ضبابية القرار والتفكير الامريكي , وذلك مدعاة لايران لاشعال الصراع بين التنين +الدب مع النمر

اشتدّت لغة التموضع الاستراتيجي لكل من اللاعبين، فكشف القادة المدنيون والعسكريون الأميركيون عن سياسات أمنية تجاه الشرق الأوسط، بمقاربة شاملة أكدت بقاء القوات الأميركية في المنطقة مع تعديل خريطة انتشارها ضمن مبادئ “العزم والالتزام والتعاون”، لطمأنة أصدقائها في المنطقة، وتأكيد قدرة الولايات المتحدة على الانتشار والتمتّع بالقوة بسرعة بأبعد من حجم العتاد والجنود في القواعد العسكرية لمواجهة التهديدات الأمنية الإيرانية بوسائل “ذكية”. أما القيادة الإيرانية، فإنها لجأت الى وسائل عدة سعياً الى تأكيد مقامها في المعادلات الاستراتيجية للدول الكبرى، منها عبر إظهار عضلاتها العسكرية ميدانياً، ومنها ما دخل في خانة التموضع مع كبار القوم استراتيجياً، ردعاً للولايات المتحدة وتنبيهاً لقادة المنطقة. وعليه، تعمّدت المخابرة الهاتفية بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والإيراني إبراهيم رئيسي بعث رسالة مفادها أن ما يُحاك بينهما هو اتفاقية شاملة تقارب المعاهدة pact التي وقّعتها الصين مع إيران لفترة 25 سنة، وأن ما يُصاغ هو محور استراتيجي ثلاثي صيني – روسي – إيراني يتم تطويره وفقاً لبوصلة العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، كما مع دول منطقة الشرق الأوسط من إسرائيل الى الدول الخليجية العربية
يرى البعض أن نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية سيتضاءل في ظل الصفقة النووية المرتقبة بينها وبين الولايات المتحدة والصين وروسيا والدول الأوروبية الثلاث، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا التي ستطوّقها، ولا يعير أصحاب هذا الرأي أهمية بالغة لانتماء إيران الى الثلاثي الصيني – الروسي – الإيراني trilateral باعتبارها اللاعب الأضعف وحلقة الوصل الركيكة. هناك مدرسة فكر أخرى يختلف رأيها في الأمرين، وترى أن رفع العقوبات عن طهران بموجب إحياء الصفقة النووية JCPOA سيضع في أيديها المال الإنقاذي لمكانتها ولمشاريعها، وأن مجرد انتمائها الى شبه حلفٍ عسكري وسياسي واقتصادي، يضمّها الى دولتين كبريين كالصين وروسيا، سيحوّلها دولة استقواءٍ إقليمي أكثر عزماً وتشدّداً وعنفاً في فرض نموذج حكمها ونظامها ضمن مشروع “الهلال الشيعي”، بالذات في العراق وسوريا ولبنان بامتداداتها الخليجية والشرق أوسطية.
.
فالدعم الروسي لإيران في مواجهة العقوبات ، لطالما كان براغماتيا، خاصة وأن طهران ترفض أن تكون مجرد تابع لحلفائها الروس، الذين لا يملكون الكثير من الأوراق لدعم طهران اقتصاديا، على عكس الصينيين الذين يعد اقتصادهم تكامليا مع الاقتصاد الإيراني.
لكن إيران قد تتحول إلى ساحة صراع وسوق للمزايدات والمراهنات بين العمالقة الكبار، الدب الروسي والتنين الصيني، في مواجهة النمر الأمريكي وحلفائه، في ظل سياسة امريكا التصادمية مع القوى المنافسة في العالم
ليس متوقعاً أن تكون اتفاقية التعاون، أو المعاهدة، بين روسيا وإيران بحجم تلك التي وقّعتها الصين مع إيران، لكنها تبقى ذات دلالات لها خصوصية كتلك في سوريا، مثلاً. ما اتفق عليه الرئيسان الروسي والإيراني هو رفع وتيرة العمل على الاتفاقية بهدف توقيعها ربما قبل نهاية العام. وبحسب المطّلِعين على ما تنصبّ عليه فِرق العمل، أن المعاهدة ستكون على الأقل لفترة 10 سنوات، وستنطوي على مشاريع عسكرية ونفطية وسياسية، بحيث يصون طرف منها مصالح الطرف الآخر في أكثر من ملف وبلد ومشروع ورؤية.
إيران مستفيد كبير، بالطبع، بل إن البعض يرى أن الحظ حقّاً يحالف الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي حين أن الاتفاقية الشاملة مع الصين لها مردود عسكري ونفطي ثمين للطرفين، فإن الاتفاقية الشاملة مع روسيا لها بُعد إضافي هو انخراط روسيا سياسياً في منطقة الشرق الأوسط، الى جانب مجالات التعاون العسكرية والنفطية والاقتصادية، وانخراط إيران في مشاريع إقليمية تحتاج فيها الى روسيا. فإذا كان مشروع الهلال الفارسي في صدد التنفيذ على الأرض، فإن المحطّة السورية فيه تتطلّب قطعاً تعاوناً روسياً – إيرانياً جذرياً. هناك في سوريا، يملك الكرملين مفاتيح القيادة السورية على مستوى الرئيس بشار الأسد، وتملك إيران المفاتيح على الأرض السورية. فمن يملي على مَن، روسيا أم إيران، في سوريا؟ السؤال يُطرَح، لكن نتيجة التفاهمات الكبرى على نسق تلك التي تُصاغ بين روسيا وإيران، هي الشراكة في الهدف والشراكة في الميدان.
في سوريا، تتقاطع الشراكة مع الحاجة الى إعادة خلط الأوراق، والتغيير في السياسة الأميركية، والسياسات الإسرائيلية نحو إيران، وانفتاح عربي على إمكان عودة سوريا الى جامعة الدول العربية. هذا الانفتاح، كما يقول أصحابه، يأتي ببعدين أساسيين: تقليص النفوذ الإيراني العارم في سوريا كي تبقى الهوية السورية عربية وتبقى سوريا في الحضن العربي لا في الحضن الفارسي. وثانياً، استخدام ثغرة الضعف الإيراني في سوريا المتمثلة في عدم قدرة إيران على تمويل إعادة إعمار سوريا الضروري لاستقرارها، ليكون مدخلاً عربياً الى سوريا يُضعِف كأمر واقع التوسّع الإيراني ويقطع خيطاً مهماً في استراتيجية الهلال الفارسي.
حسبما يتردد، قد لا تمانع روسيا، ضمناً، تخفيض النفوذ الإيراني في سوريا، لكن هذا لا يُترجَم الى بدء الطلاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فما يهم موسكو في معادلة تقليص نفوذ إيران أو تقليص نفوذ الأسد، هو الأسد. وما دامت هي ليست مضطرة لحسم أمرها الآن، فروسيا جاهزة للعب كل الآلات الموسيقية في سيمفونيتها السورية، إسرائيلية كانت أم إيرانية أم أميركية. فإذا وجدت إدارة بايدن نفسها في حاجة الى انسحاب سلمي من سوريا من دون أن تبدو أنها تسلّم سوريا الى روسيا، فإن الكرملين مستعد “للتعاطف” معها وتسهيل أمورها بصمت وليس بشماتة كما فعل بها انسحابها من أفغانستان.
السؤال الذي يطرح نفسه في إطار أهداف المثلث الصيني – الروسي – الإيراني الجيوسياسية هو: ماذا في ذهن الصين وروسيا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وبالمعادلة الاستراتيجية بين إيران وإسرائيل، في ظل المعاهدات أو الاتفاقيات الشاملة بين أطراف المثلث؟ بكلام آخر، هل يمكن أن تحتفظ الصين وروسيا بحق تطوير القدرات العسكرية الإيرانية، بموجب المثلث الاستراتيجي، لدرجة أن تصبح إيران أقوى عسكرياً ونوعياً وفعلياً من إسرائيل؟
العلاقات الصينية والروسية بإسرائيل لا تفيد بأن هذا في بال أو خطط القيادات الصينية أو الروسية. لكن العملاقين قد يقرّران أن الاحتفاظ بهذا الخيار ضروري في معادلة علاقاتهما بالولايات المتحدة التي قد تبدو اليوم في مهد إدارة بايدن أقل تمسكاً بالتفوق العسكري النوعي لإسرائيل، مع وقف التنفيذ في الاستراتيجيات الأميركية العسكرية الكبرى.
هذا الأسبوع، أطلقت إدارة بايدن مقاربة شاملة لسياساتها الأمنية تجاه الشرق الأوسط، في خطاب لوزير الدفاع لويد أوستن أمام “حوار المنامة” في البحرين، بعدما كان قائد القوات المركزية الأميركية فرانك ماكنزي قد تحدّث في مؤتمر المجلس الوطني للعلاقات الأميركية العربية في واشنطن NCUSAR. الرئيس جو بايدن أكد أنه لا يعتزم إنهاء “وجودنا العسكري الدائم في المنطقة منذ أكثر من 70 عاماً، وهذا الواقع الأساسي لن يتغيّر”. وزارة الدفاع (البنتاغون) شدّدت على أن التهديدات الإيرانية المستمرة تتطلّب الحذر، وأن حماية الممرات والمضائق المائية “أمر لا بد منه” في ظل استمرار مسببات اللااستقرار.

اللغة الأميركية الأمنية التي انطلقت بألسنة مسؤولين عديدين هذا الأسبوع أتت قبل انعقاد جولة مهمّة من المحادثات النووية مع إيران في فيينا في 29 الشهر الجاري. ركّزت هذه اللغة على تعابير مثل ضرورة “اليقظة المستمرة من خلال الوجود والتعاون مع الشركاء الإقليميين”، إزاء تحركات “الحرس الثوري” الإيراني المعوقة لحرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وتفعيله الميليشيات التي تدور في فلكه لتهديد أمن الخليج والشرق الأوسط.
الوزير أوستن لم يكن قد ألقى خطابه عند كتابة هذه المقالة، إنما تم الكشف عن المعالم الرئيسية “لخطاب الإعلان” عن السياسة الأميركية الأمنية بلسان وزير الدفاع، وذلك في حديث لمسؤول أميركي كبير مع الإعلام قبل الخطاب. قال إن السياسة الأمنية تجاه الشرق الأوسط مبنية على “العزم والالتزام والتعاون”، وإن الولايات المتحدة ستحتفظ بعشرات الآلاف من الجنود في العديد من القواعد العسكرية في المنطقة، وإن القوات الأميركية ستبقى في العراق وسوريا. لربما بحلّةٍ جديدة.
ما تريده إدارة بايدن هو “تعديل خريطة انتشار القوات” الأميركية التي تقول إنها “قادرة على الانتشار والتمتع بقوة بسرعة”. تريد طمأنة الأصدقاء في الشرق الأوسط، إلا أن تركيزها على أولوية مواجهة الصين لا يمنعها من الاحتفاظ بقوات في الشرق الأوسط.
وتقول إدارة بايدن إنه يجب إيجاد وسيلة “ذكيّة” لمواجهة التهديدات الأمنية الإيرانية المستمرة، لكنها تتردد عند الحديث عن “مبدأ الردع” رغم تأكيدها أنه “مطبّق على إيران”. ثم إن إدارة بايدن، بحسب المسؤول في وزارة الدفاع، ترى أنه “ليس هناك حل عسكري” لمشكلة التهديدات الإيرانية وميليشياتها. وهذا هو التناقض الأساسي بين مقاربة الرئيس جو بايدن ومقاربة سلفه الرئيس دونالد ترامب الذي حمّل إيران مسؤولية هجمات الميليشيات التابعة لها، وتعهّد الرد عليها مباشرة. فرجال بايدن لا يريدون اللغة العسكرية، ردعاً كانت أو ردّاً على التهديدات.
عنصر البسيكولوجيا في التموضع الاستراتيجي لا يُستهان به، لا سيّما في مرحلة رفع السقف التفاوضي أو سقف التهديدات الأمنية قبيل استئناف المفاوضات النووية في فيينا. ما سعت وراءه إدارة بايدن هو القيام بحملة تطمينية للشركاء الخليجيين العرب، وربما تجميلية لما تنوي تقديمه الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الصفقة النووية وصفقة رفع العقوبات. فهناك في فيينا، ممنوع طرح السلوك الإيراني الإقليمي بموجب خضوع أميركي لهذا الشرط الإيراني المدعوم من الصين وروسيا.
إدارة بايدن اختارت أن تكون رسالتها الإقليمية الى الدول الخليجية مكمِّلة للدبلوماسية التي أرادها بايدن عنوان قيادته للولايات المتحدة. فهو لا يريد التصعيد ولا المواجهة. أما مرشد الجمهورية علي خامنئي فإنه يريد توظيف الفرصة لصوغ تحالفات استراتيجية، تتعدّى حكم إدارةٍ أميركية عابرة على مبدأ “خذ وطالب”، مستقوياً بانتماء إيران الى مثلث التصدّي للولايات المتحدة الأميركية.
أما النظام الإيراني، الذي يواجه أصلا أزمات اقتصادية خانقة، تجلت في تراجع عملته المحلية إلى أدنى مستوياتها، وارتفاع مستويات البطالة والفقر، فيقف أمام تحدٍ مصيري بعد قرار الولايات المتحدة تصفير صادراته النفطية، التي تمثل أكبر مورد مالي له بالعملة الصعبة، مما قد يفاقم أزماته الاقتصادية بشكل قد يدفع طبقاته الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة إلى الانتفاضة لإسقاط النظام.
وبالنظر إلى فارق القوة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الأخيرة تحاول الاعتماد على حلفائها الدوليين وعلى رأسهم روسيا والصين، للإفلات من الحصار الاقتصادي الذي تحاول واشنطن فرضه عليها، في ظل عدم قدرة شركائها الأوروبيين على الإيفاء بالتزاماتهم معها في مواجهة التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على الشركات التي تخرق العقوبات.
لكن إلى أي درجة يمكن للصين وروسيا مواجهة التهديدات الأمريكية لإيران؟
** روسيا.. حليف بلا مخالب
روسيا التي تعتبر أكبر مصدر للأسلحة لإيران، لا تنظر للأخيرة كحليف استراتيجي، بالرغم من شراكتهما العسكرية في الدفاع عن النظام السوري، غير أن مستوى التبادل التجاري بين البلدين جد متواضع ولم يتجاوز 1.741 مليار دولار في 2018، منها 1.208 مليار دولار صادرات روسية، وأقل من 533 مليون دولار صادرات إيرانية.
فكلا البلدين يعتبران من كبار مصدري النفط والغاز الطبيعي، واقتصاديا يعتبران متنافسين على أسواق الطاقة أكثر منهما شريكين، لذلك من المستبعد أن تلعب موسكو دورا جوهريا في تخفيف الحصار الاقتصادي على إيران، رغم ارتفاع المبادلات بينهما 2 بالمئة في 2018، وإعلان موسكو مواصلة تطوير تجارتها بالنفط الإيراني، الذي تبيعه إلى بلدان أخرى، وفق اتفاق النفط مقابل البضائع مع طهران.
كما أدانت روسيا العقوبات الأمريكية، وحثت الدول الأجنبية على عدم تقييد علاقاتها الاقتصادية مع طهران، مؤكدة مواصلتها بناء محطة الطاقة النووية في مدينة بوشهر الإيرانية، ومواصلة العمل على تحويل مشروع تخصيب اليورانيوم في “فوردو” (بمحافظة قم).
ورغم أن الخارجية الروسية، أعلنت في بيان، أنها “تتفهم” قرار إيران وقف بعض التزاماتها في الاتفاق النووي، إلا أنه بعد أيام من ذلك نصح الرئيس فلاديمير بوتين، إيران بالبقاء في الاتفاق النووي، بل ذهب أبعد من ذلك عندما قال “روسيا ليست فرقة إطفاء، ونحن غير قادرين على إنقاذ كل شيء، خاصة ما لا يعتمد على إرادتنا بالكامل”.
فبوتين، يحاول أن يلعب دور الناصح والوسيط، أكثر من دور الحليف القوي، بل اتهم الأوروبيين بالعجز عن إنقاذ الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، قائلا “خرج الأمريكيون والاتفاقية تنهار، فيما لا تستطيع الدول الأوروبية فعل أي شيء لإنقاذها، وعاجزون (الأوروبيون) عن القيام بعمل فعلي مع إيران للتعويض عن خسائرها في القطاع الاقتصادي”.
فالرئيس الروسي يعترف أنه لا يملك كل خيوط اللعبة لإنقاذ “الاتفاق النووي” من الانهيار، ناهيك عن فك الخناق الاقتصادي عن طهران، ويقول “الأمر لا يعتمد علينا فقط، بل يعتمد على جميع الشركاء، جميع اللاعبين، بما فيهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإيران”.
وهذه التصريحات تعكس مدى افتقاد موسكو لكثير من الأوراق لحماية الاقتصاد الإيراني من الانهيار تحت ضغط العقوبات الأمريكية، ناهيك عن التدخل عسكريا لمنع أي غزو محتمل لأرض الفُرس، لكنها تبقى داعما دبلوماسيا مهما لطهران في مجلس الأمن، ومصدرا رئيسيا للأسلحة، وشريكا لاغنى عنه في إنتاج الطاقة النووية.
** الصين.. المصالح كبيرة والمخاطر أكبر
تمثل الصين أكبر شريك اقتصادي لإيران بإجمالي 37 مليار دولار، لذلك فبكين أكثر المتضررين من فرض عقوبات على طهران، خاصة وأنها تستورد منها أكثر من نصف مليون برميل نفط يوميا.
كما أن إيران تمثل سوقا يتجاوز 80 مليون مستهلك، مما يجعل الصين، الباحثة عن أسواق جديدة لاستيعاب صادراتها الضخمة، غير مستعدة للتخلي عن مصالحها مع طهران بسهولة.
وهو ما يفسر الموقف الصيني المعارض للعقوبات الأمريكية، وتأكيد بكين أن علاقاتها بطهران “استراتيجية”، لكن ليس واضحا إلى أي مدى يمكن للتنين الصيني تحدي النمر الأمريكي.
ففي 17 مايو/أيار الماضي، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، إن بلاده تعارض فرض الولايات المتحدة عقوبات أحادية على إيران، وتقف ضد ما أسماه بـ”الصلاحيات الأمريكية العابرة للحدود”.
وشدد على أن “الصين وإيران، شريكان استراتيجيان، وينبغي على البلدين تعزيز التنسيق بينهما، سيما مع تطور الأوضاع الدولية والإقليمية بوتيرة سريعة”.
وقبل توقيع الاتفاق النووي في 2015، كانت الصين اللاعب الرئيسي في الاقتصاد الإيراني، لكنها واجهت، بعد هذا التاريخ، منافسة قوية من شركات أوروبية دخلت السوق الإيرانية المتعطشة للمنتجات الغربية ذات الجودة العالية مقارنة بنظيرتها الصينية.
وانسحاب العديد من الشركات الأوروبية مؤخرا من الاستثمار في إيران تحت ضغط أمريكي، يشكل فرصة للشركات الصينية للاستحواذ على مزيد من الحصص في هذا السوق الخصب، خاصة وأن إيران شريك رئيسي في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
لكن الصين، المعروفة بطابعها المهادن، تواجه مخاطر اقتصادية عالية في حال تمسكها بـ”شريكها الاستراتيجي”، فتهديدات ترامب جدية، ومصالح بكين مع واشنطن أكبر، فإن كانت الأولى “مصنع العالم”، فالثانية سوقه، وحجم المبادلات التجارية بينهما تصل لنحو 600 مليار دولار، قرابة 500 مليار دولار منها صادرات صينية إلى الولايات المتحدة.
وضغوط واشنطن على بكين كبيرة، خاصة بعد فرضها رسوم جمركية على الصادرات الصينية إلى أسواقها لتقليص الفجوة في الميزان التجاري، لكن أخطر من ذلك تحرش الولايات المتحدة بالشركات الصينية ذات الانتشار العالمي، والتي يسهل فرض عقوبات عليها، على غرار شركة “هواوي” للاتصالات.
ويظهر أثر الضغوط الأمريكية على الشركات الصينية، إعلان شركة الصين الوطنية للبترول، ومجمع “سينوبك” الناشط في القطاعين النفطي والمصرفي ومجالات أخرى “تجميد الواردات النفطية من إيران وجميع العمليات هناك لفترة غير محددة”، وذلك في يناير/كانون الثاني 2018
فالتنين الصيني، ورغم أنه يملك مصالح استراتيجية مع إيران، إلا أن حسابات الربح والخسارة تجعله يعيد تقييم أولوياته، والبحث عن خيارات أخرى للالتفاف على العقوبات الأمريكية، خاصة وأن بكين تتميز بمرونة في الدفع من خلال مقايضة السلع أو استعمال العملات المحلية في المبادلات التجارية.
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.