رائد المسرح الديواني جبار عبد الكريم الأصفر
نبيل عبد الأمير الربيعي
ولد المناضل الراحل جبار عبد الكريم الأصفر في مدينة الديوانية عام 1932 , درس الابتدائية في مدرسة الديوانية الثانية وكان مكانها قديماً محل بناية متوسطة الاستقامة حالياً , كان متفوقاً في دراسته الثانوية , وعندما أكملها لم يتمكن من مواصلة الدراسة بسبب الحالة المادية لوالده المناضل عبد الكريم الأصفر (كرم الأصفر ) , كان الظرف لم يكن يسمح له الذهاب إلى بغداد لإكمال الجامعة, حيث كانت العائلة كبيرة ومكونة من الأب والأم وثلاثة أخوه وأربعة أخوات فأضطر التقديم لدورة المعلمين وقتها للتخرج كمعلم والعمل في المجال التربوي.
كانت اول تعيين له عام 1953 , وأول مدرسة باشرَّ فيها ناحية الصلاحية , ثم خدم في مجال التعليم متنقلاً في المدارس التالية (مدرسة المناهل والإرشاد والميثاق) , أما عام الإحالة على التقاعد فكان عام 1983.
بما أن والده عبد الكريم الأصفر كان صديق للشهيد الراحل فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي وهم يعملون سويه في ميناء البصرة عندما تعرفوا على شخص أرمني (فاسيلي) شرح لهم عن مبادئ وأفكار الحزب الشيوعي , فكان هدف الشهيد فهد تشكيل الحزب الشيوعي العراقي ووالده عبد الكريم الأصفر في مدينة الديوانية , مما دعا إلى تشكيل أول خلية ماركسية في الديوانية كان قبل عام 1928 , وكانت الكتب الحزبية تصلهم من الحزب الشيوعي اللبناني عن طريق المراسلة , حيث طلبوا منهم الحزب الشيوعي اللبناني فتح مكتبة لبيع الكتب لتكون غطاء لوصول الكتب للمدينة , وفعلا افتتح المناضل الراحل عبد الكريم الأصفر أول مكتبة في الديوانية عام 1926 ومكانها كان مقابل عوينات القادسية حالياً .
عندما ولد الراحل الأستاذ جبار الأصفر وجد أمامه مكتبة زاخرة بالكتب تشمل جميع الاتجاهات الثقافية , فكان الراحل جبار الأصفر قارئ من النوع الجيد ولهُ قدرّة على سرعة الحفظ وتقبل المعلومات , وفعلا أصبح موسوعي القراءة ,حافظاً جيد للشعر ,ولم يفارقه الكتاب لأخر لحظه في حياته , وكان آخر كتاب أعاد قراءته أكثر من مرة (علي سلطة العدالة الإنسانية ) للكاتب عزيز السيد جاسم , أي كان قبل يوم من وفاته .
اختص الراحل جبار الأصفر بتدريس اللغة العربية ,حيث كان بارع جداً بها , له الكثير من القصائد في اللغة الفصحى والشعبية , اشترك مع المرحوم علي جاسم الحمد و مسلم هاني و عزيز الفؤادي و نجم الموسوي وغيرهم في تأليف فرقة مسرحية قدمت الكثير من الأعمال المسرحية منها الناقدة والشعبية الهزلية مثل (عنتر وعبلة في القرن العشرين ) وهي مسرحية استخدمت الشعر الشعبي للحوار , (خمس مقاتلين على خط النار ) للكاتب المصري علي سالم و ( أغنية على الممر ) حيث تم تعريقها و تم إخراجها من قبل المبدع الراحل عبد السادة ناجي الأطرقجي, وقد استخدموا السلاح الحقيقي فيها ,ومسرحيات أخرى منها مسرحية ( كهوة طرف ) و( قاووش الزلم )و ( الأشجار تموت واقفة) وغيرها من الأعمال , وآخر عمل تم تقديمه كان بعنوان ( الحاج زباله) بعدها توقفوا عن العمل بسبب مضايقة حزب البعث لهم كونهم يحملون الفكر الماركسي وأعضاء في صفوف الحزب الشيوعي العراقي , وكانت مطالبة سلطة البعث بالعمل لنشر أفكاره ليس إلا , وهذا لا يتوافق مع أفكارهم ومبادئهم ,كما كانت للراحل الأستاذ جبار الأصفر عدت مشاركات مسرحية من خلال المسرح المدرسي . توفي الأستاذ والمناضل جبار الأصفر في السابع والعشرين من رمضان عام 1432 المصادف 28 /8 /2011

مسرحية( أغنية على الممر ) إخراج عبد السادة الأطرقجي

كان السلاح المقترح استخدامه في عرض المسرحية من الخشب , ولكن عند مرور قائد الفرقة الأولى ليرى التدريب على المسرحية , أدخلهم دورة على السلاح الحقيقي لمدة أكثر من أسبوع , بعدها زودّ العرض المسرحي خمسة بنادق ومسدس وهاون 60ملم تم استخدامه لليوم الأول فقط , حيث احترق الديكور , كان هذا العرض في مدينة الديوانية , وعند طلبوا منهم عرض المسرحية في السماوة كان المتفق عليه أن تخرج مظاهره بعد العرض تشجب الاحتلال الصهيوني لفلسطين وقد تمَّ ذلك .
يقول ولده عماد جبار الأصفر تعليقاً عن دور والده والآخرين في مجال المسرح :انهم كانوا لا يتقاضون أجر عن العروض المسرحية , وأغلب ريع العروض كان لدعم نادي الديوانية الرياضي , وكانوا يذهبون لمكتب المحافظ لا لدعوته للحضور بل لعرض علية شراء بطاقات حضور المسرحية . كما يؤكد الأستاذ كامل الأطرقجي وهو من عائلة مناضلة ومعروفة في مدينة الديوانية والأبن البكر لأحد المخرجين والمؤلفين المسرحيين :إن مسرحية (أغنية على الممر) كان آخر عمل أخرجه والدي عبد السادة الاطرقجي وبعدها اعتزل الفن (ميدانيأ) لكنه كان يحترق شوقا للمسرح . كان ذلك في عام 1969 , ودائماً كان يردد مع نفسه , لا يمكن أن أعيش بدون مسرح .
ويعلق الروائي سلام إبراهيم عن دور هؤلاء المسرحيين الرواد في المدينة :كانوا يلتقون في محل عمي خليل الحلاق لم يكونوا ممثلين فحسب , بل كانوا صاحبي نكتة ونوادر ما زالت المدينة ترويها , ومازال عمي خليل الحلاق حياً يرويها في المقاهي والمناسبات. كما يقترح الروائي سلام إبراهيم تجميع هذه الصور والشهادات التقديرية كي توضع في عرض دائم في نقابة الفنانين في الديوانية , على أمل إقامة متحف في المدينة يضم كل ما يتعلق بمبدعيها من الفنانين كي يحفظ وتتطلع عليه الأجيال القادمة .