حكمت البخاتي/مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

 

لقد وردت أقدم إشارة الى العرب في القرن التاسع قبل الميلاد في مدونات الأشوريين في عصر ملكهم شلمنصر الثالث أو الثاني، وقد عنوا بهم أهل البادية التي تقع غرب مملكة آشور وهي المنطقة الممتدة بين غرب العراق وجنوب سوريا والأردن، وذكرت لهم ملكا يقال له جندبوا أو جندب، وقد جاء ذكرهم في كتابات البابليين بلفظ ” أماتوا رابي ” أي بلاد العرب أو ارض العرب، وكذلك ورد ذكرهم في نص فارسي مكتوب باللغة الاخمينية يعود الى عصر دارا الكبير بلفظ “عرباية “، وفي النصوص العبرية فان عرباية هو الوادي الممتد إلى شرق البحر الميت، ويرجح اشتقاق اسم العرب من مصدره أو اسمه. ولم تخرج تلك التسميات عن معاني البداوة والإعرابية والجفاف والفقر في تلك النصوص التاريخية وفق المؤرخ د. علي جواد.

 وتعدد ذكر العرب في نصوص عديدة من التوراة لاسيما في أشعيا وأرميا، ونسبت لهم تلك النصوص ملوكا ورؤساء ومشايخ وأثارا في الحروب والمعارك وكانت تطلق عليهم اسم ” العرب ” وأحيانا ” الإسماعيليين ” او ” القيداريين ” نسبة إلى قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم النبي، وذكر العرب في التوراة يرجع تاريخه الى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد وصولا إلى القرن الثاني قيل الميلاد وفق د. جواد.

 وأشارت التوراة في نصوصها عن العرب إلى طبيعة البداوة المتأصلة فيهم، ولم تعن بملوك العرب في وصف رؤسائهم بملوك دول أو أمارات، بل تعني رؤسائهم القبليين وشيوخ عشائرهم، وورد ذكر العرب لدى مؤرخ الإغريق اسخيلوس في القرن السادس قبل الميلاد بحديثه عن ضابط عربي من رؤساء العرب في جيش احشوريش، ثم طرق ذكرهم المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوتس في القرن الخامس قبل الميلاد، وكانت معارف الإغريق قد تطورت عن العرب وعرفوا بلادهم وحدودها، ولم تكن هوية العرب لديهم سوى أقوام من البدو وقبائل من الرحل على طريقة فهم الحضارات السابقة في المنطقة للعرب، ولم تسعفنا تلك المصادر القديمة ولا المصادر التي كتبت بعدها من رومانية ونصرانية وسريانية بحديث عن نظم سياسية واقتصادية وعسكرية مبرمجة وفق نظام الدولة لدى العرب، فالدولة لم تكن مألوفة عند العرب منذ مبدأ وتميز كيانهم الاجتماعي والجغرافي، فقد عنت تلك النصوص واهتمت بهوية العرب وحدود بلادهم دون شيء يذكر عن دولهم ونظم الحكم لديهم، سوى إمارات قبلية تعيش أو تتكون على هوامش الدول والإمبراطوريات الكبرى آنذاك كالفارسية الإيرانية والرومانية الوثنية والمسيحية، ولا تدخل دول اليمن القديم في خارطة العرب السياسية قبل الإسلام فاليمن تنفصل عرقا وحضارة وثقافة عن العرب ولم يكن يطلق اسم العرب على أهل اليمن إلا بعد الإسلام، بل اقتصر هذا الاسم على عرب الشمال في المناطق الممتدة بين الحجاز وبلاد الهلال الخصيب كما يستنبط من هذه النصوص المتقدمة الأشورية والعبرية والفارسية والإغريقية والرومانية، وهي لم تعن إلا سكان هذه البلاد من شمال الجزيرة العربية دون جنوبها اليماني، وكان الإخباريون العرب القدامى يميزون بين العرب العاربة ويعنون بهم أهل اليمن والعرب المستعربة ويعنون بهم عرب الشمال، ورغم عدم الوثوق العلمي والتاريخي بهذا التمييز، إلا انه يكشف عن التمييز في الهوية والثقافة والتاريخ وعدم وحدة الأصل القومي لكلا القومين.

غياب مفهوم الدولة في الوعي العربي

نشأت دولة المدينة بعد الهجرة الدينية التي قادها النبي محمد ” ص ” من مكة وتهيأت له أسباب السياسة والاقتصاد وقوام الاجتماع الديني فيها من إقامة دولته التي انطبقت عليها معايير الدولة من إدارة وحدود وقانون، وكانت نسخة فريدة من نوعها في التأسيس على مستوى الدول الكبرى آنذاك، وفريدة في ترتيب هيكلها وبناء وظائفها وأولوية مهامها، فلم يعهد العرب في تاريخهم نموذجا مثل دولة النبي محمد (ص)، ورأت فيها الدول الكبرى آنذاك صورة غير معهودة في التأسيس التشريعي والتبريري لها، فحاكمها نبي وقانونها كتاب منزل من السماء وغايات نظامها تقترن بالله، ولم يكن العرب المسلمين ليطلقوا عليها مسمى الدولة أو وصفها بصفة دولة، ولم يأت شيء من هذا القبيل سوى قول أبي سفيان للعباس بن عبد المطلب ” لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ” وذلك بعد الفتح وقد أجابه العباس بقوله “أنها النبوة وليس الملك”.

 ونتيجة عدم رسوخ مفهوم الدولة عند العرب أو في ذاكرة العرب فانهم كانوا لا يطلقون اسم الدولة على ممالكهم أو حيازاتهم السياسية، بل كانوا يقرنون تلك الحيازة السياسية باسم من قام بها أو وليها بالقوة أو الإرث، بل لم يكونوا يطلقوا عليه اسم ملك إلا مجازا ودون توسع في إطلاقه، بينما كانوا يشيرون إلى الأمم الأخرى باسم الممالك والى رؤسائهم باسم الملوك، وهو ما فعله مؤرخ الإسلام الأول أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي عام 310 هجرية في تاريخه الشهير باسم تاريخ الطبري، واتبعه المؤرخ ابي الحسن علي ابن الحسين المسعودي المتوفي عام 346 هجرية في تصنيف أمم وملوك الأرض قبل الإسلام في كتابه مروج الذهب، وكذلك فعله ابي احمد بن ابي يعقوب بن جعفر اليعقوبي المتوفى سنة 284هجرية في كتابه تاريخ ابن واضح أو تاريخ اليعقوبي، وسلك هذا المسلك ابن خراذابة في كتابه المسالك والممالك.

 وعليه اتفقت كلمة المؤرخين وتوافقت عليه أرائهم في التاريخ السياسي للشعوب والأمم المجاورة للعرب، وكان هؤلاء المؤرخين لا يستخدمون كلمة أو لفظ الدولة في وصف حالة العرب السياسية أو وصف نظامهم السياسي ضمن حدوده الإدارية، وكذلك لم يستخدموا لفظ او كلمة “مملكة” في توصيف هذه الواقعة السياسية شأنها شأن الدول والممالك الأخرى، ونجد اضطراب التوصيف التاريخي عند أولئك المؤرخين واضحا بيننا، فنجد المؤرخ الطبري يستخدم توصيف أو كلمة “خلافته” في مفتتح الحديث عن قيام أو بدء خلافة احدهم من الراشدين إلى الأمويين إلى العباسيين، لكن دون إن يصف دولهم وممالكهم باسم الخلافة، فيقول افتراضا دولة الخلافة الراشدة أو الأموية أو العباسية، ونجد المؤرخ ابن الأثير المتوفي عام 630هجرية يتابعه على ذلك، لكن المؤرخ المسعودي يضفي كلمة الخلافة على الراشدين والعباسيين دون الأمويين الذين يوَصف حكمهم بالأيام، فيقول أيام معاوية وأيام يزيد إلى أخر ملوكهم ويستثني من ذلك عمر بن عبد العزيز فيقول ” خلافته “، لكنه أيضا لا يعوَل على توصيف دولهم باسم دول الخلافة، وأما المؤرخ اليعقوبي فانه يستخدم كلمة أيام في وصف حكم الراشدين والأمويين والعباسيين ويقتصر بكلمة الخلافة على حكم علي ابن ابي طالب وابنه الحسن (عليهما السلام) لكنه لا يصف الدولة بهذا الوصف، وهي تذكرنا باشتقاق الدولة في اللغة من أصل التداول في الأيام وعدم ثباتها ورسوخها وهو ما يحيل إليه قوله تعالى ” وتلك الايام نداولها بين الناس ” أو ما استساغته الذاكرة العربية في اشتقاق مسمى الدولة منها.

 وتعكس تلك النصوص التاريخية المواقف الأيديولوجية – الدينية لهؤلاء المؤرخين التي ارتبطت بفكرة الخلافة، وهي فكرة ظلت مزلزلة على مستوى الذاكرة الدينية والفقهية – السياسية للأمة، وقد تسببت بالنتيجة في زلزلة مفهوم الدولة في الرؤية الدينية الإسلامية، وتعكس نصوص المؤرخين هذه أيضا تزلزل مفهوم الدولة في الذاكرة التاريخية العربية، وبعد ان عجز المؤرخون القدامى عن توصيفها بوصف او باسم دول الخلافة ظل المؤرخون المتأخرون ينسبون هذه الدولة إلى رجالها وحكامها وتاريخها إلى تاريخ أولئك الرجال والحكام وأسماء الدولة إلى أسماء أسرهم وعائلاتهم فقالوا الدولة الأموية نسبة بني أمية، والدولة العباسية نسبة إلى بني العباس.

 انه تغييب لمفهوم الدولة بأقصى صوره في الوعي الاجتماعي العربي، وقد ترتب عليه انحسار أي دور سياسي للعرب في هذه الدولة بعد استمرار التهميش لمفهوم الدولة في الفكر الديني السياسي عند العرب الذي ركز وانحسر بحدود السلطة ومفهوم الخلافة دون الدولة.

 لقد استمر أو اقتصر الجدل الفقهي عند العرب المسلمين حول الإمارة الشرعية والأحكام السلطانية، ولم يجتهد في استنباط مبادئ الحكم والعدل من قواعد الإسلام ليجعلها قواعد الحكم في الفقه الإسلامي التي تؤسس للدولة أو لمفهوم الدولة، بل نجد قواعد هذا الفقه هي الإمارة وشروط البيعة وصفات الحاكم وفق ما تمليه المصالح، وهي بذلك ظلت تؤسس وباستمرار لمفهوم السلطة الذي اختزل مفهوم الدولة في الذهنية العربية وتماهت الدولة بالسلطة تماما مع مرور الوقت في التاريخ العربي الوسيط والحديث.

غياب العرب تاريخيا عن الدولة

 بعد أن تماهت الدولة بالسلطة وانحاز الفقه الديني السياسي–السني إلى جانب السلطة وتغييب معنى الدولة إلا في حدود السلطة، وبعد ان غض هذا الفقه النظر عن فكرة العدل في الرعية والقسمة بالسوية التي أشغلت فقهاء الإسلام الأوائل وعلى ذلك بايعوا زيد ابن علي ابن الحسين وفي مقدمتهم فقهاء العامة والسنة، ولم تشهد قوانين الدولة العربية–الإسلامية تطويرا على مستوى الحقوق والواجبات، وتطويرا نظريا على مستوى أنظمة الحكم السياسي مثلما كان يحدث مع الإغريق في تطوير نظريتهم السياسية في الحكم أو مع الرومان في تطوير قوانين الحكم لديهم، مما أفقد العرب القدرة على الاستمرار في إدارة الحكم وديمومة نظامهم السياسي لأنهم لم ينشئوا علما في السياسة خاصا بهم ومنعكسا عن أحوالهم، بل جل ما اعتمدوا عليه في السياسة هي حكم ووصايا أردشير، واستسلم الفلاسفة فيهم إلى طوباوية المدينة الفاضلة أو مدينة أفلاطون الخيالية، وكان العقل السياسي لدى هؤلاء الفلاسفة ينحو منحى أخلاقيا لا صلة له بواقع السياسة الدنيوية التي حرص الفقهاء منهم على تغليفها بالرؤية الدينية، مما اوجد كل تلك الازدواجية في سياسة دول الخلافة الإسلامية وصارت تعبيرا عن الازدواجية الإسلامية، والتي واحدة من صورها وجوب طاعة الحاكم الجائر، مما شكل تراجعا واضحا على مستوى الرؤية–النظرية في الفقه السياسي الإسلامي–السني، وهو جزء من التراجع الحضاري والثقافي الإسلامي العام الذي شهده هذا العصر في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.

 وكان هذا التراجع يتزامن مع انزياح العرب المسلمين شيئا فشيئا عن الدولة والسلطة، لان العرب لا خبرة لديهم في أداء الدولة ووظائفها بعد إن فقدوا علما خالصا في السياسة خاصا بهم، ثم هم لا قدرة لهم في خدمة السلطان ومطالب السلطة وهم أهل بدو ومغنم، وقد بدأ هذا الانزياح أو الانسحاب للعرب عن الدولة والسلطة مع استعانة المعتصم العباسي المتوفي عام 227 هجرية بالترك لقيادة الحرب ومن ثم في قيادة الدولة وهم بادية أجلاف لا شأن لهم بالحضارة والدولة، فاشتكى أهل بغداد من أفعالهم فابتنى لهم المعتصم مدينة سامراء وفيها صارت إدارة الحكم والدولة وبعهدة هؤلاء الترك، حتى إذا جاء من بعده المتوكل المتوفي عام 247 هجرية وأبنائه استفحل أمر الترك والعجم واخضعوا السلطان والبلاد لحكمهم وبلائهم، فانقضت شوكة العرب وانكسرت أيامهم ولم يعد لهم ذلك الصوت والسلطان في دولة بني العباس فانكمشوا عن البلاط وعن قصور السلطان حتى انكمشوا عن الحواضر ولجأوا إلى القرى والأرياف لإدارة المزارع والإقطاعات والتصق اسمهم بالقرى والأرياف، فإذا قال قائل جئت من العرب فان مراده لدى السامع مجيئه من الريف أو القرى التي تحيط ببغداد، وظلت هذه التسمية ماثلة في الأذهان إلى زمن قريب من عصرنا وهي تعود إلى ذلك العصر العباسي، وهو ما أثر تاريخيا على قبول الفكر المدني ونظمه الاجتماعية والسياسية عند العرب.

 ولم يسلم العرب على تلك القرى والأرياف بعد خراب نظام الري لاسيما في عصر السلاجقة، فانكسرت السدود وفاضت الأنهار وكان أخطرها فيضانات دجلة الموسمية، فأغرقت الزرع والأرض ولم يعد لهم مصدر عيش في تلك القرى والأرياف، فعادوا إلى الصحراء موطنهم الأول وامتهنوا من جديد الغزو وقطع الطرق والكر والفر، بعد إن ملك الأمر والحكم في القرنين الرابع والخامس الهجريين أقوام العجم من البويهيين والسلاجقة فأهملوا العرب أي إهمال ولم يعتمدوا عليهم في أمر من أمور الدولة والحكم بل أقصوا عن الحواضر والعواصم، وهنا نشهد في هذا التاريخ ظهور البدو وقطعهم الطريق بين بغداد ومكة أو بين حواضر الإسلام والحج إلى مكة إلا بعد دفع الإتاوة والرسوم لهؤلاء البدو من العرب في الصحراء، بل وفي بعض السنين انقطع الحج عن مكة بسبب هؤلاء الإعراب الذين لجئوا إلى تلك الوسائل بعد إن انقطعت بهم سبل العيش والحياة في المدن والحواضر لأنهم عرب لا يمتون بصلة إلى الأقوام الحاكمة من الأعاجم من ترك وفرس، وكانوا غالبا ما يهددون حدود المدن بغاراتهم من اجل الغنيمة والسلب، ومنهم بدو خفاجة وعقيل وبني هلال.

وحين ينقطع مجتمع عن المدينة فانه ينقطع عن الدولة، وحين ينقطع عن الدولة فانه ينقطع عن السياسة، وتلك حكاية وتاريخ العرب في السياسة وجهلهم بإدارة الدولة، وبعد انتهاء عصر بغداد وأهميتها السياسية والحضارية وقلة اهتمام الدول بها وتحولها إلى ولاية تابعة للسلطان التركي–العثماني، طرق أبوابها العرب من جديد وسكنت قبائلهم على حدودها وضخت من عناصرها وإفرادها إلى بغداد وصارت خزان لمجتمع بغداد كما يقول حنا بطاطو، لكن هذا حدث في عصور متأخرة كان ولاتها من الترك والممالك ولم يكن للعرب فيها حظ من السياسة أو لا يسمح لهم بالعمل فيها، فانخفضت تجربة العرب في السياسة واختفت إرادتهم في الحكم وسياسة النظم.

 حتى إذا بدأ القرن العشرين وبدأت معه ملامح انهيار الدولة العثمانية بادر الغرب ودول الاستعمار إلى تنفيذ مخطط تقاسم أملاك دولة الرجل المريض فاستعانت تلك الدول بالعرب من أهل البلاد وأبناء الأرض في إدارة تلك الدول الناشئة حديثا وبهوية قومية عربية وبنظام وصاية لا يسمح بتطوير خبرات العرب السياسية وهي بالأصل ضعيفة وغير ماهرة نتيجة قرون من الإقصاء والتهميش وعدم إشراكهم في الحكم منذ النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. وهو ما أورث ذلك الجهل عند العرب في السياسة وأعجزهم عن بناء دولهم وتأسيس مجتمعاتهم السياسية الحديثة.