شيء عن عيد الكرصه المندائي

بقلم: صالح الطائي

الكراص أو العيد الكبير وعيد شوشيان وعيد بداية البناء، وعيد قدوم المعرفة، ويسمى في اللغة المندائية (دهوا ربا)، ويطلق عليه شعبيا اسم عيد الكرصة، هو عيد رأس السنة المندائية، عيد الاعتكاف والاختباء ولانعزال عن العالم؛ وفق تعاليم ديانة الصابئة؛ التي تعد من أقدم الديانات المعروفة. هذا العيد يبدو كثير شبه بيوم “كيپبور”، أو عيد الغفران في الديانة اليهودية، وهو يوم مقدس عند اليهود مخصص للصلاة والصيام والاستغفار. وهو اليوم المتمم لأيام التوبة العشر؛ التي تبدأ بيومي رأس السنة، أو كما يطلق عليه بالعبرية “روش هاشناه”؛ الذي يعتبر الفرصة الأخيرة لتغيير المصير الشخصي أو مصير العالم في السنة الآتية. يحظر فيه على اليهود الشغل، إشعال النار، الكتابة بقلم، تشغيل السيارات، تناول الطعام والشرب، الاغتسال والاستحمام، المشي بالأحذية الجلدية، ممارسة الجنس.

مناسبة عيد الكرصة كما جاء في كتبهم أن “ماناربا” خلق فيه نفسه بنفسه. وهو ذكرى تجلّي الخليقة الأرضية، وفيه يسمح الله تعالى للملائكة أن يزوروا عالم النور، ثم يعودون بعد انقضاء العيد إلى أماكنهم.

يعتقد المندائيون أن في هذا العيد يحدد الله تعالى طالع السنة القادمة، مثلما يعتقد المسلمون أن الأرزاق والأقدار تحدد في ليلة القدر. ولهذا أطلقوا عليه اسم “عيد قدوم المعرفة الأولى”، ويقصدون بالمعرفة الأولى نزول كتابهم المقدس (كنزا ربّا)، لذا يسمونها “ليلة القدر المندائية” تأثراً بالمجتمع الإسلامي المحيط بهم، ويعتقدون أنها ليلة مباركة، يقضونها بقراءة الأدعية والتسابيح لغاية انبلاج الفجر، باعتبار أنه يوم تلبية الدعاء وقبول الرجاء لكل قلب وضمير وفكر طاهر.

يصادف هذا العيد حسب العرف المندائي في أواسط شهر تموز من كل عام، وفيه يمكث المندائيون في بيوتهم لا يغادرونها لمدة ست وثلاثين ساعة متواصلة.

من الطقوس المرافقة لهذا العيد ما يعرف باسم ” كنشي وزهلي” وهو اليوم الذي يسبق يوم العيد، ولهذا اليوم طقوسا خاصة به، بعضها تمهد وتيسر للمعتكفين إمكانية الاعتكاف، وبعضها الآخر شعائري من ضمن متطلبات العقيدة، ومن أهم هذه الطقوس:
1ـ الابتداء بتنظيف البيوت وبقية الحاجيات التي يستخدمونها في مدة الكرصة.
2ـ يذهب بعضهم ممن لم يسبق لهم إجراء هذا الطقس مبكرين إلى النهر للاصطباغ بالماء “مصبوتا” على يد رجال الدين، وهو طقس يشبه التعميد في الديانة المسيحية.
لكنها غير التعميد “ماميدوتا” الذي يأتي بمعنى الاغتسال من أجل التنظيف والتطهير وليس الارتماس وحده. طقس “المصبوتا” يكون في المياه الجارية حصرا باسم الحي العظيم، أما “الماميدوتا” فتكون بمياه مقطوعة وتكون باسم الروح القدس.

3ـ أخذ كمية من الماء من النهر إلى البيوت لاستخدامها في الطبخ وبعض الطقوس الأخرى.
4ـ تحضير الوجبة النظيفة، وهي وجبة خاصة بطقوس العيد تعد بالماء المجلوب من النهر، ثم يتم وضعها في النافذة المقابلة لقبلتهم.
وفي اليوم التالي؛ وهو يوم العيد، يكرص (يعتكف) المندائيون في بيوتهم لا يغادرونها لمدة (36) ساعة، تبدأ من ساعة غروب شمس نهاية آخر يوم في السنة المندائية المنتهية، وتستمر لغاية شروق شمس اليوم الثاني من السنة الجديدة.
وأثناء الكرصة يلتزم المندائيون بالطهارة القصوى، ويتجنبون التلوث إلى أقصى حد، إذ لا يجوز خلالها مس أي شيء غير طاهر ” اليردنا”، كما لا يشربون أو يأكلون أي شيء إلا مما اختزنوه قبل مساء أول يوم الكرصة.!

يربط المندائيون فكرة هذا العيد بأحد موضوعين يربط بينهما اشتراك الملاك “ابثاهيل”، وهما:
أولا: تعود فكرة العيد إلى تصليب الأرض وتهيئتها لبداية الحياة الأرضية بعدما كانت مياه آسنة وجزء من عالم الظلام. ولهذا المعتقد علاقة بقصة الخليقة. حيث يعجز الملاك “ابثاهيل” المُكلّفُ بالعملية، فيعود إلى السماء لطلب النجدة من أبيه “أباثر العظيم” الذي منحه السر من عوالم النور، وعلمه النداءات الثلاثة التي تفسر طقوس هذا العيد:
في النداء الأول يتكثف الماء الذي مازال آسنا ويمثل اليوم الأول من الكرصة، حيث لا يسمح للصابئة بلمس الماء. بعدها تجف الأرض وهو اليوم الأول من عمرها، ويمثل اليوم الثاني من الكرصة، ولا يُسمح فيه للصابئة بمسَّ الماءَ؛ لأن المياه الجارية لم تتدفق بعد.
وفي النداء الثاني: تتدفق المياه العذبة في الأرض “تيبل”، وتكتمل نسبة “اليردنا” التي تبارك المياه الأرضية، ويمثل اليوم الثاني من السنة المندائية فينتهي الكراص ويسمح لهم بملامسة الماء الجاري.
وفي النداء الثالث: تُخلق الحياة والأطايب والأطيار.
وتواكب مناسبة الكرصة أيام “المبطلات” وسببها أن الملاك “ابثاهيل” يتأثر بوسوسة أبناء الظلام فينادي بأربعة نداءات أخرى غير مطلوبة منه تنتج النقص، حيث تتعاظم قدرة الظلام ومخلوقاته في هذه الأيام.

ثانيا: تعود فكرة الكرصة إلى قصة خلق آدم، حيث يلتفُّ عالم الظلام ومخلوقاته على “ابثاهيل” ويقنعوه بالاشتراك معهم في خلق آدم، فيوافق ولكنه يعجز عن إتمام المهمة فلا يتمكن آدم من الانتصاب على قدميه. وكما في القصة الأولى يعود “أبثاهيل” فيصعد إلى السماء طلبا للمساعدة، فيُعطى النفس (النيشمثا) ملفوفة بالنور ومحروسة من قبل ملاكين حارسين فيعود بها إلى الأرض، فيأخذها الملاك العظيم “مندادهيي” بيده العظيمة وقت المغرب، ويرميها في الجسد، فينتصب آدم واقفاً على قدميه. وهنا تبدأ ساعة الكرصة

وللصابئة المندائيين أربعة أعياد رئيسة هي:
• العيد الكبير(دهواربا) وهو عيد رأس السنة المندائية وهو الكرصة.
• العيد الصغير(دهواهنينا) وهو عيد الازدهار بظهور الحياة على الأرض ومدته يوم واحد.
• عيد الخليقة (البرونايا) وفيه تمت عملية الخلق ومدته خمسة أيام.
• عيد التعميد الذهبي (دهوا ديمانه) وهو عيد تعميد النبي يحيى ومدته يوم واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.