قبسات نورانية من حياة الإمام الحسن العسكري / 1

قبسات نورانية من حياة الإمام الحسن العسكري / 1
بقلم : عبود مزهر الكرخي

الإمام أبي محمد الحسن العسكري هو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت(صلوات عليهم أجمعين)وقد استلم الإمامة من ابوه الأمام علي الهادي(ع). وقد لقّب بالعسكري لفرض الإقامة الجبرية عليه وعلى أبيه (ع) من قبل السلطة العباسية في سامراء التي كانت يومها معسكراً للجند، وكان الهدف من ذلك تشديد المراقبة على الإمام (ع) وعدم السماح له بالاتصال بأتباعه والمقربين منه. وقال الشيخ الصدوق (رض) : سمعت مشايخنا رضي اللَّه عنهم يقولون: إن المحلة التي يسكنها الإمامان علي بن محمد والحسن بن علي عليهما السلام بسر من رأى كانت تسمى العسكر(1)، فلذلك قيل لكل واحد منهما العسكري. ولهذا يقال في زيارة الامامين العسكريين (عليهما السلام).
وقد عاصر في فترة إمامته القصيرة ست سنوات حكومة ثلاثة خلفاء هم المعتز والمهتدي والمعتمد، وكانت المعاناة مع الدولة العباسية ما زالت شديدة(2).
ففي غضون حكم المعتز قُتل الكثير من الأبرياء وسجن من العلويين أكثر من سبعين شخصاً من ال جعفر وال عقيل، وبعد المعتز استلم المهتدي الخلافة، وسجن الإمام عليه السلام ، بل وحتى اتخذ قراراً بقتله إلا أن الأجل لم يمهله فمات المهتدي.
وحدث علي بن جعفر عن الحلبي: “كنا مجتمعين في العسكر (سامراء) ننتظر قدوم الإمام في يوم ذهابه إلى دار الخلافة، فوصلتنا رقعة منه فيها:
{ ألا لا يسلمنّ عليّ أحد، ولا يشير إليّ بيده، ولا يومئ، فإنكم لا تؤمنون على أنفسكم }(3). وهي تعكس بوضوح تام شدّة الرقابة ومدى الخطر الذي كان يحيط بالمقربين من الإمام، مما جعلهم يستغلّون الفرص والمناسبات للالتقاء به والتخفي عن أعين السلطة.
يقول أحمد بن محمد: “كتبت إلى أبي محمد (الإمام العسكري) حين أخذ المهتدي في قتل الموالي: يا سيدي الحمد للّه الذي شغله عنا، فقد بلغني أنه يتهددك، ويقول واللّه لأجلينهم عن جديد الأرض فوقّع أبو محمد عليه السلام بخطه: { ذلك اقصر لعمره، عدّ من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمر به”. فكان كما قال عليه السلام }(4).
وبعد المهتدي استلم المعتز زمام السلطة وفي عهده استشهد الإمام العسكري عليه السلام وقتلت معه مجموعة من العلويين، وتذكر بعض المصادر التاريخية أنه قد تم قتل بعضهم بأفجع صورة وحتى بعد القتل مثّلوا بأجسادهم(5).
دلائل الإمامة
من أهم الدلائل على إمامة الحسن بن علي (ع) الوصايا والنصوص التي صدرت من الإمام الهادي (ع) تنصّ على أن ولده الحسن هو الإمام من بعده، فقد ذكر الشيخ المفيد حوالي 10 من الروايات والمكاتبات في هذا المجال، وقال: «وكان الإمام بعد أبي الحسن علي بن محمد (ع) ابنه الحسن بن علي لاجتماع خلال الفضل، وتقدّمه على كافّة أهل عصره، فيما يوجب له الإمامة، ويقتضي له الرياسة من العلم والزهد وكمال العقل، والعصمة والشجاعة والكرم، وكثرة الأعمال المقرّبة إلى الله جلّ اسمه، ثم لنص أبيه عليه وإشارته بالخلافة إليه»(6)
وكالذي رواه علي بن عمرو النوفلي، الذي قال:
«كنت مع أبي الحسن (ع) في صحن داره، فمرّ بنا محمد ابنه، فقلت له: جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: لا صاحبكم من بعدى الحسن»(7).
فضائل الامام
روى الشبلنجي عن أبي هاشم داود بن قاسم الجعفري:قال: وكان الحسن (عليه السلام) يصوم في السّجن فإذا أفطر أكلنا معه من طعامه.
روى الكليني بإسناده عن عليّ بن عبد الغفّار، قال: دخل العباسيون على صالح بن وصيف، ودخل صالح بن علي وغيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عندما حبس أبا محمد، فقال لهم صالح: وما أصنع؟ قد وكّلت به رجلين من أشرّ من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصّيام إلى أمر عظيم، فقلت لهما: ما فيه؟ فقالا: ما تقول في رجلٍ يصوم النهار ويقوم الليل كلّه لا يتكلّم ولا يتشاغل وإذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ويداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين(8).
العلاّمة الشبراوي الشافعي: الحادي عشر من الأئمة الحسن الخالص ويلقب أيضاً بالعسكري… ويكفيه شرفاً أنّ الإمام المهدي المنتظر من أولاده، فللّه در هذا البيت الشريف والنسب الخضم المنيف وناهيك به من فخار وحسبك فيه من علو مقدار… فيا له من بيت عالي الرتبة سامي المحلة ، فلقد طاول السماء علاً ونبلاً ، وسما على الفرقدين منزلة ومحملا واستغرق صفات الكمال ، فلا يستثنى فيه بغير ولا بإلاّ ، انتظم في المجد هؤلاء الأئمة ، انتظام اللآلي وتناسقوا في الشرف فاستوى الأول والتالي ، وكم اجتهد قوم في خفض منارهم والله يرفعه…(9).
وقد شهد له أبوه الإمام الهادي (عليه السلام) بسموّ مقامه ورفعة منزلته بقوله الخالد : « أبو محمد أنصح آل محمّد غريزة وأوثقهم حجّة وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف وإليه تنتهي عُرى الإمامة وأحكامها ، فما كنت سائلي فسله عنه ، فعنده ما يُحتاج إليه »(10).
وفي جزئنا القادم إن شاء الله سنلقي الأضواء على دور الأمام الحسن العسكري(عليه السلام) في التمهيد لأبنه الأمام المهدي(عجل الله فرجه الشريف)إن كان لنا في العمر بقية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ علل الشرائع، ج1، ص230.
2 ـ الطبري، محمد بن جرير، دلائل الامامة، ج1، ص223.
3 ـ الراوندي، الخرائج والجرائح، ج 1، ص 439.
4 ـ الارشاد، المفيد، ص324.
5 ـ راجع: مقاتل الطالبين، ص690 685.
6 ـ المفيد، الارشاد، 1428، ص 495 – 497.
7 ـ الكليني، أصول الكافي، ج 1، ص 324.
8 ـ الكافي – الشيخ الكليني – ج ١ – الصفحة ٥١٢. منشورات المكتبة الشيعية.
9 ـ الاتحاف بحب الاشراف : 178. اعلام الهداية، الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام. الباب الاول
الفصل الاول. الإمام الحسن العسكري عليه السلام في سطور . منشورات مكتبة أهل البيت.
10 ـ الكافي : 1 / 327، 328 ح 11. اعلام الهداية، الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام. الباب الاول الفصل الاول. الإمام الحسن العسكري عليه السلام في سطور . منشورات مكتبة أهل البيت.