فلسفة مبسطة: ما هي الفلسفة؟

بقلم: نبيل عودة

“علامة” من المفكرين الدينيين ( لا ضرورة لتحديد هويته الطائفية) رفض مقالاتي الفلسفية بقوله ” ان الفلسفة هي ابتكار صليبي استعماري يجب ان لا نعتمدها في فكرنا، لأننا نملك ما هو أهم وأعظم من فلسفة الكفر التي يروجها الصليبيون”. رددت عليه : تطورت الفلسفة في بلاد الإغريق قبل ميلاد المسيح ب 600 عام، وقبل ظهور الحملات الصليبية بأكثر من الف وخمسمائة عام. تعاملت الفلسفة الإغريقية مع الظواهر الطبيعة وفسرتها بدل إقامة اله لكل ظاهرة طبيعية، لذلك عرفت باسم “الفلسفة الطبيعية”. الفلسفة ليست تيارا دينيا، تعني “حب الحكمة” وليس حب المسيحية او المسيح او الصليبيين. الفلسفة اليوم هي موسوعة التجربة الإنسانية وتطور العقل الإنساني، وهي الحد الفاصل بين العتمة التي عاش بها الإنسان سابقا وبين النور الذي تعيش فيه البشرية اليوم.
هل باستطاعتك أيها العلامة ان تفسر لي كيف تطور الفكر الإنساني؟ ما هي المراحل التي قطعها الفكر في التاريخ البشري؟ هل يمكن الفصل بين تطور الفكر والعلوم، الفيزياء، الرياضيات، علوم الفلك، علوم المجتمع، الانسنة وتطور الفلسفة؟ هل خوفك من الفلسفة هو بسبب ما تطرحه من الأسئلة الأكثر أهمية في حياة الإنسان ” هل تخاف من انتشار هذه الأسئلة في محيطك الاجتماعي؟ مثلا تطرح الفلسفة سؤالا هاما ما زال يشغل الفلاسفة والعلماء الذين يتعاملون مع العلوم عن نشوء الأرض، عن تطور الإنسان وليس مثل حضرتك علامة بتفسير الخرافات والغيبيات. الفلسفة تبحث في مسالة كيف خلق الكون. بالنسبة لك هذا السؤال ليس ضروريا، من يسأله يجب جلده مائة جلدة لأنه لم يحفظ ما لقن في المدرسة مع أساتذة مشلولي العقل. هناك أسئلة ممنوع طرحها، التفكير فيها ضلال ما بعده ضلال ، مثلا هل الأرض كروية أم مسطحة؟ ام تقف على قرني ثور ام تسبح فوق المياه؟ ما الذي يجعل الأرض سابحة في الفضاء؟ لا ذكر لذلك في التوراة مثلا. كل ما ذكرته التوراة ان الله خلق الأرض؟ كيف خلقها؟ كروية؟ مسطحة؟ بيضوية؟ هل جعلها مركز الكون؟ أم جعلها كوكبا آخر من ملايين او مليارات الكواكب؟ بعضها بحجم الأرض وبعضها أكبر من الأرض؟ هل صنع الله كل ذلك بسبعة أيام ؟ ما دام خلق الله الأرض إذن ارادته المؤكد ان تكون مركز الكون.. فخلق لها النجوم والقمر والشمس التي تدور من حولها؟ نقض هذا الأمر كلف عالم الفلك العظيم الراهب المسيحي كوبرنيكوس حياته لأنه عارض الكنيسة باكتشافه مركزية الشمس وأن الأرض تدور حولها وتدور حول محورها، أي خالف إرادة الله! حتى غاليلو جرى احتجازه حتى موته، بعد ان تراجع شكليا عن مركزية الأرض في الكون، وإلا كانوا سيسلقونه بالماء المغلي لكفره بتعاليم الكنيسة التي كانت تصر ان الأرض هي مركز الكون والشمس هي التي تدور حولها. . تماما كما نسخ عنها الآخرون! من يقول ذلك اليوم سيتهم بالجنون.هناك شيخ مفتي سعودي (الباز) كتب “كتابا عظيما” اسمه “الصقر المنقض على من ادعى كروية الأرض”! لأن الأرض حسب يقينه وعلمه مسطحة مثل عقله والشمس تدور من حولها!!
الحياة البشرية كانت مليئة بالتساؤلات. التفكير لم يتوقف في محاولة متواصلة لإيجاد أجوبة يقبلها العقل.مثلا كيف تغيب الشمس وكيف تشرق؟ هل توجد حياة بعد الموت؟ هل هناك اله واحد أم عشرات الآلهة؟ او لا يوجد اله إطلاقا؟ كيف ينبت الزرع؟ لماذا تتغير الفصول؟ كيف يحدث البرق والرعد؟ هل من اله مسئول عن البرق والرعد؟ عن البحار؟ عن الأسماك؟ عن الزراعة؟ هل زيوس ما زال اله الشمس؟ هل من اله للحرب واله للسلم؟ هل من اله شر واله خير؟ هل من اله للحب؟ هل من اله (او إلهة) للجمال؟ آلاف الأسئلة التي تعتبر اليوم بديهية؟ لكنها كانت أسئلة مصيرية في تطور الإنسان والعقل البشري. تطور الفلسفة الإغريقية الطبيعية قاد الى تخلي الإنسان عن مئات الآلهة .. راجعوا الميثولوجيات الإغريقية والرومانية..
ليس بالصدفة ان من مميزات الفلسفة إدهاش الإنسان بالحقائق، وحتى تصبح فيلسوفا، او عاشقا للفلسفة، يجب ان تندهش من عالم الفلسفة الواسع.
من المؤكد ان الأسئلة الفلسفية تشغل البشر، لكن من يصبحون فلاسفة هم أقلية. هم أولئك الذين يملكون القدرة على التفكير العقلاني والتعمق بالمواضيع والجرأة في اكتشاف الحقائق الجديدة.
الفلسفة الحديثة لم تتوقف أمام ما أنجزته الفلسفات القديمة، بل تواصل بلا كلل تطوير المفاهيم وتوسيع الوعي المعرفي للإنسان.
هناك مسائل تبدو بديهية لا تحاج إلى فلسفة. الواقع ان كل تصرف هو بناء على وعي فلسفي، قد يكون وعيا مضطربا، وقد يكون وعيا على اسس عقلانية او علمية سليمة، مثلا حسام يبحث عن فتاة يحبها وتحبه. هل هي فلسفة أيضا؟
الجواب أجل بدون تردد.
لا أهمية لنجاح حسام أو عدم نجاحه بتحقيق حلمه. بدون فلسفة لا يوجد إنسان، بل دواب تأكل ، تجتر، تجامع، تقاتل وتموت بدون هدف إنساني، عندما تكتشف أنها ضُلت أو ضللت، سيكون الوقت متأخرا !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.