في ذكرى الولادة العلوية المباركة / 2

في الذكرى الولادة العلوية المباركة / 2
بقلم : عبود مزهر الكرخي

واذا اردنا ان نتعمق في المسيرة السامية لأبي تراب فسوف نشاهد انها كلها تفوح منها النفحات الآلهية والتي أختص بها أمير المؤمنين عن باقي لأنه كان منذ ولادته كان برعاية الله ورسوله ولذلك تفرد عن باقي البشرية من الأولين والآخرين بصفات الكمال الآلهي ليكون متفرداً في هذه الشخصية العظيمة والفريدة بعد نبينا الأكرم محمد(ص)والذي هو كفله ورباه ورعاه منذ ولادته وهذا كان الله ورسوله يحبه وهو يحب الله ورسوله وهذا ما جاء بالحديث الشريف يوم خيبر حيث : عن سعد بن أبي وقاص قال : وسمعته -أي النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) يقول يوم خيبر : ( لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) قال : فتطاولنا لها فقال (ص ) : ( ادعوا لي عليا ) فأتي به ارمد فبصق في عينه ودفع الراية اليه ففتح الله عليه(1).
فالذي يقول عنه الرسول الاعظم يحبه الله ورسوله ومن حاز هذا الحب فقد فاز فوزاً عظيماً وهو في اعلى عليين سواء في الدنيا والآخرة وهو في أعلى جنات الخلد والذي بها يختص جل وعلا برحمته الواسعة مصداقاً لقوله في كتابه الحكيم {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(2)والذي تفضل به الله سبحانه وتعالى على سيد الوصيين وأمام المتقين الأمام علي.
وقد بلغ في زهد وعدل أمير المؤمنين مالم يؤت به احد من الأولين والآخرين بعد رسول الله(ص) حيث يروي وقال المولى صالح الكشفي الحنفي:” كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) دخل ليلة في بيت المال يكتب قسمة الأموال، فورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ (عليه السلام) السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك فقال (عليه السلام): كان زيته من بيت المال لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه”(3).
وفي احدى خطبه يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (والله، لقد رأيت عقيلا، وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرر علي القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل، يا عقيل! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟ (4).
وفي حادثة أخرى سأل معاوية عقيلا عن قصه الحديدة المحماة المذكورة وقد ذكر مادار مع الأمام علي ومعه ثم يختمها بقوله : ثم قرأ: (إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل يسحبون) (5) ثم قال: «ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك» فجعل معاوية يتعجب، و يقول: هيهات هيهات! عقمت النساء أن يلدن مثله! (6)وهنا يقصد أخيه أمير المؤمنين.
وهذا يدلل على ان عقيل لك لم يكن الى جانب معاوية ضد الامام علي(ع) وما روي من أن معاوية قال يوماً و عقيل عنده : هذا أبو يزيد ، لو لا علمه بأني خير لـه من اخيه لما أقام عندنا و تركه . فقال عقيل : أخي خير لي في ديني ، و أنت خير لي في دنياي ، و قد آثرت دنياي ، و أسأل الله خاتمة خير(7).
قال معاوية : يا أهل الشام ، ما ظنكم برجل لا يصلح لأخيه ؟
فقال عقيل : يا أهل الشام، إن أخي خير لنفسه وشر لي، وإن معاوية شر لنفسه، و خير لي (8).
و على حسب رواية حميد بن هلال : أنه بعد ان أتى معاوية ، و أعطاه مئة ألف ، قال له معاوية : اصعد المنبر فاذكر ما أولاك به علي ، و ما أوليتك فصعد ، فحمد الله و أثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني أخبركم : أني أردت علياً على دينه ، فاختار دينه ، و أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه(9).
و على حسب رواية هشام بن عروة : إن معاوية قال لعقيل يوماً : يا أبا يزيد ، أنا خير لك من اخيك علي ؟
فقال : إن أخي آثر دينه على دنياه ، و أنت آثرت دنياك على دينك ، فأخي خير لنفسه منك لنفسك(10).
وان اغلب الروايات تجمع بان عقيل لم يترك الامام والتحق بمعاوية وكل الحقائق تفند ذلك.
ولو اردنا التعرض للعدالة العظيمة التي سنها أمير المؤمنين ومولى الموحدين لكان لزاماً علينا أن نكتب كتب بل وحتى مجلدات والتي حتى تلك لا تحيط بهذا المحيط العظيم لعدل وعلم الأمام علي(ع)ولكن ان فقط نقول أن العدالة والمساواة كانت نصب عينه وكانت ملازمة له في وجوده وكيانه ولهذا جاء قول الأمام علي في أن «في العدل صلاح البرية»(11)لتأتي اقواله في العدل وهي و قال عليه السلام: و قال عليه السلام:«في العدل الاقتداء بسنة الله و ثبات الدول». (12) «في العدل الاحسان»(13).و قال عليه السلام: «العدل حياة و الجور هلاك»(14).
لقد كان عليه السلام يسد جوعته بكسرة خبز يابسة و يأتدم الملح ليكون مستوى معيشته كأضعف الناس، فإنه يقول: «إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفه الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره»(15).
وهذا السلوك السامي لأمير المؤمنين هو كان نتاج تربية الرسول صلى الله عليه و آله، قد أشار عليه السلام إلى ذلك بأن الرسول قد احتضنه طفلا و رباه كما في خطبته عليه السلام القاصعة. حيث يذكر أمير المؤمنين ويقول { وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ( صلى الله عليه وآله ) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى }(16).
نعم إن عدالة علي عليه السلام التي نشأت من العدل الالهي و سعيه لتطبيقه، قد أصبحت نموذجا واضحا لكل القادة و طلاب العدالة على مر القرون، و مصداقا مشرفا للإنسان المسلم المتكامل الذي يستطيع أن يكون قدوة في جميع المجالات و خاصة في مجال الحكومة، و نرى ذلك القدوة العظيمة يعرف نفسه بقوله: «إنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة يستضيء به من ولجه، فاسمعو ـ أيها الناس ـ و عو، و أحضروا آذان قلوبكم تفهموا»(17).
و أخيرا اشير إلى كلمة لجورج جرادق يقول فيها: «ما ضرك أيتها الأيام لو جمعت قواك و طاقاتك فأنجبت في كل زمان إنسانا كعلي عليه السلام في عقله و روحه و نفسه، في كلامه و بيانه، و في قوته و شجاعته»(18).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ صحيح مسلم ج 7 ص 120. فتح الباري شرح صحيح البخاري حديث 3973، ص546. مسند أحمد ج 1 ص 99 و 185 و ج 5 ص 333 و 353 و 358 .
2 ـ [آل عمران : 74]
3 ـ موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ – محمد الريشهري – ج ٤ – الصفحة ٢٢١ منشورات المكتبة الشيعية. إحقاق الحق: ٨ / ٥٣٩، المناقب المرتضوية: ص : 365. الإمام علي بن أبي طالب (ع) – أحمد الرحماني الهمداني – الصفحة ٦٦٩. منشورات المكتبة الشيعية.
4 ـ نهج البلاغة، خ 222. موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ – محمد الريشهري – ج ٤ – الصفحة ٢٢١ منشورات المكتبة الشيعية. وقد روى الطبري في التاريخ بسنده عن عباس بن الفضل، عن أبيه، عن جده ابن أبي رافع، نحوه. تاريخ الطبري، ج 4، ص : 119.
5ـ سوره غافر، .71
6 ـ شرح ابن أبي الحديد، ج 11، ص 253.
7 ـ شرح النهج للمعتزلي : 11 / 251 ، و أسد الغابة : 3 / 423 ، و الاستيعاب هامش الإصابة : 3 / 158 ، و ذخائر العقبى : 222 عنه ، و تاريخ الخميس : 1 / 163 عنه ايضاً ، و السيرة الحلبية : 1 / 268 . و نكت الهميان : 201 .
8 ـ عيون الأخبار لابن قتيبة : 2 / 197 .
9 ـ تاريخ الخلفاء للسيوطي : 204 ، و السيرة الحلبية : 1 / 268 .
10ـ أنساب الأشراف ط الأعلمي : 73 / 2 .
11ـ غرر الحكم، ج 4، ص 402، ح .6491
12ـ نفس المصدر، ج 4، ص 403، ح .6496
13 ـ نفس المصدر، ج 4، ص 401، ح .6482
14 ـ نفس المصدر، ج 1، ص 64 ـ 57، ح 216 و .246
15 ـ نهج البلاغة، الخطبة .200
16 ـ المصدر السابق الخطبة 234، المعروفة بالقاصعة و هي طويلة و محل الشاهد منه، ص 802، من المصدر.
17 ـ المصدر السابق، ص 746، الخطبة 229.
18 ـ الإمام علي صوت العدالة الانسانية، ج 1، ص .49

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.