سالفه ورباطها …!!

سالفه ورباطها …!!

احمد الحاج
في حقبة الحصار الاميركي الغاشم بحق العراق والعراقيين والذي استمر 13 سنة متتالية ففتك بمليون وربع المليون عراقي مرضا وجوعا بجريمة اميركية رعناء مروعة بمباركة بعض الحكومات العربية لن تسقط بالتقادم مطلقا ، وبدلا من ان تتوجه الجماهير المحاصرة آنذاك لاسيما الملتزمة منها والمتدينة الى التكافل الاجتماعي ، الى تأسيس جمعيات خيرية ،الى اطلاق مبادرات انسانية ، الى القيام بفعاليات رحمانية ، الى الشروع بأنشطة اغاثية ، واذا بهذه الجماهير الجائعة تتجادل فيما بينها صباح مساء بفعل الكراسات والكتيبات والمطويات الخليجية ولن اطلق عليها تسميات ولا توصيفات تزويقية اخرى ، في قضايا نحو ” هل يجوز التسبيح الجهري بعد الصلاة المكتوبة ، ام لا ؟ هل تجوز الصلاة على النبي بعد الاذان ، ام لا ؟ هل يجوز الاحتفال بالمولد النبوي ، ام لا ؟ هل محراب الجامع كذلك منبر خطيب الجمعة سنة مستحبة ام بدعة وضلالة ، بل ووصل الخلاف والجدال السقيم الذي لايتوقف الى كيفية وضع اليدين في الصلاة – فوق السرة ، تحت السرة ، قريبا من الصدر …وباتت المجالس والدواوين والحلقات وبدلا من التباحث في آليات وسبل انقاذ ما يمكن انقاذه في مثل هذه الاوضاع البائسة جدا والناس تموت وتمرض وتجوع بالجملة فيما تجار الحروب اسوة بتجار السجائر والخمور والعملة يبددون اموالهم يوميا على موائد قمار الشيراتون وعلى العاهرات الفيلبينيات كذلك الكاوليات والتايلنديات في ملاهي ابي نؤاس والباب الشرقي ومنطقة المسبح ، صارت هذه المجالس تناقش وضعية السبابة عند التشهد معقوفة ، مستقيمة ، ثابتة ، متحركة ، الى درجة طبع وتوزيع واستنساخ الاف الطبعات من كتاب” البشارة في شذوذ تحريك الإصبع في التشهد وثبوت الإشارة ” بـ 114 صفحة ، كل ذلك يحدث في وقت تطبع فيه مئات المطويات التجارية التي تتحدث عن اهمية استخدام المسك والعنبر والعطور الزيتية والكحل ، اهمية ارتداء الدشداشة القصيرة – صنع في الصين – لبس الغترة الحمراء – المصنوعة في كوريا الجنوبية – اضافة الى الترغيب بالشحاطة بدلا من الحذاء لأن الحذاء تغريب ،بينما الشحاطة والنعال – وكلاهما صناعة تركية باب ثالث – عروبة وفلكلور واصالة = كلاوات تجار لتمشية بضائعهم وتصريفها بين الناس بسرعة بعد اضفاء صبغة اما قومية ، واما دينية عليها للتعجيل بتصريفها تمهيدا لاستيراد وجبات اخرى جديدة تدخل الى العراق انذاك مع السجائر الاجنبية والمشروبات الكحولية التقليد المضروبة !
يومها كان بإمكانك العثور على ما لايقل عن 20 عنوانا ان لم يكن اكثر لكتب ومطويات وكتيبات كلها نتحدث عن فوائد السواك وهو سنة نبوية مطهرة ولا شك ، كان بإمكانك العثور على ما لايقل عن خمسين عنوانا عن فوائد الحبة السوداء ، الا انك وفي ذات الوقت لن تعثر وفي زمن الحصار الظالم والناس في ضيق وعوز مادي شديد سوى على عنوان واحد او على عنوانين يتحدثان عن فريضة الزكاة العظيمة والركن الثالث من اركان الاسلام !!
لم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تعداه الى ظهور كم هائل من طاردي الجن والشياطين تماما كما كان يحصل في اوربا خلال العصور الوسطى المظلمة ، وصارت الكراسات والكتب التي تتناول هذا الموضوع – الذي اختفى بعد الاحتلال مباشرة – من اكثر الكتب مبيعا ورواجا اسوة بكتب تفسير الاحلام وقراءة الابراج وتعلم فنون الطبخ ، حتى ان كتابا طبع عشرات المرات أنذاك كان بعنوان ” حوار صحفي مع جني مسلم ” مع محافظة كتاب ” بدائع الزهور في وقائع الدهور ” على مكانته في نشر التخلف بين الجماهير ، لتشجيع الكتب المقابلة على الرواج من باب الفعل ورد الفعل ، فبغير تخاريف بدائع الزهور الذي يمثل مدرسة ما ، ليس بإمكانك الترويج لتخاريف “حوار صحفي مع جني مسلم ” الذي يمثل مدرسة تعارض الاولى ، ومن ثم انقراضه غير مأسوف عليه والى غير رجعة …بغير اسنتساخ وترويج كتاب ” المراجعات ” لشرف الدين العاملي في حواره المزعوم والمتخيل مع شيخ الازهر سليم البشري ، لن تتمكن من ترويج واستنساخ كتاب متوهم لكاتب وهمي يوازيه في القوة ويعاكسه في الاتجاه الا وهو كتاب ” لله ومن ثم للتأريخ ” لحسين الموسوي….بغير الترويج وطباعة واستنساخ كتاب ” ثم اهتديت ” للتيجاني السماوي ، ليس بوسعك الترويج وطباعة واستنساخ كتاب ” الشيعة والسنة ” لأحسان الهي ظهير ..بغير كتاب ” شمس المعارف الكبرى والصغرى ” للبوني ليس بوسعك الترويج لكتاب ” الصارم البتار للتصدي للسحرة الاشرار ” لوحيد بالي ،وذلك في ظاهرة لافتة للنظر كانت تطبخ من الفها الى يائها في دوائر صنع القرار وغرف المخابرات المظلمة ، ومن ثم تنفذ من دون علم المغفلين ،في ذات المطابع وبنفس مكاتب الاستنساخ في الازقة الامامية والخلفية مستغلة بطالة الناس وفقرها المدقع الامر الذي دفع الافا مؤلفة منهم الى ولوج هذا الكار – كار تجليد وبيع وترويج الكتب المستنسخة – نزولا عند رغبة الجماهير ظاهريا ….وللعمل عى تجذير الصراعات ، ترسيخ الخلافات ، تأصيل النزاعات ، توسيع دائرة المهاترات ، تكريس الطائفيات ، احياء العصبيات استعدادا لمرحلة ما بعد الحصار وبدء حقبة الاحتلال – القائم في سياسته على فرق تسد – واقعا بما ذاق وباله كل العراقيين ومن جميع الطوائف والمكونات فيما بعد وطيلة 18 عاما وبما لايخفى على احد !
ما حدث يومئذ يحدث اليوم تماما ، فهذا العراق الذي يعاني البطالة والغلاء والوباء وشدة البلاء وبدلا من اشاعة روح التكافل والتعاضد والتراحم والتألف ، بدلا من اطلاق المشاريع الخيرية والمبادرات الانسانية والقيام بالحملات الرحمانية ، متعدية النفع ومنعددته ، صرت ترى الناس وهي تتجادل في الفرعيات والمندوبات والمستحبات على حساب الفرائض والواجبات والطاعات من دون اية حسابات لفقه الواقع ، لفقه النوازل ،لفقه المستجدات ، لفقه الموازنات ، من دون ادنى مراعاة للمتغيرات الزمانية والمكانية ولا للظروف الاقتصادية والاجتماعية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر وبدلا من ان يطبق الناس الاية الكريمة ” أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ” ، والعراق جله يعيش اليوم في مسغبة ، وبدلا من تطبيق الاية الكريمة ” وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً “، في بلد تخطت نسبة الفقر فيه حاجز الـ 40 % ، الفيتهم وهم يمنعون الماعون ، للطعام يحتكرون ، في الميزان يغشون ،للاسعار يرفعون ، في العملة الصعبة يتلاعبون ، من قدر وقيمة دينارهم المحلي يحطون بل ويزورون ..بدلا من تطبيق الاية الكريمة “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ” في زمن الجائحات والاوبئة والامراض الفتاكة ” واذا بك ترى الطبيب وقد رفع من كشفيته ، المضمد وقد زاد في اجرته ، الصيدلاني في اسعار ادويته ، المختبر من اجور سوناره ومفراسه ورنينه وتخليلاته وأشعته…بدلا من ترجمة الاية الكريمة ” وجعلنا من الماء كل شيء حي ” ، الى واقع حال ملموس في وقت جفت فيه الروافد وتراجعت مناسيب الانهار، حبست فيه الامطار ، وخير الصدقة سقي الماء ، واذا بالماء يمنع ، واذا بالماء يلوث ، وذا بالماء يهدر ، واذا بالماء يتحول الى مكب للنفايات ومكان لتصريف المياه الثقيلة والمخلفات الصناعية والبتروكيماوية ..بدلا من ترجمة الاية الكريمة ” وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ” الى واقع حال ، وبدلا من تطبيق الحديث النبوي الشريف ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ” والحديث النبوي الشريف ” إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ” ، واذا بهم للبساتين العامرة يجرفون ، للمزارع الغناء يحرقون ، لزكاة الزروع والثمار يمنعون ، للنخيل يقتلعون ، على المساحات الخضراء برغم قلتها يتجاوزون ، من نسبة التصحر يزيدون ، عن الاصلاح الزراعي يمتنعون ، عن مكافحة الافات الزراعية يحجمون ، في تسميد الارض المتعبة يقصرون ، عن تلقيح النخيل والاشجار يتوقفون ، ما بالكم ياقوم ..كيف تحكمون !
ليخرج الجميع وبعد هذه المهزلة اللااخلاقية ، والدوامة المجتمعية ، والطاحونة البشرية التي يسحق الفقير بين رحاها يوميا ومن دون اي شعور بالمسؤولية ليتجادلوا في قضايا صارت – يخني – لكثرة الجدال فيها الى درجة ان الجميع صار يمل سماعها تماما ، الا انه وبرغم الملل والسآمة ليس بوسع احدهم ونتيجة لإدمانها وقد ارضعها صغيرا ان يمنع نفسه من الخوض في اوحالها بمجرد فتح باب النقاش فيها من قبل الذباب الالكتروني لغرض في نفسه !
خلاصة القول انك اذا رأيت مجتمعا يتجادل في صغائر الامور بينما يهمل عظائمها ، يركز تماما على الشكليات والفروع فيما يهمل الفرائض والاصول ، في الاوقات العصيبة التي تمر به وببلاده ، فاعلم بأنه مجتمع هزيل جدا وقد نجح الاعداء والخصوم من تسطيح فكره ، وغسيل عقله ، وحرف بوصلته، وتشتيت انتباهه ، وتمزيق نسيجه ، تشويش ثقافته ويكفيك ان تمر سريعا على مئات الصفحات العراقية لتنظر بنفسك وتتأمل فيم تبحث هذه الصفحات على مدار الساعة وفي اي الامور تتخاصم وتتجادل فيما بينها وتحتد الى حد تبادل الشتائم والسباب والتفسيق والتخوين ولن ينتهي هذا التسلسل المقيت ، والمسلسل الكريه الا حين ينشغل عموم الناس بإصلاح مجتمعهم والعمل الجاد على نهضة بلدهم ومساعدة ضعاف الناس ! اودعناكم اغاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.