عزيز بالإسم وبكل شيء

 

تمر في الخامس عشر من نيسان الجاري الذكرى السنوية لتغييب المفكر العراقي الكبير عزيز السيد جاسم الذي كان واحدا من قامات الأدب والفكر والسياسة في العراق طوال عقود من الزمن، وغيبه نظام صدام حسين بعد مواقف إنسانية وسياسية عالية بدرت منه رفضا لسياسات الحكم الدكتاتورية خاصة بعد غزو الكويت عام 1991 وظهور بوادر دكتاتورية مطلقة وتغييب للكفاءات وسيطرة حزبية على مقاليد الأمور، والنكوص الذي طال الثقافة العراقية، والتراجع في الأداء الفكري، ومنع الصحفيين والكتاب والمثقفين من أخذ دورهم في بناء الدولة بعد تكريس سلطة الإستبداد.

لايعرف حتى اللحظة كيف تم تغييب عزيز السيد جاسم صاحب العشرات من المؤلفات الفكرية والدينية والسياسية والأدبية الذي ترأس تحرير عدد من الصحف والمجلات المهمة في سبعينيات القرن الماضي، وكان معلما من معالم الأدب والثقافة والحراك الفكري المميز فقد رفض عزيز السيد جاسم تلك السياسة التي إتبعها النظام والتي كرست سلطة الفرد، وألغت الجميع بينما كان عزيز السيد جاسم واحدا من قلائل كانوا ينادون بالتغيير، وبناء مشروع الدولة الحديثة وهو المشروع الذي إصطدم برؤية خاصة بالنظام تمثلت برغبة المحافظة على السلطة وبأي ثمن، فكان أن قمعت السلطات الإنتفاضة الشعبية التي إندلعت بعد الخروج الصادم من الكويت، وكان عزيز واحدا من المتصدين لحملة التضييق على الفكر والإنسان والقمع التي مورست ضد طبقات إجتماعية وبقسوة متناهية لم يعرف لها التاريخ مثيلا فكان الرد أن يتم تغييبه، ولم يعرف مصيره حتى اللحظة.

المؤلفات التي عبرت عن عزيز السيد جاسم وتطوره الفكري ونوع الموقف الذي يصدر منه كانت علامة بارزة على التضحية التي يمكن أن يقدم عليها المثقف في سبيل شعبه، ولايبالي بالنتائج خاصة حين يصل الى قناعة أن لاحل بوجود سلطة الإستبداد، وتحكم مجموعات بشرية لاعلاقة لها بالثقافة ولا بالديمقراطية، وهي ثقافة لم تكن من خصوصيات ذلك النظام، بل صورة لصيقة بكل سلطة، وفي كل زمان كما يشير وبوضوح تاريخ الدولة العراقية القديم والحديث.

لاشك في أن التجارب المرة التي عصفت بالعراق طوال عقود القرن المنصرم شكلت عاملا مهما في توجهات عزيز السيد جاسم. فقد كانت ميوله اليسارية سببا في القطيعة مع نظام صدام حسين الذي كان يريد له أن يكون جزءا من ماكينته الإعلامية، وقد أجبر على الحضور واللقاء به لكنه كان عظيم التمرد في ذاته، وسرعان ماإنسلخ عن ذلك التوجه، وصار يبحث عن وسائل الخلاص التي جوبهت بقسوة النظام، ولم تشفع له عشرات المؤلفات الفكرية في أن تغير من طبيعة نظام كان يعمل ضد الفكر، ويرى الأفكار تهديدا للسلطة، ويجب كبتها بأي ثمن. فكانت مديرية الأمن العامة، وسجن أبي غريب شكلا من أشكال ذلك الكبت الرهيب، حتى تم تغييبه عام 1991 وإنتهى به الأمر الى سجن سري، والواضح إن النظام قتله ليتخلص من ذلك الفكر الحر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.