سويسرا.. البلاد الأكثر سعادة في العالم

هناك الكثير من التوصيفات التي يطلقونها عامّة على سويسرا. وليس أقلّها أنها البلاد التي تتعايش فيها مجموعات بشرية متعددة المشارب وتتحدث بلغات مختلفة، مع أغلبية للناطقين باللغتين الألمانية الفرنسية، وتحتوي على أكبر المصارف التي يؤمّها الزبائن من مختلف أصقاع الأرض.

هذا فضلاً عن أنها أحد أكثر بلدان العالم حيادية ما يجعلها ملتقى الكثير من المؤتمرات الدولية للبحث في فض النزاعات، يضاف إلى هذه التوصيفات أخرى كثيرة تتمايز فيها سويسرا عن بلدان العالم الأخرى.
و«السويسريون يشكّلون أكثر شعوب العالم سعادة»، كما يؤكّد المؤرّخ الفرنسي فرانسوا غارسون، الأستاذ في جامعة السوربون والمختص بالتاريخ السويسري وصاحب كتاب سابق حمل عنوان «النموذج ــ الموديل ــ السويسري»، في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان: «سويسرا، البلاد الأكثر سعادة في العالم».
لكن ما هي المعايير التي يبني عليها المؤلف مثل هذا الحكم؟
إنه «استعار” العنوان من دراسة عالمية قريبة العهد خرج واضعوها بتلك النتيجة، وهو يعتمد كثيراً عليها في تحليلاته ومعلوماته. ويقيس درجة السعادة بعدد من المعايير والمقاييس الخاصّة بعدّة قطاعات تهمّ حياة الناس مباشرة وتتعلّق بفرص العمل والسكن والصحّة والثروة والبيئة والأمن وغير ذلك من القطاعات الحيوية.
يبدأ المؤلف بتقديم مجموعة من السمات التي تتميّز فيها سويسرا في مختلف الميادين الجغرافية والسكانية والاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغير ذلك من الميادين. هكذا نعلم أن سويسرا تتكوّن من 26 منطقة ــ كانتون ــ هي بالوقت نفسه نوع من «الدول ذات السيادة». هذه الكانتونات «ذات السيادة» تتآلف فيما بينها ضمن إطار«الكونفدرالية السويسرية».
وسويسرا هي البلد الوحيد في العالم الذي يقوم فيها الشعب أربع مرّات سنوياً باقتراح قوانين وبالرقابة على تطبيقها. ذلك في ميادين متنوّعة تتعلّق بمسائل الهجرة وممارسة المعتقدات الدينية والطاقة وسياسات فرض الضرائب وحماية الحيوانات وحتى الضجيج الصادر عن الطائرات.
ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن مثل هذه الممارسات التي يشارك فيها الشعب السويسري مباشرة تثير الكثير من الفضول و«التساؤلات”لدى مختلف شعوب العالم. وتبقى سويسرا، كما يقدمها المؤلف، مثالاً فريداً في أوروبا خلال هذا «الزمن الصعب»، حسب التعبير المستخدم.
ذلك من حيث النتائج التي حققتها في مختلف الميادين. فهذه البلاد ذات المساحة الجغرافية الصغيرة نسبياً نجحت أوّلاً في أن تؤمّن فرص العمل للمواطنين السويسريين بحيث بقيت نسبة البطالة فيها أقل من 3 بالمئة وسط بلدان الاتحاد الأوروبي التي تقارب البطالة فيها نسبة الـ10 بالمئة.
ويشير المؤلف إلى الكثير من الاتهامات الموجّهة من قبل دول أخرى من بينها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا المجاورة بأن البنوك السويسرية تساعد على تهرّب مواطني تلك البلدان، خاصّة من أصحاب الثروات والدخل الكبير، من دفع الضرائب في بلدانهم.
ويؤكد أن سويسرا ذات الثمانية ملايين نسمة حققت الكثير من النجاحات المشهودة والكبيرة، ما يجعل السويسريين «سعداء بالفعل» والدليل على واقع النجاح السويسري يجده المؤلف في تقرير أعدّته «وكالة المعلومات المختصّة”في شهر تموز من عام 2014 ووضعت فيه سويسرا في المرتبة الأولى عالمياً في مجال «التجديد».
ويضع المؤلف على رأس قائمة النجاحات التي تحققها سويسرا على صعيد الصادرات إلى الخارج، خاصّة في مجالات الصناعات الدوائية والآلات والأجهزة الدقيقة والساعات. والإشارة بهذا الصدد أن الصادرات السويسرية تعرف خطّاً بيانياً صاعداً منذ بداية القرن الحادي والعشرين. ويبدو في هذا الإطار أن المؤلف ليس بعيداً عن الشروع بتمجيد «المعجزة السويسرية».
يشرح فرانسوا غارسون أن مثل هذه الزيادة تعود بالدرجة الأولى إلى نجاح الشركات والمؤسسات السويسرية في الانفتاح على الأسواق العالمية.حيث إن قسماً مهماً من نشاطاتها التجارية يتمّ تحقيقه خارج سويسرا نفسها. والإشارة في هذا السياق أن التجربة السويسرية تصلح جيداً للاهتمام بها من قبل البلدان الأوروبية الأخرى التي لم تفلح حتى الآن في الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تثقل عليها منذ سنوات. والتأكيد أيضاً في هذا الإطار أن حجر الزاوية في النجاح السويسري يكمن في التركيز على أهمية قيمة العمل.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في تأكيد الدرجة العالية التي يتمتع بها السويسريون في مجال البحث عن منافذ جديدة لبضائعهم ومنتجاتهم في حقبة الثورة الرقمية، ذلك تحديداً من خلال رهانهم على التجديد في جميع المجالات. التجديد أوّلاً.. والتجديد أخيراً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.