عائلة خلاصجي… واحدة من أشهر العوائل العراقية اليهودية

العوائل العراقية اليهودية

العوائل العراقية اليهودية

مازن لطيف
 عائلة خلاصجي من العوائل اليهودية العراقية العريقة والمعروفة برجالاتها  وبثروتها وجاهها وشعبيتها ونظمها للشعر الشعبي وشهرتها الكبيرة، وقد تميزت  باهتمامها بالزراعة وانتاج الشلب في مدينة الديوانية، وخاصة في منطقة  الشامية، حيث امتلكت هذه العائلة الكثير من الاراضي الزراعية

 فضلاً عن تشغيلها للكثير من المزارعين الذي يعملون عندهم.
ويذكر نعيم جلعادي ان عائلة خلاصجي هي بالأصل من آل هارون وهي عائلة كبيرة ومهمة من عائلات (الشتات البابلي)، وبعدها تحت حكم العثمانيين، غيّروا اسم عائلتهم وصاروا يعرفون بآل خلاصجي ومعناه (تخليص الذهب الخالص من المعدن الرخيصة، تمهيدا لارساله الى دار الضرب في اسطنبول).
الجد الاكبر هو “الياهو” الذي ولد عام 1780 وتوفي عام 1870. خلف 5 أولاد منهم هارون وداود الذين سوف  اتطرق لهم.  وسوف نتكلم عن اثنين من احفاده وابنائهم وهم سلمان ابن هارون وعزرا ابن داود.
يذكر الأديب الأستاذ عزت معلم بكتابه “على ضفاف الفرات” ص 123 ما يلي: ” في عام 1875 قدم الى بلدة الشامية من بلدة الكفل عزرا خلاصجي وزوجته حبيبة بصحبة والده داود ووالدته فريحة. وكان عزرا قد أقام شركة بالاشتراك مع التاجر هداوي الحسن لالتزامات رسوم الحكومة التركية كالاحتساب لاستيفاء الرسوم على الحمولات التي ترد بالنهر وتصل البلدة، وكذلك الاخماس التي تستوفي على الخضروات. ثم أقام عزرا مطحنة (مجرش) لدرس الاشلاب (سنابل الارز) وتسويقها الى بغداد. كما شيد الدور والحوانيت وغرس الاشجار والنخيل في عدة بساتين.”
ويضيف الأستاذ عزت معلم بكتابه ويقول: “كذلك اشتركت هذه العائلة بنشاطات زراعية منها تأسيس مقاطعات زراعية مع الشيخ شعلان السلمان الظاهر رئيس عشيرة الخزاعل، كذلك مع مزارعين من عشيرة كوام الحمزة.”
ومن الجدير بالذكر ان الشامية هي احدى اقضية الديوانية الخمسة. وقد خلف التاجر الحازم عزرا خلاصجي ثلاثة اولاد هم الياهو، نسيم ومنشي وابنتين هما زبيدة ولولو. وقد اهتم الاولاد بالزراعة وبالارض ولاسيما الاراضي الزراعية وإنتاج الشلب في الديوانية وخصوصا في الشامية حيث كان افخر انواع الرزالعنبر في الديوانية يسمى “تمن خلاصجي” ، ولكثرة أراضيهم وممتلكاتهم والاعداد الكبيرة من المزارعين الذين يعملون عندهم، لقب الياهو خلاصجي ب”ملك الديوانية “، وهو الاخ الأكبر الذي لم يخلف اولادا. ولكن اولاد الاخوين الاخرين ما زالوا احياء يعيشون في انكلترا الى يومنا هذا.
هذا ومن ابرز الحوادث في تاريخ اليهود في هذه المنطقة هي حادثة مقتل الابن منشي خلاصجي (حفيد داود) ،  في شهر ايار 1941، شهر انقلاب رشيد عالي الكيلاني.
ذاع صيت هذه العائلة في جميع انحاء العراق، خاصة مدينة الديوانية، حيث هيمنت هيمنة تامة على زراعة الشلب(الرز) وخاصة العنبر. وقد ساهمت هذه العائلة في تطوير الزراعة في العراق أدخلت  الوسائل الحديثة في الزراعة، حين انتقلوا الى الشامية وأنشأوا مطحنة للشلب، وجلبوا المكائن الزراعية الحديثة، وكانت مخازنهم قريبة من سكة القطار، تستقبل ناتج الرز لعائلاتهم وللاخرين في الديوانية والشامية والهندية والقرى المجاورة، ومنها تحمل بالقطار الى بغداد او البصرة حيث تصدر إلى خارج العراق.
كان يطلق لقب ملك الديوانية على شخصية الياهو خلاصجي بسبب دماثة أخلاقه وكرمه ولامتلاكه للاراضي الزراعية الواسعة جدا.
ويذكر ذياب مهدي ال غلام ان الياهو خلاصجي  كان شريكا لأغلب الملاكين والمزارعين ويضيف قائلا كانت بيوتنا ملاصقة لبيته مباشرة وكان بيته قصرا متميزا بالبناء والنقوش والشناشيل والمقرنصات الصورية لحيوانات ونباتات، باعه قبل هجرته الى الحاج عبد الامير السكافي وهو الخان الذي يمتلكه حتى الآن ولازلت انا الحفيد لعائلتي، امتلك الطابو لكثير من بساتيننا واراضينا الزراعيه وفيها للياهو خلاصجي واقاربه حصة في الشراكة، ورغم مصادرتها في زمن الطاغية المباد وبيعها بأبخس الاثمان وجعلها اميرية مفوضة بالطابو حسب قانون الاصلاح الزراعي النافذ، ولابأس لو كانت كل ارض العراق ملكا للدولة، لكن حين تتحول من ملاكها بالطابو(الاسود) العثماني الانكليزي الى ارض تعود الى مديرية الاموال المجمدة ثم الى عقارات الدولة وبدون حق، فهذا ظلم وحيف ،ولنا نحن البو غلآم ذكريات وعلاقات حميمية، كانوا معنا في كل المناسبات الدينية وغيرها الاجتماعية نعم وكانت العزيات والتشابيه العاشوريه تدخل بيوتهم وتأخذ المقسوم تبرعا للمأتم الحسينيه. نعم كان اليهود في الشامية منا وبينا وحدة متوحدة مع عوائلنا ومع باقي الطوائف كالمسيحيين والصابئه .
ويذكر السيد ابراهام خلاصجي وهو حفيد عزرا من ابنته زبيدة في حوار صحفي اجري معه عام 1983 قائلا: ان التلاحم والتآخي بين العرب واليهود في الشامية كان من ابرز مظاهر الحياة واجملها، حيث كان المسلمون يشاركون اليهود في سراءهم وضراءهم، فكانوا يحضرون مجالس اليهود. وكانت دار الوجيه الياهو خلاصجي مضيفاً لكل قادم لبلدة الشامية.
ونعود الآن للفرع الثاني من العائلة وهو المرحوم سلمان هارون خلاصجي ابن عم عزرا داود خلاصجي الذي ذكرناه آنفاً، ونقول:
من الاشياء النادرة التي لايعرفها الكثير هو ان سلمان خلاصجي ابن هارون الذي كان يسكن في منطقة الشامية قد ذهب يوماً ما للاصطياف في الديوانية، فالتقى بفتاة جميلة اسمها سمرة وأحبها، فنظم لها قصيدة تقول:
 واشبان مني ذنب يا عوني  
جيت اغير هوى وصادوني.
وهي اليوم معروفة بصوت المطرب الراحل ناظم الغزالي من تلحين جميل بشير و”شاعر مجهول”
وهذه الالحان التراثية التي التقطها جميل بشير من افواه الناس وثابر على عزفها وتسجيلها بعد ان اعاد توزيعها توزيعاً موسيقياً جديداً ومتطوراً، اصبحت بفضله خالدة في العراق وخارجه. ولا يقتصر الامر على الالحان التي غناها ناظم الغزالي انما ايضا على الكثير من الالحان التي غناها غيره ايضاً أما الألحان العراقية التراثية التي ساهم جميل بشير في إحيائها فمن بينها اغنية «واشبان مني الذنب ياعوني»
من المتضح ان المرحوم سلمان كان قد كتب هذه القصيدة في نهاية القرن الثامن عشر وذلك لأن ابنهم البكر الياهو ولد عام 1900، لذلك يمكن القول انه كتبها قبل زواجه من سمرة بعام، حوالي 1898. سمرة من عائلة كوهين وهي اعلى طبقة من المتدينين في الديانة اليهودية. وهكذا بعد زواجه من سمرة ترك الشامية واستقر بالديوانية.
ولد لهم 3 اولاد هم الياهو وساسون وداود و3 بنات وهن كرجية وزبيدة ونعيمة.
جند سلمان خلاصجي في الحرب العالمية الاولى من قبل الاتراك الذين حكموا بالعراق بما يقال عنه “سفر بر” وعاد مريضا بعدها شأنه كشأن الكثيرين ممن جندوا لتلك الحرب. فوافته المنية في عام 1920.
ابنه البكر الياهو كان عمره 20 سنة. فتولت سمرة اعالة عائلتها، وكانت امرأة متدينة وزاهدة طيبة القلب جدا ولها سلطة في البيت والاولاد. يقال عنها انها كانت تقضي ساعات لتلاوة الصلاة في قبر النبي يحسقيل في الكفل ولها مكان ثابت تجلس فيه (حفرة في الحائط). ووافتها المنية في عام 1953. كان حفيدها سلمان ابن الياهو  يذكرها بكل حنين ويذكر حبها له حيث انه كان الحفيد الاول على اسم زوجها الراحل.
الياهو ابو سلمان تعلم هندسة الجسور في تركيا واشاد القناطر ولكن العائلة طلبت منه ان يدير اعمال الاراضي في الحمزة، فكان يأخذ سلمان ابنه معه في بعض الاحيان. ويذكر سلمان بكل شوق وحنين تلك الايام التي كان يصطحبه والده فيها الى الحمزة الى البيت على النهر الذي كان يدير منه اعماله، فكان يقضي احلى الاوقات في غرفة المكتبة الكبيرة التي تحوي حوالي 200 كتاب .
وكان هناك في الحمزة الخان المعروف باسم “خان الياهو” الذي كانت تدار به اعمال زراعة القمح وما يدور حولها من تخزين وتسويق الخ. ومن الطريف والمؤثر في نفس الوقت ان هذا الخان لا زال يسمى الى حد يومنا هذا باسم خان الياهو. وهكذا خلد اسم هذا الرجل المتواضع المثقف الذي وافته المنية عام 1967. وكان سلمان ابنه البكر 21 سنة فقط، وقد اوصاه والده وهو في المستشفى في بغداد بعد نوبة قلبية بان يتخذ المسؤولية على اخوته الصغار. خلف 5 ابناء وبنت.
أما الأخ الثاني وهو ساسون خلاصجي فقد ادار محل كبير لقطع الغيار (السبير بارتس) للمكائن الزراعية والسيارات. كان محله ملتقى للشيوخ واصحاب الاعمال الذين كانوا يوفدون اليه بطلب شراء قطع الغيار.
ويذكر المرحوم سلمان خلاصجي (1946-2007) ابن الياهو في محاضرة القاها في اسرائيل في مؤتمر “طوائف يهود العراق” الذي عقد في اكتوبر 1994، ما يلي:
” وقد كان عمي المرحوم ساسون خلاصجي شاعراً شعبياً المعياً وتميز بيته باستضافة كبار الشعراء ومطربي الشعر الشعبي الخاص بمنطقة الفرات الاوسط. فكانوا ينظمون فيه ويتبادلون احلى القصائد والاغاني. ومن الجدير بالذكر ان قسم كبير من اغاني “الابوذية” وبالاخص النوع المعروف باسم “الحسجة” نظمت الحانه وغني لأول مرة في هذا البيت، ومنه الى باقي المغنين ولأذاعة بغداد وهكذا اشتهرت هذه الاغاني بافواه الشعب العراقي، الذي احب جدا هذا النوع من الشعر والغناء”
ويذكر المرحوم سلمان ايضا بحنين وشوق تلك الامسيات التي كان يقضيها في بيت عمه ويستمع الى المطرب المرحوم داخل حسن يغني تلك الابوذيات بصحبة الربابة. فقد كان داخل ضيف ثابت لتلك الامسيات الشعرية.
ولسوء الحظ، وبعد تردي اوضاع اليهود العراقيين، بعد حرب الستة ايام، صدر امر باجلاء البقية الباقية من يهود الديوانية الى بغداد في عام 1968. فأجبر هذا الشاعر الانساني الكبير الى النزوح الى المدينة الكبيرة بغداد وترك مسقط رأسه والحياة القروية البسيطة، واجبر قسوة وظلما الى سد محله وبالاخص ترك اصدقائه الشيوخ، فلم يتحمل قطع تلك الجذور العميقة بصورة مفاجئة ومن غير ذنب، غبنا واضطهادا. فعاش في بغداد بالحسرة، ووافته المنية قبل اوانه في عام 1970. ولم يخلف اولاد.
وكان سلمان يردد دائما بتأثر عميق ابيات الشعر التي نظمها ساسون الراحل، وهو يحكي فيها لسان حاله والالم الذي يذبحه بترك بلده فيقول:
لون عينك تصد كلبي وتارى
سيوفك كطعن وتاره
وتاره اكتم ابحسراتي وتاره
يهل دمعي ويروج الناس بيه

وأما داود خلاصجي الاخ الصغير، فقد تخرج من الكلية العسكرية، خلف 3 اولاد وتوفي في عام 1983 وابنه البكر بعمر 14 سنة فقط والطفل الصغير طفل رضيع عمره شهر واحد فقط.
في قصيدة رائعة للدكتور جبار جمال الدين بعنوان ” من وحي اللقاء”، قال فيه مادحا عائلة خلاصجي:
واّلُ خلاصْجي الأحرارُ تغْدو..      
كؤوسُهمْ كؤوسًا مِن دِهاق
همُ زَرَعوا الجميلَ بكلّ حَيّ..
بِلا مَنٍّ ولا أدْنى نِفاق ِ
وكان حَصادُهُمْ ألـَمًاً وحُزْناً..
ودَمْعاً في الجُفون ِ وفي المَآقِي