فشل الانموذج الامريكي للديموقراطية

فشل الانموذج الامريكي للديموقراطية       

ادهم ابراهيم

الديمقراطية هي نظام سياسي بمؤسسات ، يسمح للمواطنين بالتعبير عن توجهاتهم في اختيار ممثليهم في السلطة التنفيذية والتشريعية .
وبذلك فان الشعب يساهم في عملية صنع القرار السياسي عن طريق ممثليه .
وهي تختلف عن الأنظمة الأوتوقراطية التي تصادر حرية الفرد ، وتحتكر سلطة اتخاذ القرار .

هذا تعريف عام للديموقراطية . ولكننا نجد في حقيقة الامر ان كثير من السياسيين يجدون صعوبة في تنفيذ وعودهم ، فتزداد الهوة بين الحكومة والمواطن الذي يشعر بان السياسيين قد خذلوه ، نتيجة خدمتهم لفئة قليلة من الناس .

يقول آل غور في كتابه “المستقبل” “إن السياسيين ضعفاء ، ومختلون وظيفيا ، وخاضعون لمصالح الشركات” .

فغالبا ما تستخدم الشركات النظام السياسي لتأمين مصالحها ، من خلال تمويلها للحملات الانتخابية أو جماعات الضغط بميزانيات كبيرة ، ولذلك نجد ان اختراق الشركات للسياسة اصبحت ظاهرة راسمالية تدفع باتجاه سياسات استحواذية وكارتلات ضخمة .

كما نجد الحركات الشعبوية المناهضة للفكر الليبرالي قد استغلت الديموقراطية فاخذت بالتصاعد ، وقد تؤدي الى انهيار سلطة القانون .
ومايثر القلق أن الدول ذات الديمقراطيات العريقة قد اهتزت من قبل القوى السياسية الشعبوية التي ترفض المبادئ الأساسية للديموقراطية الليبرالية مثل مبدأ فصل السلطات ، وضمان حقوق الشعب بكل فئاته . اضافة الى استهدافها للأقليات في تعاملاتها التمييزية .

وتشهد الولايات المتحدة كل هذه المظاهر المنافية لروح الديموقراطية، “بالرغم من ادعائها بانها رائدة الديموقراطية في العالم”  بعد ان سيطرت الحركات الشعبوية والشركات الكبرى على مفاصل العملية الديمقراطية فيها ، وصادرت كل مميزاتها .
يقول جورج نادر ان الديموقراطية في امريكا اصبحت ضعيفة ومتهالكة . ديمقراطية تسيطر عليها  الشركات ، التي تتحكم بكل مفاصل الحياة السياسية .

كما نشرت مجلة “تايم” الأسبوعية الأمريكية تعليقا تحت عنوان “أزمة فيروس كورونا الجديد في الولايات المتحدة فشل للديمقراطية”، كشفت فيه الأسباب العميقة التي أخفقت بسببها الحكومة الأمريكية والكونغرس في رعاية مصالح  الجمهور أثناء مكافحة الوباء .
وان هذه الأزمة لا تتمثل في فشل آلية الصحة العامة الأمريكية، وإنما في فشل النظام الديمقراطي .
وأكد التعليق أن الحكومة الأمريكية حكومة يحكمها عدد قليل من الناس، فيما تخدم أقل القليل من الأشخاص. لذلك يعاني الشعب الأمريكي من محن كثيرة . 

وقد أثارت تصريحات الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب بشأن حدوث “تزوير” في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية انقساما واضحا في المجتمع الامريكي ونكسة للديموقراطية فيها .
وتصاعدت أجواء التوتر والقلق نتيجة شكوكه في نتائج الانتخابات الرئاسية ، رغم فوز منافسه جو بايدن .
واتهم الديمقراطيين “بمحاولة سرقة الانتخابات” .
وبالمقابل هدد بايدن باللجوء الى القضاء اذا ماعرقل ترامب تسليم السلطة بسلاسة .

هذه هي الديموقراطية الامريكية التي سعت اداراتها لترويجها في منطقة الشرق الاوسط .
وباشرت هذه المهمة عند احتلالها للعراق تحت ذريعة نشر الديموقراطية ، ولكن على طريقتها . حيث قدموا احزابا دينية طائفية وقومية لتقود العملية السياسية ، فاستأثرت بالانتخابات على مر السنين عن طريق تشريعات ظالمة تضمن بقائها في السلطة ، وتشكيل مفوضية غير مستقلة للانتخاب تتالف من اعضاء حزبيين ، كما تم تزوير ارادة الناخبين في اغلب المناطق ، حتى حرموا العناصر الوطنية والكفوءة من الوصول الى البرلمان . كل ذلك لضمان مصالح الكتل والاحزاب الحاكمة التي نهبت اموال وممتلكات الدولة ، وخربت الصناعة والزراعة ، وتوقفت عن تقديم الخدمات العامة للمواطنين على عموم العراق .

اذا” هذا هو الانموذج الامريكي للديموقراطية الذي بشروا به وارادوا تعميمه على كل المنطقة العربية ، لتقسيم المقسم . حيث صرح جميع رؤوساء الولايات المتحدة الامريكية منذ عام 2003 بانهم سيبنوا تجربتهم الديموقراطية الجديدة في العراق لتكون انموذجا فريدا في المنطقة العربية والشرق الاوسط .

لقد ثبت من خلال الواقع ان الديمقراطية الامريكية محكوم عليها بالفشل لانها ديمقراطية مزيفة ادت الى تجزأة المجتمع ، كما ستنهار تجربتها “الديموقراطية” في العراق لانها وضعت على وفق اسس تقسيمية واهية لاتستجيب لمتطلبات الشعب العراقي .

اننا نرفض الديموقراطية على وفق الانموذج الامريكي لكونها شكلية وغير منصفة ، الا اننا مازلنا بحاجة  الى ديموقراطية مبنية على اسس عادلة حتى يكون الشعب كل الشعب جزءً لا يتجزأ من عملية صنع القرار السياسي.

ان حاجتنا لديمقراطية عادلة تستند على  ضرورات حضارية ووجودية، حيث تعد واحدة من أهم الحلول لمشاكل المجتمع ، وبالتالي فهي ليست خياراً مطروحاً نأخذه، أو نتركه بل هي نظام حياة متكامل.

ولكن لاينبغي اختزال الديموقراطية بالجانب السياسي او بصناديق الاقتراع فقط بل يتوجب سن تشريعات تنظم مؤسسات المجتمع المدني ، وتوفر الفرص المتاحة أمام الجميع، مع الالتزام بمبادئ العدل والانصاف .
ولذلك فاننا نريدها ديموقراطية حقيقية تستند على المساواة من خلال منظومة اجتماعية متكاملة تراعي كل الطبقات والطوائف والقوميات ، لاديموقراطية شكلية .

حيث لا يمكن تصور ديموقراطية بلا عدالة اجتماعية حيث انهما متلازمتان وجودا وعدما .

ومن هذا المنطلق يجب تصحيح المفاهيم الديموقراطية الحالية التي اصبحت عبئا على المواطن . وربطها  بتطلعات المواطن في التوزيع العادل للثروة . فهذا هو الطريق الوحيد لتحقيق الديموقراطية الشعبية بعيدا عن الانموذج الامريكي المهزوز الذي ثبت فشله . 

ادهم ابراهيم