* قانون الانتخابات والارادة الشعبية المتحققة 

*لقد صوت و أقر مجلس النواب العراقي، الثلاثاء 24/12/2019 قانون الانتخابات الجديد، بعد خلافات لأسابيع بين القوى السياسية على بعض بنوده بأغلبية عدد الأعضاء الحاضرين، على مواد القانون بما في ذلك المواد الخلافية المتعلقة بالنظام الانتخابي، ويعتمد القانون الجديد على نظام الدوائر الانتخابية المتعددة، وهو ما كان يطالب به المحتجون والقوى السياسية المؤيدة لهم، وسط معارضة بعض القوى.*
*مما لا شك فيه من ان قانون الانتخابات في البلاد الذي يسعى الى اراء الشعب لادارة الحكم من الاهمية الكبيرة التي يستقطب حيزا مميزا من الاهتمام بوصفها الوسيلة التي تنتقل بها السلطة وتتجدد بها دماء الديمقراطية و يجب أن تكون لديهم ثقافة الانتخابات وتستوعب فلسفة قانونه الجديد و قانون الانتخابات ضمن أدوات انبثاق منظومة الحكم، ويعد من أهم القوانين التي تعمل وتسمح بإعادة تكوين السلطة وتمثيل الشعب تمثيلاً عادلاً وحقيقياً. فإذا كان قانون الانتخابات هزيلا ، غالباً ما تكون الانتخابات هزيلة الشكل والمضمون، فبناء انتخابات على قانون لا يسمح بالمنافسة الديمقراطية الحقيقية ستكون مآلات الفاعلية للمنبثق عنه هزيلة أيضا.*
* وليس مستغربا بعد ذلك من ان يشغل القانون الذي ينظم حيزا واسعاً من الاهتمام من جانب المعنيين وحتى المواطنين العاديين . ومثل هذا الامر ينسحب من باب اولى على دولة غابت عنها الديمقراطية ردحا طويلا كالعراق واستورثت تركة ثقيلة من السمات والنزعات الاجتماعية الاقصائية والتسلطية التي جعلت من السلطة غنيمة، ومن تداولها عبر قنوات الشرعية امرا غير مستساغ للقابضين عليها . وهذا ما فسر عسر ولادة قانون الانتخابات واحتدام الجدل والتجاذب حوله والذي امتد الى جولات عديدة في اللجنة القانونية اولا وداخل قبة البرلمان العراقي ثانياً ليتمخض بالنهاية عن الصيغة الاخيرة للقانون الذي تم امراره . وقد صوت النواب في البداية على 14 مادة من القانون دون مشاكل ولكن حين جاء دور المادة 15 التي تشكل مع المادة 16 اهم فقرتين في القانون حتى ضج البعض في المجلس بالاعتراض علي هذه المادة والتي يطالب بهما الحراك الشعبي الذي خرج الى ساحات التظاهر في بغداد ومحافظات وسطى وجنوبية مطالبا بقانون جديد لانتخابات مبكرة ينهي سيطرة الاحزاب الحالية على المشهد السياسي العراقي منذ 16 عاما من خلال الترشيح الفردي الكامل وليس الترشيح عبر القوائم المعمول بها طيلة تلك السنوات ليكون عبر الترشيح الفردي بنسبة 100 % وهو ما رفضته بعض القوى والأحزاب الحالية التي ترى فيه اقصاءً لها من المشهد وكانت تطالب بأن يتم تقاسم المقاعد النيابية بنسبة 50% لمصلحة القوائم و50% للتصويت الفردي ولكن بعد انسحاب نواب الاحزاب الكردية وبعض القوى السنية لدى الوصول الى التصويت على هذه المادة ورفضهم تأجيل التصويت عليها وعلى المادة 16 ما اخل بنصاب الحضور واضطر رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ودفعه الى الاشارة الى وجود جانب فني واخر سياسي في طلب تأجيل المادتين 15و16 في مشروع قانون منوها الى ضرورة حسم مسألة الدوائر الانتخابية وكوتا النساء.. مؤكدا على ان مشروع القانون بحاجة الى رؤية واضحة بعيدا عن الاجتهاد والى تأجيل الجلسة حتى مساء الاثنين ثم الى يوم الثلاثاء حيث تم اكمال التصويت على جميع مواد القانون البالغة 50 مادة.. *
*الحقيقة ، ان كل المواد التي ذكرت في قانون الانتخابات لمجلس النواب ليست لها قيمة وجميعها إدارية، و ان ما يغير القانون الجديد وجوهر الانتخابات هما المادتان 15 و16 وتنص المادة 15 على نوعية الترشح للانتخابات بقائمة واحدة أو عدة قوائم أو الترشح الفردي، فيما تتضمن المادة 16 على تقسيم العراق إلى دوائر متعددة وليس دائرة انتخابية واحدة ومن دونهما لا يمكن اعطاء قيمة للانتخابات او لا توجد انتخابات اصلاً و لإتاحة الفرصة لصعود المستقلين والكتل الصغيرة .*
*لهذا فمن الطبيعي والضروري أن تتغير الخارطة الانتخابية والحزبية بعد ١٦ عاماً من الفشل والفساد والخداع وتجارة الأوهام والضحك على الناس، وينبغي على الجميع الإستفادة من العبر والدروس حتى يبرز الاتفاق عن مستقبل سياسي ايجابي للشعب العراقي، وهذا يتطلب أن تفهم الأحزاب والقوى السياسية أن حبل الاقصاء والوعود الجوفاء قصير، وأنّ الشعب العراقي أذكى من مناوراتهم وشعاراتهم التي لا تغني ولا تسمن من وجوع، عليهم أن يتفهموا أن ساعة التأمل ومراجعة الذات والجدية على صياغة وتقديم رؤى وبرامج واقعية تقنع الناس وتنفع البلاد والعباد قد حانت، من المهم إن إقرار قانون الانتخابات الجديد وبالصيغة التي تم الاتفاق عليها أمر مهم جداً في تاريخ العملية السياسية وتاريخ الديمقراطية في العراق، و يعني ان الوضاع بدأت تمضي في المسار الصحيح، ، لأن كل ما جناه الشعب من مشكلات طوال السنوات الماضية هو بسبب قوانين الانتخابات والمفوضية التي تم تصميمها لصالح القوى والأحزاب النافذة بينما هذا القانون سوف يقوض ولأول مرة سلطة الأحزاب النافذة ويسمح بالتعددية الحقيقية**.*
*عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي*