بينما كان الشعب المصري يعيش فى فرحة غامرة بعودة زعيمه سعد زغلول من المنفى كانت أسرة سيد درويش تبكيه فى هدوء حزين يشبه الصمت حيث لم يتنبه أحد فى الخارج إلى وفاة الرجل لإن الكل كان منشغل بعودة الزعيم . مات اكثر الناس دعوة للتمرد والثورة والذي سخر فنه لخدمة قضية الثورة حينما وضع من أجلها أروع الألحان بحيث جعل من هذه الأنغام روحا تلهب الوجدان الشعبي وتشده للإستمرار وتصعيد المواجهة مع المحتل الذي جعل من درويش غريما له حيث إستهدفه منذ كان يغني متسكعا في مقاهي الإسكندرية في بداية مشواره ولحين وفاته في 14 سبتمر/ ايلول 1923 مات سيد درويش ولم يستطع أن يستقبل سعد زغلول بلحنه بلادي بلادي والذي لايزال يعزف لغاية يومنا هذا كنشيد قومي لمصر وفيما كانت الجماهير الشعبية جسد الثورة كانت روائع سيد درويش روحها التي تنبض حياةَ وتمد الجماهير بالحماس والأندفاع حيث اصبح الشعب يردد أغانيه صباح ومساء في المدينة والريف في ميادين العمل وفي المقاهي والبيوت رددها الكل لإن درويش غنى لهم جميعا وكانت ألآمهم ومعاناتهم هي مادة فنه ولسان حالهم المعبر عنها ونجح من خلال غناءه أن يزجهم جميعا في أتون الثورة . رحل وله من العمر إحدى وثلاثون سنة ورغم قصر عمره إلا إنه استطاع ان يقدم للأمة فنا تستحق أن تباهي به الأمم الأخرى لإن فنه كان إبنا شرعيا لها حيث كان سيد درويش يستلهم ألحانه من الألحان الشعبية البسيطة التى يرددها الناس فى مناسبات مختلفة وكان يستمع إلى كافة طوائف الشعب من باعة وصنايعيه وفلاحين وعمال وغيرهم كانت الشغيلة مادة أنغامه والآذان التي تسمعها كانت له القدرة على تحويل تلك الترنيمات التي يتمتم بها ابن الشارع إلى ألحان رائعة تجمع بين السلاسة والنغمة المستوفية لكل شروط الفن الحقيقي حيث كانت الحانه مفهومة للاوربي وابن احراش افريقيا لإن الأنسان كان مادة وهدف هذا الفن استطاع سيد درويش التعبير عن هموم وطنه وآماله فى أصدق صورة باللحن والكلمة مما جعل ألحانه تنتشر بيسر بين صفوف الشعب المصري بل وعموم الشعوب العربيه .
رغم قصر عمر سيد درويش ورحيله قبل الأوان لكن شاءت الأقدار أن يفعل كل شيء بسرعة وربما قبل الأوان أيضا حيث تزوج وهو في عمر السادسة عشر وبحكم ضائقته المادية اضطر للسفر للعمل في الشام مع فرقة الأخوين عطا الله المسرحيه وهو في عامه السابعة عشر ورغم عدم توفقه في تحسين وضعه المادي من خلال رحلته هذه لكنه جمع تراثا موسيقيا قيما خاصة بعد لقائه بالموسيقى المخضرم عثمان الموصلى فى عام 1912 التقى سيد درويش بالموصلى مرةأخرى فى رحلة ثانية إلى الشام مع نفس الفرقة وأكمل خلال تلك الرحلة ما كان يتوق إلى جمعه من مواد التراث وعاد بعد عامين وقد أحضر معه العديد مما عثر عليه هناك من الكتب الموسيقية .
لقد أحس المصريون لأول مرة فى العصر الحديث بأن لهم موسيقاهم المعبرة عنهم وعن جذورهم ومشاعرهم لقدعمل سيد درويش كثيرا على إيقاظ الروح الوطنية بين المصريين بألحانه ورغم قصر عمره الفنى لكنه أحدث ثورة هائلة فى الموسيقى الشرقية وكان أول فنان يجعل من الموسيقى الشعبية فنا قوميا راقيـا كما عمل على وضع أسس المسرح الغنائى التعبيرى وألف أعظم الألحان المسرحية وجعل الغناء للجميع بعد ما كان مقصورا على الخاصة كما ظهرت آثاره الفنية فى أعمال الفنانين الذين جاؤوا من بعده ولم يستطع أحد بعده على تقديم أعمال موسيقية تتجاوز ما قدمه سيد درويش بل إن هذه الأعمال في الأعم لا ترقى إلى مستوى اعمالة الموسيقية لقد استحق سيد درويش لقب أبو الموسيقى المصرية حيث كانت منزلته الفنية بالشرق تضاهي منزلة موزارت وهايدن وبتهوفن بالنسبة للموسيقى الأوربية وقد لقب بالقاب كثيرة ومنهم خالد الذكر فنان الشعب أبو الموسيقى المصرية والموسيقار الاول و نابغة الموسيقى وامام الملحنين .
لم تكن أنغامه تستلزم أصوات خاصة لتأديتها مما جعلها ترتبط بالموروث الشعبي وبالتالي أكسبها هذه الديمومة رغم ابتعادنا عن عصر درويش لكن ألحانه لاتزال تغنى وكأنها ابنة اليوم لقد كان يغلب على الأغانى السائدة في عصر درويش الأنغام ذات الأصول التركية وهي أنغام غريبة عن البيئة المصرية وكان الغناء ما قبل درويش منحصر في الترفيه والتطريب حيث اقتصرت موضوعات الغناء حينذاك على الحب والهجر والفراق ولقد اقتصر اداء هذا النمط من الغناء على الاوساط الأستقراطية وبين اواساط العائلات الغنيه لهذا كان هذا الغناء بعيدا عن هموم الشعب بينما نزل سيد درويش بالغناء الى الشارع بحيث حملت الحانه الجميع على الغناء لإن درويش جعل الغناء يتحول من التطريب الى التعبير ليكون الانسان بكل همومه في أفراحه وأحزانه في شقاءه وسعادته مادة وهدفا لهذه الانغام كما عالج الشيخ سيد في أغانيه الموضوع الاجتماعي في غلاء المعيشة والسوق السوداء حين غنى قال استعجبوا يا أفندية لتر الجاز بروبية .
ولاتزال أغانيه طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة ياللا بنا نملا ونحلب لبن الجاموسة وكذا الحال فى نشيد بلادى بلادى صياغة المؤلف الشيخ محمد يونس القاضى وفى لحن الصنايعية الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية .. والديك بيدن كوكو كوكو فى الفجرية ياللا بنا على باب الله يا صنايعية .. يجعل صباحك صباح الخير يا اسطى عطية والأغنية التى انتقدت الشباب فى خدمة الجيش الانجليزى يا عزيز عينى وانا بدى اروح بلدى ..بلدي يابلدي والسلطة خدت ولدى لاتزال هذه الأغاني حية في الشارع الغنائي العربي وكأنها أكثر حداثة من الألحان المعاصرة .
لقد حرص سيد درويش بل جعل ذلك هدفا رئيسيا له أن يرفع الذائقة الفنية للشعب ليس من خلال التماس أحاسيس الجمهور فقط أو تبسيط الألحان لتكون ملامسة لفهم الشارع فقط بل ولج ميدانا اخر ربما لم يسبقه اليه سابق ولم يتابعه بعده متابع حينما ولج ميدان الكتابة في الموسيقى في الصحافة اليومية وكان هدفه من هذه الكتابة هو تثقيف المواطن البسيط بالموسيقى وبالتالي رفع ذائقته الفنيه وكان يذيل مقالاته دائما بعبارة خادم الموسيقى .
لقد كان فضل سيد درويش كبيرا على الغناء العربي وخصوصا المصري الذي كان أسير الأنغام التركية والموشحات الأندلسية ولم يشهد الفن الغنائي بعده أي تطوير حقيقي وبقي الغناء العربي يسير على أثار سيد درويش مقلدا وليس مجددا حيث حافظ الذين جاؤوا من بعده على الأشكال الفنية التي استنبطها سيد درويش دون تجديد أو تطوير مما جعل الغناء يعود للأبتعاد عن هموم المواطن وانشغالاته اليوميه وتحولت وظيفة الغناء الى أشبه ماكان عليه قبل ظهور سيد درويش ولم تظهر أي محاولات تذكر بعده لغرض الاستمرار في المشوار الذي بدأه سيد درويش رغم ظهور بعض المحاولات اليتمية كظاهرة شيخ إمام وأحمد فؤاد نجم إلا إن هذه المحاولات وإن ولامست الهم الشعبي لكن لم ترتقي بأساليبها الفنيه وهذا ماكان يحرص عليه سيد درويش بل كان كان تطوير الإغنية بكل أدواتها شغله الشاغل وكان في رؤياه هذه ذا بصيرة ثاقبة لأنه عندما نزل بغنائه للشعب لم يفارق ذهنه أن يكون هذا الغناء في أروع مايكون عليه في البناء الفني ولهذا رأينا يحرص دائما على تطوير أدواته الى درجة أنه بلغ من همته أنه كان يستعد للسفر إلى ايطاليا لغرض دراسة الفن الاوبرالي والسمفوني والتوزيع الهارموني رغم إنه باشر فعلا في تلحين الأوبرا هذا النمط الجديد على الغناء العربي عندما لحن أوبرا شهرزاد في عام 1920 والتي عدت ثورة في التلحين في حينها ثم أضاف اليها أوبرا العشرة الطيبة والبروكة ثم لحن أوبرا كيلوباتره الشهيرة والتي لم يكمل سوى الفصل الأول منها حيث لم تسعفه المنيه لإكمالها حيث أكمل فصليها الثاني والثالث الموسيقار محمد عبد الوهاب مقتفيا خطا سيد درويش في إكمال تلحينها .
لقد كان سيد درويش أحد حبات عنقود ذلك الجيل الذهبي الذي أنجبته مصر ويبدو أن الأرحام لم تعد تغيض لتنجب مثله صحيح أن كثيرا من العلماء والادباء وربما بعض الفنانين قد وصلوا بعطائهم الى درجة انهم حصدوا أرفع الجوائز المحلية والعالمية لكن أثر ذلك العطاء لم يلامس ابن الشارع المصري كما لامسه فن سيد درويش حتى يخيل لإبن الشارع وهو يترنم بإحدى روائع درويش كأنها خارجة من أعماقه وليس مؤلفة من قبل درويش . ولاندري كم سننتظر أو الأجيال التي ستأتي بعدنا لكي يخرج علينا عبقري أخر يجدد لنا في أهم ساحة من ساحات الوجدان التي تلامس الروح والضمير ألا وهي ساحة الغناء كما فعل هذا الفنان الخالد… تحية إجلال وعرفان لذكراه العطرة .