رحيق الأزهار بين الشوك والدمار

العراق بستان متنوع الورود والأشجار المثمرة، بين دجلة والفرات وشط العرب، ينعم أهله فيه بالخيرات ، ينشدون أجمل القوافي وأعذب الألحان، يحتسون الشاي ساعة العصرية “الشاي السنكين”، ذو النكهة الأصيلة مع حبة أو أثنتين من الهيل، وطبق الكعك المنوع ك أبو (السمسم، والدهن، والمالح)، يتبادل الأحبة حوله أطراف الحديث، تتناسق الكلمات بين قول وسماع، مد وجزر، فرح وشجن، فالحزن مكانه ليس بيننا، ذلك الوطن الصادح بربوعه القاصي والداني.
في تلك الأثناء وأكثر، دُقّ باب غرفتي المتواضعة بعبق الذكريات، إنه ولدي ينادي أبي: “جارنا عند الباب يريد محادثتك فهل تخرج لمقابلته”.
أقشعر جسدي وانتابتني الحيرة والذهول، ماذا تقول؟، ما كنت فيه قبل لحظة أكان حلما عابرا ومضى لحال سبيله؟، لالا… لا يمكن أن يكون كذلك، يا ولد لماذا أيقظتني من نومي ولو شاء الباري لجعله سرمدا… أبي جارنا عند الباب يريد محادثتك؟!.
نهضت من فراشي مسرع الخطوة قاصدا باب الدار؛ ماراً بصالة الجلوس، وإذا بصوت يستوقفني وهو يقول: “دمر تنظيم داعش الإرهابي الكنوز التاريخية والآثار في متحف الموصل، التنظيم بث شريطا لعناصره، وهم يدمرون التماثيل في المتحف، الآثار تعود إلى حضارات بلاد ما بين النهرين، وبينها تمثال للثور الآشوري المجنح، الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد، كذلك دمر ثور مجنح آخر عند بوابة نركال الأثرية في مدينة الموصل وهو رمز للحضارة الآشورية”.
رجعت القهقرى لأمعن النظر لشاشة التلفاز جيداً، ولشفاه المذيع التي بثت الخبر… (تحطيم، دمار، قتل، سلب)، ولدي أين أنت ما يقول هذا، في أي عام نحن، ومن هم داعش؟، وما هم فاعلون بالمتاحف؟
تسمر ولدي صامتا مذهولا، يرمقني بنظرات لم أعتدها من قبل، الولد: “أبي اجلس لأخبرك عما أثار دهشتك.!، أبي.. داعش تنظيم ارهابي وحشي همجي، اجتاح المناطق الغربية من العراق، قبل عشرة أشهر تقريباً، وقد آواهم العرب السنة، وداعش مجاميع متنوعة الجنسيات قدموا من مختلف دول العالم، عبر الحدود السورية العراقية وتركيا، يلبسون عباءة الدين، هدفهم السيطرة على العراق وإنشاء دولة الخلافة الإسلامية كما يزعمون.
يقتلون الأطفال والرجال، ويغتصبون النساء ثم يقتلوهن، أحرقوا الزرع وأبادوا النسل، البلد ملئت بالمهجرين والنازحين، وخطرهم لن يقف عند العراق فحسب، هم أعداء الإنسانية والحضارة، بل هم أعداء ما جهلوا، حمقى متهورين.
وَلدي أنت قلت العرب السنة! ما يعني ذلك؟، وهل هم أعداء؟
هم سنة العراق، كما هناك شيعة العراق، وأكراد العراق، ومختلف القوميات والأديان، بعض الساسة السنة المشتركين في الحكومة لا يؤمنون بأغلبية الشيعة في حكم البلاد، فنتجت الفرقة والاقتتال الطائفي كان آخرها ذلك المشهد الدامي المتمثل بـ داعش.
وَلدي لكن على حد علمي إن المسلمين أمة واحدة، وخاصة في العراق لا وجود لتلك الفرقة، المسلمين سواسية بل إن “أكرمهم عند الله أتقاهم”، فمن أين لك بهذا الكلام الغريب؟
أبي… جارنا ينتظر عند الباب ما أقول له؟
وَلدي قل له إن أبي رجع يكمل نومه، بين ليلته ويومه، فالزمن الجميل أولى بالبقاء فيه من زمانكم المستلب المنتهب، أخرج له وقل: “كان أبي نائما حالما، يشرب الشاي مع أبيه وأمه، والبعض من أصحابه المسلمين المتنوعين والمسيحيين والأكراد، في حديقة دارنا المتواضعة، ولا توقظني من نومي إلا بعد أن يتحدوا السنة مع الشيعة مع الأكراد، مع مختلف القوميات، حينها فقط يمكن لي الجلوس معكم.

بقلم: جعفر العلوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.