فيلسوف المعرة فى بغداد

 
كانت الندوة هذا الشهر متميزة في المقهى الثقافى العراقى بلندن يوم الأحد 26 نيسان 2015 بإدارة الدكتور عبد الحسين الطائى حيث تحدث باختصار عن المعرى وعن الباحث الدكتور نبيل الحيدرى وكتبه واهتمامه بالمعرى
ثم الكلمة للأستاذ نبيل الحيدرى عن فيلسوف المعرة خلال فترة إقامته ببغداد وأثرها الكبير عليه، ثم كانت الأسئلة والمداخلات متميزة لحضور نوعى متميز من الكتاب والمثقفين العراقيين نساءا ورجالا حيث امتلأت القاعة بالحضور والإستماع والتفاعل فكانت بحق من الندوات الرائعة المتميزة. 
ملخص المحاضرة:
كانت بغداد مدينة العلم ودار الخلافة وحاضرة الإسلام ومركز الحضارة وتلاقح الفكر وملتقي الأشراف والتجار والأدباء والمثقفينإزدحم الناس على بغداد من كل أطراف الدنيا وسميت (دار السلام) حيث يقصدها الشعراء والأدباء والعلماء في شتي الفنون والمعارف والآدابكانت بغداد كعبة العلم والادب فيها ماء عذب وظل ظليل وعلم جم وأدب ثري وكل ما تشتهيه الأنفس
يصفها طه حسين (كانت بغداد كباريس الىوم فلاتري في العالم الإسلامي شابا أتم الدرس في بلده إلا وهو يتحرق شوقا الى الرحلة الى بغداد ودراسة العلم فيها من أصفي موارده وأعذب مناهله …)
وكانت بغداد مقصد صيادي الثروات من المرتزقين بالشعر عند ابواب الخلفاء والامراء ولكن المعري كان عف النفس زاهدا لم يرتزق بشعره، ولقد رد شعرا على من غمزه بمظنة السؤال قائلا:
أنبئكم أني على العهد سالم ووجهي لما يبتذل بسؤال
وأني تيممت العراق لغير ما تيممه غيلان عند بلال
أبو العلاء المعري كان يحب بغداد كثيرا وقد دعاه البغداديون الىها، بعد أن ظلمه أمير حلب حتي كتب (والله يحسن جزاء البغداديين فقد وصفوني بما لا أستحق وعرضوا على أموالهم ودعوني الى بلادهم)
وجد البغداديون المعري غير جذل بالصفات ولاهش الى معروف الأقوام
قصد المعري بغداد سنة 398 هجرية منتصف الثلاثينات من عمره وأخذ سفينة للرحيل لكن ولاة السلطان أخذوا السفينة وصادروها مما اضطره الى طريق آخر خطير وصعب حتي وصل بغداد قائلا:
وبالعراق رجال قربهم شرف هاجرت في حبهم رهطي وأشياعي
على سنين تقضت عند غيرهم أسفت، لا بل على الأيام والساع
كما أرسل المعري رسالة الى خاله أبي القاسم جاء فيها (ورعاية الله شاملة لمن عرفته ببغداد فقد أفردوني بحسن المعاملة وأثنوا على في الغيبة وأكرموني دون النظراء)
هو القائل: لنا ببغداد من نهوي تحيته فإن تحملتها عنا فتحييتا
كذلك: متي سألت بغداد عني وأهلها فإني عن آل العواصم سآل
إذا جن ليلي جن لبي وزائد خفوق فؤادي كلما خفق الآل
ان وجود المعري ببغداد كان سببا في الكثير من الاحداث والمنازلات الشعرية والادبية والمذهبية والفكرية في جو المدينة المحتقن اصلا بشتي المدارس والنزعات الادبية والعقائد الفكرية والتيارات المختلفة
لقد صادف يوم وصوله موت الشريف الطاهر والد الشريفين الرضي والمرتضي، وحصلت قصص ووقائع منها إنشاد الأشعار في المتوفي شاعرا بعد آخر، حتي قام أخيرا المعري بقصيدته الرائعة ومطلعها
أودي فليت الحادثات كفاف مال المسيف وعنبر المستاف
وما أن سمع الشريفان قصيدته التي هزت كيانيهما حتي نزلا الىه إجلالا سائلين: لعلك أبا العلاء المعري
قال نعم
فأكرماه وقدماه ورفعا مجلسه ثم استأثرا به
مع ذلك كله كانت بغداد تمتحن الوافدين وهكذا كان الإمتحان صعبا مستصعبا في المعري لكنه نجح بتفوق وتميز
نادرين كأعجوبة الدهر وفريد العصر
عشق المعري بغداد وماءها، قائلا:
شربنا ماء دجلة خير ماء وزرنا أشرف الشجر النخيلا
عرضت علىه كتب بغداد من مدينة العلم وبيت الحكمة وكثير من خزائنها فكان كما قال ابن الفضل (جعل المعري لايقرأ علىه كتاب إلا حفظ جميع ما يقرأ علىه)
تحدث نبيل الحيدري قصصا عديدة عن شدة ذكائه وفرط ذاكرته، وحديث عن اللزوميات وسقط الزند ورسالة الغفران وغيرها وتم اختيار قصائد معينة ومناقشتها وحكمه الكثيرة التي صارت مضربا للأمثال وما تميز به عن غيره
منها: في سقط الزند
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا تجاهلت حتي ظن أني جاهل
فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعبر قسا بالفهاهة باقل
وقال السهي للشمس أنت ضئيلة وقال الدجي للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة وفاخرت الشهب الحصي والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
ثم ذكر قصصا أربعة في الحوار والجدل بين المعري والمرتضي
منها قول المعري
يد بخمس مئين عسجد وديت مابالها قطعت في ربع دينار
تناقض مالنا الاالسكوت له وان نعوذ بمولانا من النار
يقصد ان الىد اذا قطعت كانت ديتها تعادل خمسمائة دينار عسجد هذه الىد نفسها تقطع اذا سرقت ربع دينار وهويتساءل عن ذلك وتناقض مسكوت عنه يعوذ به من النار . وعندها ردّ علىه المرتضي
عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
ولايذكر عادة ابو العلاء في بغداد دون ان تذكر مصادمته الشهيرة مع الشريف المرتضي ، فهذا الاخير حين حاول الانتقاص من الشاعر المتنبي رد علىه ابو العلاء صاحب كتاب خاص في المتنبي، منوها بمطلع لامية المتنبي الشهيرة
لك يامنازل في القلوب منازل
وفطن الشريف المرتضي لبيت القصيد لأن هذا البيت ليس من أروع قصائده: ان المعري يرد على انتقاصه للمتنبي بقول المتنبي في القصيدة نفسها
واذا اتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي باني كامل
وقصص أخري أكثر ظرافة بين المعري والمرتضي
ثم ذكر الحيدري المجالس الكثيرة المختلفة والمتنوعة في بغداد ودور المعري فيها فلم يترك شاردة ولاواردة دون ان يحاول معرفتها ،فجالس الادباء وحاور الفلاسفة واصحاب الملل والمذاهب ولم يكن يكتفي بالقراءة عنهم
بل كان يذهب الى الىهم ويحاورهم ويناظرهم مباشرة
ثم الحديث عن محنته في بغداد وتركه لبغداد في عوامل خمسة شرحها المحاضر نبيل الحيدري
بقي المعري عاشقا لبغداد متأسفا على تركها متمنيا الوفاة فيها، قائلا
يا لهف نفسي على أني رجعت
الى هذي البلاد ولم أهلك ببغدادا
كذلك قال المعري
فبئس البديل الشام عنكم وأهله على أنهم قومي وبينهم ربعي
وعند خروجه من بغداد خرج معه الكثير من البغداديين لتوديعه فقال قصيدته في وداعها
نبي من الغربان ليس على شرع يخبرنا ان الشعوب الى صدع
وبقي يذكر بغداد ويري انها لاتقارن بغيرها من العواصم:
متي سالت بغداد عني واهلها فاني عن اهل العواصم سآل
ويحن الى ربوعها:
ياعارضًا راح تحدوه بوارقه
للكرخ سلمت من غيث ونجيتا
لنا ببغداد من نهوي تحيته …
فإن تحملتها عنا فحييتا
يا ابن المحسن ما أنسيت مكرمة
فاذكر مودتنا إن كنت أنسيتا
سقيًا لدجلة والدنيا مفرقة ..
حتي يعود اجتماع النجم تشتيتًا
خيلاء المعري اوقدها ضجيج عاصمة الدنيا وتزاحم الخلق والاهواء والمهارات
قال مفتخرا وهو في بغداد
اني وان كنت الاخير زمانه لات بما لم تستطعه الاوائل
ولعل هذا التفاخر والنزعة لاستعراض النفس والبراعات اللغوية التي لاتجاري هي من دفعت ابا العلاء الى بغداد لينازع ادبائها شرف البلاغة وينتزع منهم وهو الاعمي الاعتراف بقدراته التي تفوق قدرات المبصرين
ثم مالبثت ان اطفاها العمر والعزلة في المعرة ، اذ لم يعرف عن المعري افتخارا بعد رحلته عن بغداد رغم غزارة ماانتجه في معرة النعمان.
وما أن رجع الى سوريا، حتي حبس نفسه الى آخر حياته (رهين المحبسين) بل سماها أيضا السجون الثلاث.
واصبح شيئا من الهجاء في (اللزوميات) ، فهو بعد عودته للمعرة ولزومة بيته، الزم نفسه وشعره بشئ من التشاؤم على نفسه واعماله وصار يطرق مواضيع فلسفية لم يالفها ادب العرب كمثل تبشيره بالنبتانية:
فلاتاكلن ما اخرج الماء ظالما
ولاتبغ قوتا من غريض الذبائح
ولاتفجعن الطير وهي غوافل
بما وضعت فالظلم شر القبائح
ودع ضَرب النحل الذي بكرت له
كواسب من ازهار نبت صحائح
وهناك مقولته المشهورة عندما وصف له الطبيب فروجا في مرضه فتحسسه وصاح : استضعفوك فاكلوك ، هلا اكلوا شبل الاسد
وفي ذلك تصريح استعراضي من ابي العلاء فمن ذا الذي يريد اكل شبل الاسد حتي لو اصطاده او اصطاد الاسد نفسه! ثم ان الثيران تؤكل وهي ليست بالضعيفة جسديا!
ومضي ابو العلاء في شعره
عللاني فان بيض الاماني فنيت والدهر ليس بفان
ويبلغ القمة في نظرته الى الحياة :
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولاترنم شاد
وشبيه صوت النعي اذا قيس
بصوت البشير في كل ناد
ابكت تلكم الحمامة ام غنت
على فرع غصنها المياد
ان حزنا في ساعة الموت
اضعاف سرور في ساعة الميلاد
ولعل في تباين نفسية ابي العلاء في مقاميه في عاصمة مثل بغداد حيث انفتاحه وزهوه وافتخاره وتفاؤله وبين عزلته في بلدة صغيرة مثل المعرة مادة خصبة لعلماء النفس ليتدارسوا تاثير البيئة على مزاج الانسان وعاداته الىومية بل وعلى معتقداته الدينية والفكرية خصوصا اذا كان ذا اعاقة جسدية كالعمي الذي ابتلي فيه ابو العلاء منذ صغره وشدة الإبتلاءات والمحن التي عاناها
لذلك كان أبو العلاء المعرى من المتميزين شعرا وفكرا وأدبا وفلسفة ومعارف فى عصر ذهبى للأدب والفكر والجدال والترجمة والسجالات المختلفة
لازالت آثاره تدل على روعته خصوصا اللزوميات ورسالة الغفران وسقط الزند وعبث الوليد والفصول والغايات وزجر النابح وملقى السبيل ورسالة الصاهل والشاحج ورسالة الملائكة والرسالة السندية ورسائله المختلفة.
كان المعرى محل اهتمام الكثير ممن كتبوا عنه مثل طه حسين وعباس محمود العقاد وبنت الشاطئ وأمين الخولى وهادى العلوى وعبد الله العلايلى ولويس عوض ويوسف البديعى وعمر رضا كحالة وعلى كنجيان ويوحنا قمير وياقوت الحموى ويوسف سركيس ويوسف أسعد داغر والقفطى وابن العديم وغيرهم.
أسهب الباحث نبيل الحيدرى أيضا فى الحديث عن اهتمام المستشرقين مثل نيكلسون ووليم واط وماركليوث وغولدزيهر وبوشه وأغناطيوس وكريمر وهيار وسلمون وأوخو وبروكلمان وماسنيون وبلاسيوس.. بعد التعريف بكل مستشرق ونتاجاته وسر اهتمامهم بالمعرى فقد ترجمت اللزوميات مثلا إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية وغيرها.
كما شرح نبيل الحيدري رسائله الكثيرة جدا والمختلفة والإهتمام الكبير بها كمصادر فى دراسة المعرى
كانت رسالة الدكتوراه لطه حسين (تجديد ذكرى أبى العلاء) ثم وجد نفسه مقصرا فى أبى العلاء ليرفده ب (مع أبى العلاء فى سجنه). ثم مقالات ودراسات مختلفة لاحقة وشبّهه طه حسين بباسكال الفرنسى فى الرياضة والفكر والفلسفة والإبداع.
فى مهرجان ذكرى أبى العلاء المعرى بدمشق عام 1944 ألقى طه حسين كلمته فى إبداع المعرى ثم تلاه الشاعر الكبير محمد مهدى الجواهرى قصيدته فى المعرى قائلا:
قف بالمعرة وامسح خدها التربا.. واستوح من طوّق الدنيا بما وهبا
واستوح من طبّب الدنيا بحكمته.. ومن على جرحها من روحه سكبا
وسائل الحفرة المرموق جانبها.. هل تبتغى مطمعا أو ترتجى طلبا
أبا العلاء وحتى اليوم ما برحت.. صناجة الشعر تهدى المترف الطربا
يستنزل الفكر من عليا منازله.. رأس ليمسح من ذى نعمة ذنبا
وزمرة الأدب الكابى بزمرته.. ثفرّقت فى ضلالات الهوى عصبا
على الحصير وكوز الماء يرفده.. وذهنه، ورفوف تحمل الكتبا
أقام بالضجة الدنيا وأقعدها.. شيخ أطلّ عليها مشفقا حدبا
بكى لأوجاع ماضيها وحاضرها.. وشام مستقبلا منها ومرتقبا
وللكآبة ألوان وأفجعها.. أن تبصر الفيلسوف الحر مكتئبا
تناول الرث من طبع ومصطلح.. بالنقد لا يتأبّى أية شجبا
لثورة الفكر تاريخ يذكّرنا بأنّ.. ألف مسيح دونها صلبا
وما أن سمعه طه حسين، وهو الجالس جواره حتى قام طالبا إعادة البيت الأخير وتكراره لوقعه وإبداعه قائلا
بأن ألف ألف مسيح دونها صلبا.
فأعاده الجواهرى بصيغته الجديدة محاكيا كلام طه حسين وإضافة ألف أخرى على الألف الأولى قائلا
لثورة الفكر تاريخ يذكّرنا كم.. ألف ألف مسيح دونها صلبا
فقال له طه حسين هذا بقية شعر العرب ديمومة الشعر العباسى.. أنت أشعر العرب.
يقول الجواهرى معقبا على ذلك فى لقاء تلفزيونى لاحق، نظرت إلى طه حسين وإلى كثرة أوجه الشبه مع المعرى فى البصر والذكاء والأدب والتميز والإبداع فقلت لطه حسين: أنت معرى زماننا
ثم الحديث عن قصة وفاة المعري الغريبة تاركا ما يزيد على سبعين مصنفا.
وقد رثاه أكثر من ثمانين شاعرا آنذاك منهم القائل
العلم بعد أبي العلاء مضيع والأرض خالىة الجوانب بلقع
ما كنت أعلم وهو يودع في الثري أن الثري فيها الكواكب تودع
لو فاضت المهجات يوم وفاته ما استكثرت فيه فكيف الأدمع
رفض الحياة ومات قبل مماته متطوعا بأبر ما يتطوع
قصدتك طلاب العلوم ولا أري للعلم بابا بعد بابك يقرع
إنه البصير بين عميان تمايز عنهم بحكمة وفلسفة وبصيرة خرق الحجب فوصل الى معدن معرفة (فيلسوف العرة)
ثم فتح الدكتور عبد الحسين الطائى الباب للحوار فكانت أكثر من ثلاثين سؤالا ومداخلة حيث أجاب عنها الحيدرى بعلمية وموضوعية مما جعلها بحق ندوة رائعة متميزة حضورا وتفاعلا واداءا

نشر بواسطة المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.