طموح (قصيرة)

طموح (قصيرة)
كان كأن لم يك , مضى كما مضى القوم , سار كما ساروا , أنطلق كما انطلقوا , فجأة , توقف :
– هناك شيء يزعجني … لا اكاد احتمله ! .
بحث عن الشعور المفقود , شيء ما انتابه :
– نعم انه الروتين ! .
أطرق برأسه وأردف:
– كما ساروا سرت … كما فعلوا .. فعلت .
عزم على ان يحدث تغييرا , الا انه شعر بخوف شديد من التغيير ومن عواقبه , عساه يخفي له بين طياته خطراً كامناً , فقرر :
– سوف أنحرف عن المسار بدرجة قليلة … ولا أنحرف اكثر … خشية ما لا تحمد عقباه ! .
رمق القوم بنظرة تأملية فاحصة , تركهم وأنحرف , عشرون درجة فقط , شيعوه بإنظارهم , لم يحذره احد من خطر الطريق , بدأ يشعر بالنشوة , نشوة التغيير , دبت فيه روح المغامرة , أختلج بداخله شعور غريب , هل يقوى على تحمل المسؤولية ؟ ! , حين سمع أصوات الضباع أدرك انه في ورطة , فأنها قاتلة بلا رحمة , فمن عادات السباع ان تقتل الضحية قبل ان تباشر بالتهامها , أما الضباع فتلتهم ضحاياها قبل نفوقها , يا لها من ميتة بشعة ! , يا له من مصير مشؤوم ! .
تسلق صخرة كبيرة , وصلت الضباع متأخرة , حاولت التسلق , لم تفلح , بحثت عن مكان يمكنها من خلاله الوصول اليه , لم تجد , لكنها لم تيأس , استمرت في المحاولة والمحاصرة , يزداد رعبا كلما حدق فيها , حتى كاد ان ينهار من شدة الفزع .. والهلع .
سويعات مرت على هذا النحو , يرمق الافاق بحثا عن نجدة , على حين غرة , تركت الضباع الصخرة , محدقة في جهة ما , ثم غادرت من الجهة الاخرى , أدرك ان قادما ما يرعبها حضوره , ربما اشد خطرا منها .. او ربما منقذ ! .
ثلاثة اسود اقتحمت المكان , احدها طارد الضباع , متأكدا من ابتعادها , والثاني بدا كأنه يحرس المكان , بينما الثالث جرب ان يتسلق الصخرة , رغم حجمه الكبير ورغم قفزته الطويلة لم يفلح بالوصول اليه , أدركت الاسود ان لا فرصة ولا حيلة من الوصول للفريسة , فاستلقت تحت شجرة , مستظلة بظلها , بانتظار تصرفا متهورا من الفريسة .
هناك , في الغابة المجاورة , سمع اصوات اطلاق نار , غمرته الفرحة , ها قد وصل صياد ما , لعله يكون المنقذ , او لعل الاسود تهرب .
فعلا , هربت الاسود , حالما ظهر من بين الاغصان عدة رجال يحملون بنادق صيد , بادروا الى انقاذه حالما وقعت انظارهم عليه , وادركوا المأزق الذي كان فيه , ساعده رجل طاعن بالسن على الهبوط , مربتا على ظهره قائلا :
– يا ولد .. التغيير يجب ان يكون مبنيا على وعي وإدراك … الطموح يجب ان يبنى على معرفة وتجارب .

حيدر الحدراوي