قراءةٌ في رِّوَايَةِ (المَلْعُون المقدَّس) للرِوائِيِّ اللُبْنانيّ محمد إقبال حرب

قراءةٌ في رِّوَايَةِ (المَلْعُون المقدَّس) للرِوائِيِّ اللُبْنانيّ محمد إقبال حرب
لطيف عبد سالم
قبل الولوج في عوالمِ وأحداث رِّوَايَة “المَلْعُون المقدَّس” قصد سَبْر أغوارها، لابد من الإشارة إلى أنَّ كاتبها الرِوائِيّ اللُبْنانيّ الأديب محمد إقبال حرب، يُعَدُّ من بين الأدباء العرب الذين أثروا المشهد الثقافيّ بالجريءِ من الموضوعاتِ التي من شأنها المُساهمة في تدعيمِ المفترض من الوشائجِ الحميمة ما بين الكاتب والمُتلقيّ، وذلك بفضل ما قدم مِن منجزٍ أدبيّ رصين يعبر عن انحيازِ صاحبه لمبادئٍ ساميَة تقوم على قناعةٍ راسخة بوجوبِ صلاح الذات الإنسانيَّة، وسموها إلى مراتبِ الفضيلة في ظلِ ما تعرضت له المنظومة القيميَّة العربيَّة في لجةِ مخرجات العَوْلَمة من هزاتٍ معبأة بالصدع، وموشحة بالأوهام. ولعلَّ أولَ ما يستفز المُتلقي عند محاولته الاطلاع على هذه الروايةِ التي صدرت حديثًا بـ (176) صفحة من القطعِ المتوسط عن دارِ النهضة العربيَّة في بيروت، هو دلالة العُنوان بوصفه عتبة الرِّوَايَة، والذي أبدع الكاتب في صياغته بأسلوبٍ من شأنهِ إحداث اِستجابة لدى المُتلقي، تمهيدًا لجعله يشارك بحماسٍ في رحلةِ خطابه الذي ارتكز على إثارةِ المخفيِّ من القضايا بعيونِ كاتب راصد، بذل جهدًا مضنيًا في محاولةِ إيجاد أجوبة لما يحمل في قلبهِ من تساؤلاتٍ كبيرة. وهو الأمر الذي حفّز خياله لابتكارِ مُسمىً مُستحدثًا يقوم على الربطِ ما بين عناصر متضادة، فكان أنْ خرجت تسمية لغويَّة مُهجِّنة تقوم على اعتمادِ علاقةٍ تشاركيَّة لمفردتينِ متناقضتين من ناحيةِ المعني، وهما: “المَلْعُون”، و “المقدَّس”، فجاء بثنائيةٍ تفتقر ظاهرًا إلى الانسجامِ، إذ لا يوجد أدنى سبيل للارتباط، أو التلاحم بينهما، فمن المعلومِ أنَّ لكلِّ منهما دلالته الواضحة، فلا عجب إن قُلنا إنَّ كاتبَ الرِّوَايَة ترك الرؤى مفتوحة لمخيلةِ المُتلقي لمليءِ ذهنه بما يظن قبل الدخول إلى المتنِ السردي في هذه الرِّوَايَة.
وأنا أنهي قراءة الرِّوَايَة موضوع بحثنا، وجدت أنَّ الرِوائِي محمد إقبال حرب كان جريئًا في تناول ثيمات مواضيعها وصياغةِ أحداثها، بالإضافةِ إلى ما اِنطوت عليه الرِّوَايَة من مقاصدٍ اجتماعيَّة وإنسانيَّة وثقافيَّة ونفسيَّة، والتي تعكس في واقعِها الموضوعيّ تأملًا عميقًا لكاتبِها في الذاتِ الإنسانية، الأمر الذي حفزهُ على محاولةِ الغوص عميقًا في مشاهدِ الحياة اليوميَّة المؤثرة في شرايينِ المُجتمع؛ بغية طرق المتاح من الأبوابِ المُغلقة التي قدر لها أن لا تكون يومًا مفتوحة على مصراعيها بسببِ تمسك صانعي أحداثها بعدمِ إبراز مشاهدها الحقيقيَّة إلى العلن، والحرص على جعلِها مؤصدة على الدوام؛ بالنظرِ لارتباطِها على نحوِ وثيق بما هو مخفي من إيقاعِ حركة المُجتمع المعبِر في الكثير من تفاصيلهِ عن مثالبِ النَفْس التي يجهد أصحابها على طمسِ معالمها؛ لاعتباراتٍ تتعلق بما هو سائد من التقاليدِ والأعراف والقوانين، فجاءت أحداث الرِّوَايَة على نحوٍ مطرد متسق تعبيرًا عن إدراكِ الكاتب لبعضِ ما يدور في قاعِ المُجتمع الإنسانيّ من الدوافعِ والعواطف والنزوات التي ساهمت في نشوءِ العديد من السلوكياتِ السلبيَّة المزعزعة لاستقرارِ الحياة البشريَّة، والتي أفضت إلى تصدّعٍ كبير في جدرانِ المنظومةِ القيميَّة التي كفلتها جميع الأديان السماويَّة، ودعمتها – في تجلياتٍ ما بين الظَّاهِر والباطِن – جملة من القوانين الوضعيَّة، فكان أنْ عمدَ إلى اصطحابِ القارئ في رحلةٍ أدبيَّة شيقة لسبرِ أغوار تحديات الذات الإنسانيَّة المتمثلة بالغدرِ، الخيانة، هدر الكرامة الإنسانيَّة وغيرها من ألوانِ الظلم، حتّى أصبحت تلك الذوات حُبلى باِزدواجيةٍ في العدوانيَّةِ واِدعاء التسامح، فضلًا عما تعرضت لهُ عموم المنظومة القيميَّة من تقويضٍ في النمو بفعلِ ما أصابها من اضطرابٍ مشوب بمظاهرِ التخلخل والتشظي.
ما شدني في هذه الرِّوَايَةِ أيضًا، هو حداثة بناءها السرديّ الذي تميز بتكثيفِ الحوار، والحرص على إحداثِ الدهشة في أسلوبِ صياغة الخطاب، إذ يمكن القول إنَّ حربَ كان حاذقًا ومقتدرًا فيما نهج من أسلوبٍ في مهمةِ صياغة أحداث الرِّوَايَة التي تطلبت منه جهدًا مضاعفًا لبثِ الروح فيما دار من الحواراتِ التي ارتكزت على العميقِ من المشاهدِ الاِجتماعيَّة؛ للتعريفِ بأصالة الكرامة في الشخصيَّةِ الإنسانيَّة، وبيان العواملِ الأخلاقيَّة والعاطفيَّة (الأصيلة، أو الدخيلة) التي ساهمت في تحديد الملامح العامة لمستوى تلك الأصالة، والتي بدت في العديدِ من صورها الواقعيَّة سطحية وضعيفة خوفاً من العقابِ الاِجتماعيّ!.
ويبدو جليًا أنَّ الكاتبَ اِستمد أغلب المواقف والرؤى التي سجلها في فصولِ رِّوايته من واقعيَّةِ أحداث مُتراكِمة، ولاسيما القضايا المعاصِرَة ذات الأولويَّة التي كانت الرِّوَايَة بوصفها أداة تعبيريَّة منظورًا إليها، بعد أنْ أبدعَ في تطويعِ مضامينها وفقًا لفلسفته المعرفيَّة، ومرتكزًا في البناءِ السرديِّ على شموليةِ في الرؤيةِ الإنسانيَّة لجملةِ وقائعٍ وأحداث، ومعززًا إياه بمعرفةٍ واسعة في علمِ النفس الاِجتماعيّ، فضلًا عن قراءةٍ معمقة للأديانِ السماويَّة التي أظهر براعة في تناول ما احتاجَ من تعاليمِها في تعزيزِ وتدعيم حبكة الرِّوَايَة، حتى أنَّ البوذيَّة التي تُعدُّ بحسبِ أصحاب الشأن فلسفة أقرب منها إلى الأديانِ كان لها حضورًا فاعلًا في حيثياتِ البناء السرديّ.
ثمة ملاحظة أخرى ذات صلة بما سبقها، هي أنَّ الكاتبَ محمد إقبال حرب – وابتداءً من السطورِ الأولى – لجأ في كتابةِ المَلْعُون المقدَّس إلى سياقٍ فني مغمس بسعةِ المعرفة لتشكيلِ أحداث روايته وصورها التعبيريَّة الزاخرة بالمخايل، والذي منحه إمكانية تلمّسِ ما من شأنه المُساهمة في المُضي قُدُما بحراكٍ تطوّري صاعد في تأمين مخاضٍ حقيقي بوسعه أنْ يقودَ إلى فهمِ الذات الإنسانيَّة في شعورها، ونزواتها، وردود أفعالها التي تشتمل على تطلعاتها ورغباتها، وما تعيشها من صراعٍ أزلي، والذي اتاح له القدرة على الحراكِ بحريةٍ في وسطٍ شائك يقتضي الحذر في تجربتهِ هذه التي حاول من خلالها جاهدًا أنْ يرسىَ نمطًا من الكتابة السرديَّة التي تتعاضد في ثيماتها الموضوعات، وتتشابك وسط أحداثها مختلف الهواجس لأفرادٍ أغرقهم كاتب الرِّوَايَة في عوالمِ الفنتازيا.
وبصورةٍ عامة، تعكس رواية المَلْعُون المقدَّس رؤية حرب كاتبها لحيثياتٍ الفساد التي استقصاها من قراءةٍ معمقة لواقعٍ مُعاش، فجاءت مضامينها عميقة المغزى؛ تعبيرًا عن قناعةِ كاتبها المعرفيَّة والفكريَّة بما يعيش العديد من أفراد المُجتمع الإنسانيّ من أزماتٍ أخلاقيَّة واِجتماعيَّة وثقافيَّة ونفسيَّة، والتي تسببت في زيادةِ مُشكلات المُجتمع وتنامي مصاعبه. ولعلَّ من بين أبرز تلك الأزمات هو نكوص القيادات الإداريَّة عن أدنى واجباتها، والتي مردها من خلال تتبع خطاب شخصيات الرِّوَايَة، واِستقراء أحداثها، إلى سلوكياتٍ سيئة استهدفت المنظومة القيميَّة، حتى أصبح الإنسان أسير مغالطة نفسه في عمليةِ الاختيار؛ نتيجة الخضوع إلى مشاعرهِ ونزواته، وتعليل ذلك في الشكوى الدائمة من أناسٍ منزوعي الضمير تسببوا في ما لحق به من ظلمٍ، وما ألصقَ بهِ من تُهمٍ باطلة، فلا عجب إنْ تأرجحَ مفهوم “المَلْعُون – المقدَّس” لدى البعض من البشرِ ما بين رفض كلّ ما يخالف رؤاهم وتطلعاتهم غير المشروعة، ونعته باسمِ “المَلْعُون”، فيما يشيرون إلى كلِّ ما تواءم مع نزواتِهم ورغباتهم، ولاسيما المكبوت منها باصطلاحِ “المقدَّس”!.
ومن هذه الكوةِ الضيقة، والصعبة الهضم عند البعض، انطلق الكاتب بلغةٍ سلسة الاستيعاب عبر مشاهدات مترابطة ومتناسقة – لا يمكن الاستغناء عن إحداها – في محاولةِ النبش وسط تلك العلاقات المضطربة المليئة بالقلقِ، والطافحة بمختلفِ معانيّ الخوف بفعلِ ما طغى عليها مما تباين من الانفعالات الإنسانيَّة، وما شابها من سلوكياتٍ متطرفة، تسببت بمجملِها في إنتاجِ مواقف من شأنِها تجريد الفرد من إنسانيته، وحرمانه من الحياة تعسفًا.
تُعَدُّ رِّوَايَةِ المَلْعُون المقدَّس من الأعمالِ الأدبيَّة المهمة الراميَة إلى كشفِ المستور من الأفعالِ والمثالب والجرائم التي ترتكب – في كل زمان ومكان – ضد الإنسانيَّة في ظلِ متاجرة المستبدين بعناوينٍ وشعارات براقة تواءم عجز ما يعرف بـ (المُجتمع الدولي) عن كبحِ جماح الفساد المنظم بجميعِ أشكاله، وما أفرز من جرائمٍ يندى لها جبين الإنسانيَّة، بعد أنْ تفننَ المُفسد الذي ركن إلى السيرِ خلف عواطفٍ تُعْمِي صاحبها عن رؤية الأمور على حقيقتها في التجردِ من أسمى المشاعِر التي أودعها الباري عزّ وجلّ فيه، مرتكزًا على الاتقانِ في دفعِ غائلة التهم عن نفسه، وبراعته في تفنيدِ ما قام به من أعمالٍ مشينة!.
ختامًا أشد على يد الصديق العزيز الرِوائِي محمد إقبال حرب على ما قدم من عملٍ أدبيّ سلط فيه الضوء على إحدى الظواهر الاِجتماعيَّة الخطيرة التي أدت إلى تعميق أزمة المُجتمعات الإنسانيَّة، وبخاصة العربيَّة، فالرِّوَايَة هذه تُعَدُّ نافذة إنسانيَّة تستهدف إدخال النقاء في ثنايا مُجتمع مأزوم بتسلطِ ثقافة الفساد، داعية إلى التمسكِ بأهدابِ الاخلاق الكريمَة؛ لأجلِ إحداث تغير في السلوك، وما من شأنه المُساهمة في تعزيزِ الوعي بأهميةِ سلامة منظومة القيم.
***
_____________________
عنوان الرِّوَايَةِ: المَلْعُون المقدَّس.
اسم الكاتب: محمد إقبال حرب.
عدد صفحات الرِّوَايَة: (176) صفحة من القطع المتوسط.
الطبعة: الأولى 2021م.
الناشر: دار النهضة العربيَّة – بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.