبيب بأن تتفرس ظواهر حبه لها، يقول الشاعر:
(وهبوب نسائم شوقي .. اغتالتها حشرجات ظنونك .. فبان ما أخفاه بوحك ..
قرأتك غاليتي … لكنّي لم أجتز الامتحان.. صور الخوف من المجهول..
لم تغادر عينيك .. رغم تراتيلي باسمك..)
يستمر الشاعر في التوسل بحبيبته لتثق بحبه لها لكنّها تقابله بالجفاء والبعد والتجاهل، لدرجة انه استعان بالطير لارسال المراسيل:
(فبت أناجي الطيور.. لأرسل مراسيلي إليك .. ماذا دهاها الظنون ..؟)
اخيرا يستسلم الشاعر لقدره ويقرّ بالانكسار:
(قدري هذا .. ليس لي خَيار.. هكذا العمر فناء لبقاء..)
ثمّ يتوجّه إلى حبيبته وكأنها معه ليسألها: (قولي بربّك .. علّلي سبب الفرار..) لكن لا جواب، شوقه الطاغي يجعله يسأل فيجيب. أخيرا يناجي الشاعر حبيبته الحاضرة في قلبه الغائبة في وجودها، يقول: (تجلّي يارؤى روحي .. ظلامي يندب الفجر.. أناجيك معللتي.. أجيبيني بلا نكر) . القصيدة تعكس آلام من يحب من طرف واحد أجاد الشاعر في تصوير ظاهرة الحب هذه، التي هي موجودة في المجتمع.
أقصر قصيدتين في المجموعة الشعرية هما:(هل قرأتي عيوني) و (أنت بدر الأيام) يقول في القصيدة الأولى: (هل علمت ما تخفي .. أين أنت منّي .. يامن ملكتي كلّ شيء.. وهجرتني.. وتركتني أعاني الضياع.. أناجي الخذلان ..اكفكف كلام العيون ..آه من صراخ روحي.. ليتك سمعت ماذا يقول..)
الغالب في القصائد الألم والحسرة التي يعاني منها الحبيب بسبب عدم اكتراث الحبيبة، في هذه القصيدة إيحاء أن الحبيبة كانت قريبة من حبيبها مستمتع ومسرور بحضورها، لكنّها هجرته على غفلة من دون أن يعرف السبب، فتركت حبيبها يعاني بسبب الإهمال، يكفكف الدموع التي سمّاها كلام العيون، بدأت روح الحبيب تصرخ ولا من مجيب، يتمنى الحبيب لو كانت حبيبته تسمع الصراخ.
في آخر قصيدة من المجموعة الشعرية واسمها (كنت) يقول الشاعر:
(هكذا كان وكان ماض صار .. وجاء آن نزفت مآقي .. ورئتاي لهاثا هل تدرين؟ وصكّت جدباء الروح لواعج هم .. جاب أنين) إلى أن يختم القصيدة بقوله:
(سألت دمعات تغلي .. فأجابت تهذي .. تعكز على حزنك يا مسكين)
وهكذا تتكشف الصورة، رغم لوعات ألم الحب والمعاناة للحبيب، كانت تقابل بالقساوة والتجاهل من الحبيبة، فبقي الحبيب حبيس حزنه وآلامه.
أرى الشاعر أجاد في تصوير معاناة ومشاعر مَنْ يمرّ بتجربة حبّ، خاصة عندما يُقابل بالسهو والنسيان والتجاهل من قبل الحبيب، شعور صعب وحزين، هذا الشعور يشعر به إثنان: مَنْ مرّ بتجربة حب، أو شاعر يتحسس مشاعر المحبين فيترجمها إلى كلمات ناطقة تضجّ بحرارة الحب، الشاعر المبدع ثامر الحمداني من هذا النوع البارع الذي استطاع بحسه المرهف، رسم مشاعر المحبين وكأنّه يعيشها وهذه موهبة لا تتوفر عند كلّ شاعر، أدعو للشاعر الحمداني بالتوفيق، وإلى مزيد من التألق، ورسم مشاعر من يعاني لوعات الحب، أو أيّ مشاعر أخرى سارّة أو حزينة ومؤلمة في حياتنا وما أكثرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.