رؤية نقدية لرواية عوليس للكاتب جيمس جويس

رؤية نقدية لرواية عوليس للكاتب جيمس جويس
بقلم / مجاهد منعثر منشد
الروائي جيمس أوجستين جويس ولد في العام (1882ـ ت 1941م) , في دبلن من أسرة إيرلندية برجوازية كاثوليكية. من مؤلفاته الروائية: ( صورة الفنان شابًا، 1914م. ) و(عوليس، 1922م) و ( صحوة فينيجن، 1939م) .
أما المؤلفات الأدبية الأخرى : ( ناس من دبلن، مجموعة قصصية، 1905م) و ( موسيقى الغرفة، مجموعة شعرية، 1907م) و (المنافي، مسرحية، 1914م) و(قصائد قلمية، مجموعة شعرية سيرة ذاتية، 1927م).
كان الروائي رائد عصره حيث كتب تراث أمته وتاريخ شعبه في رواية عوليس واشتهر من خلالها, فعمله هذا عمل إيرلندي بصورة عنيفة.
إن رواية عوليس الأطول عالميا والأعظم في اللغة الإنكليزية على الإطلاق يبلغ عدد صفحاتها730 صفحة, وكاتبها ابتكر من خلالها أسلوباً ومدرسة جديدة في كتابة الرواية مع نقله الكتابة من الوصف التعبيري إلى التخيل والتفكير مستخدما تقنيات أسلوبية ولغوية معيّنة في كتابته بشكل غير مسبوق.
و أبرز من قام بتحليلها وشرحها هو (دون جيفورد )(1988) في كتابه Ulysses Annotated. وأفضل ترجمة عربية هي ترجمة الدكتور طه محمود طه، أستاذ الأدب الإنجليزي، ومترجم الكاتب الايرلندي الأشهر جيمس جويس (1882-1941) إلى العربية.
الرواية قطعة فنية نادرة من حيث الأسلوب ومثيرة للجدل بين النقاد والكتّاب .و اعتبر الطليعيون المهتمون بالأدب كاتبها بطلاً وقديسًا في الأدب. ويرى بعض النقاد أن فكرة عوليس متاحة لأي كاتب، إنما أسلوب كتابتها كان غريبا وجديدا على الروائيين في حينها.
وكل فصل في الرواية له موضوع ومكان وساعة حدوث وفن ولون ورمز وأسلوب, فالقارئ يجد كل فصل مكتوبا بطريقة مختلفة، هناك فصل مكتوب على هيئة مسرحية، وفصل في صورة رواية رومانسية تافهة، وهكذا. وفي (فصل المستشفى) يدور الحوار ويتتبع جويس أساليب السرد الإنجليزي من القرون الوسطى حتى لحظته الراهنة في تسعة مقاطع تجاري شهور الحمل حتى الإنجاب. ونقف هنا قليلا مع قول مترجم الرواية إلى العربية حول مسألة اللغة, فيقول الدكتور طه: (كنت أقف أمام اللفظ الواحد أيامًا عدة، وبعد ما أعجز عن العثور عليه في القواميس، أعود لأدرك أن جويس قد نحته من لفظين من لغتين مختلفتين أو أنه جاء به من العامية المستعملة في أزقة دبلن فكان عليّ أن أترجم اللفظ المنحوت بلفظ عربي منحوت أيضا).
أحداث الرواية تقع في مدة زمنية اقصاها ثماني عشرة ساعة, فقالبها الزمني يوم واحد محدد بتاريخ (16 يونيو 1904) , وأحداثها في دبلن توازي الأحداث الرئيسية في رحلة أوديسيوس بعد حرب طروادة. والنص مقتبس من الميثولوجيا الكلاسيكية: أوديسة هوميروس.
تشعر أثناء القراءة بالمفاجأة، البهجة، والخوف الذي يمكنك أن تحتاجه. وكل شيء يخطر على بال البشر موجود فيها: تجد الفقر والمعاناة، الأدب والجغرافيا والتاريخ والفلسفة والاجتماع والعلم والمسرح والتمثيل، والإعلان والإعلام واللغة والرسم والنحت والأكل والشرب، وفيها شوارع دبلن بأسمائها والبارات والحانات والفنادق، وفيها سباق المراهنات في سباق الخيل ولغة الأزهار وطوابع البريد، وفيها كل الوظائف: أساتذة الجامعة والصحافيون والأدباء، المومسات والعاهرات، وبيوت العبادة وبيوت الرذيلة، فيها الفانتازيا والواقع والحلم والحقيقة.
الروائي جعل الشخوص الرئيسية في روايته ثلاثة تناول أفكارهم ومشاعرهم، وأفعالهم، بالنتيجة أنهم لا يمثلون أهل دبلن تمثيلاً كاملاً حقيقياً.
واستخدم في أدوات الرواية المونولوج الداخلي، بمستوى أمين ودفيق من عرض عمليات العقل بتدفق وانجراف وهذه إحدى الميزات الكبرى التي لم يسبقه أحد فيها.
وبالرغم من أن هذه الرواية فن سردي صعب ممل, غامض وغير مفهوم وغائص في اللاوعي والفوضى والاحلام والمتاهات التي تحيل الرواية إلى عوالم من التعقيد وغياب المعنى. وهذا ما جعل لها معارضين يتهمونها كبعض الروائيين والكتاب والتيارات, فعدتها الشيوعية رجعية, وأخر قال عنها بلا معنى, إلا أن تلك مجرد أراء عاجزة عن الغوص في محتوى هذا الابتكار العبقري وما يحمل من فنون أدبية غزيرة ومتنوعه, فالرواية عوليس رواية استثنائية لكل البشر ولكل الاوقات, تحقق عنصر المكان الحقيقي فيها, السرد صادق في ترتيب الوصف وبناء الشخوص والأماكن, الأفكار تتلاحق والجمل الروائية لا تتكرر وقاموس الألفاظ والمعاني يأتي بالجديد والغريب دائماً والكلام مسند إلى الوثائق التي عرضها الروائي.
أثبت الكاتب في روايته هذه من خلال السرد داخل السرد عن مدى غزارة معلوماته وثقافته ووعي الخطاب الذي يريد قوله إضافة إلى فهمه البناء الروائي الرصين والصعب, وخرج بإنجازات من عوليس:
1.أدخل كتابة الرواية في مرحلة جديدة هي المرحلة النفسية وهذا واضح بدخوله في تفاصيل أعماق الشخوص وإطلاق العنان لخياله في الاقتراب من عوالم الشعور والخفايا والأخيلة واستثارة المشاعر والأحاسيس الخاملة واستفزاز البواطن.
2.الحدّة الشديدة للحياة العقلية لدى الفرد، والتدفق السريع غير المعقول، وتعقّد الأفكار وهي تجري وتنقضي، في وفرة زائدةٍ مع كثيرٍ من التفكّك، وهو ما يستوجب الحذر الزائد إزاء إصدار أحكام قاطعة تجاه الآخرين.
وأخيرا فعمل جويس عمل فني لا يتكرر , و عبقري للغاية, ونموذج فريد لكل نزعات التجديد الأدبي في المجال الإبداعي والمجالات المختلفة للدراسات النقدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.