دلالة كلمة (شريعة) في القرآن الكريم

دلالة كلمة (شريعة) في القرآن الكريم
علي جابر الفتلاوي
قال تعالى في كتابه الكريم: (( لِكُلّ جَعَلْنا منكم شِرعة ومنهاجا)) وهي جزء من الآية الكريمة:(( وأنزلْنا إليك الكتابَ بالحقّ مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ لكلّ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ))( 1)
شِرعة في اللغة كما جاء في معجم الصحاح: ((شرع: الشريعة: مشرعة الماء وهو مورد الشاربة. والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والشِرعة: الشريعة ومنه قوله تعالى: (( لكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا .. نهج، النَهْج: الطريق الواضح وكذلك المنهج والمنهاج وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجا واضحا بيّنا.. وقال أبو عبيدة: ولا يقال نهج، ولكن أنهج. ))(2)
جاء في (التفسير الكاشف): الشرعة والشريعة لمعنى واحد، وهي الطريق إلى الماء أو مورد الماء ثم استعملت فيما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام العملية، لأن كلا من الماء وأحكامه تعالى سبب للحياة، والمنهاج الطريق الواضح. والابتلاء الاختبار. وكلمة الشريعة أخص من كلمة الدين، لأن الدين يشمل الشريعة، وأصول العقيدة. والمنهاج السبيل الواضح، أي أنّ الله جعل لكل أمة شريعة واضحة لا التباس فيها ولا غموض. وهذه الآية نص في أنّ شريعة الله لم تكن واحدة لكل الناس في كل العصور، وأنّها كانت فيما مضى مؤقتة بأمد محدود، وإنّ الأديان تتفق وتتحد في أصول العقيدة فقط، لا في الشريعة. (3)
يقول السيد الطباطبائي في تفسيره ( الميزان ) وهو يبين سبب نزول الآية، أن الآية الكريمة وما قبلها من الآيات ((نزلت في طائفة من أهل الكتاب – من اليهود – حكّموا رسول الله ( ص ) في بعض أحكام التوراة وهم يرجون أن يحكم فيهم بخلاف ما حكمت التوراة فيستريحوا إليه فرارا من حكمها ..)) لكن الرسول (ص) ((أرجعهم إلى حكم التوراة فتولوا عنه . . . والآيات مع ذلك مستقلة في بيانها غير مقيدة فيما أفادها بسبب النزول)) أي لا يتقيد الحكم بسبب النزول بل حكمها عام. وسبب النزول لهذه الآية أو غيرها من الآيات إنّما هو أحد مصاديق معنى الآية.يبين السيد الطباطبائي هذه التوجيه عن سبب النزول قائلا: ((لأن القرآن كتاب عام دائم لا يتقيد بزمان أو مكان)) .(4)
وجاء في تفسير (المختصر المفيد): القرآن يصل إلى المرحلة الإسلامية باعتبارها قمة العطاء الإلهي الثابت الحقّ، فهو من جهة يصدّق الرسالات السابقة، ومن جهة أخرى يسمو عليها ويهيمن، باعتبارها أكمل الرسالات وأكثرها تفصيلا، و الشرعة والمنهاج هما الاسلوب التفصيليّ الذي ينظّم مجمل الحياة الانسانية، ولذلك كانت الشريعة الإسلامية غير الشريعة النصرانية وإنْ اتفقتا في الروح والمنبع. وحينئذ كان اختلاف الأديان حالة طبيعيّة لتدرّج الإنسانية في تقبّل الحقائق والنظام الإلهي. وبالتالي فإن كل مرحلة بشريّة تُمتحن وتُبتلى بتطبيق الشريعة الخاصة بها، ويتميّز المحقون عن المبطلين، فلا يجوز أن نساوم على شريعتنا الإسلامية، أو أن نخلط بينها وبين غيرها من الشرائع، حتى لو كانت الشرائع الأخرى سماوية، علينا أن نسرع إلى الخير في تطبيق الإسلام على كل حياتنا، وتقديم النموذج الأفضل لنحصل على نعيم الدارين.(5)
وجاء في تفسير البيضاوي: ((لكل جعلنا منكم)) أيّها الناس. ((شرعة)) شريعة وهي الطريق إلى الماء شُبّه بها الدين لأنّه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية. وقُرِئ بفتح الشين أيضا، ((ومنهاجا)) وطريقا واضحا في الدين من نهج الأمر إذا وضح. واستدلّ به على أنّا غير متعبدين بالشرائع السابقة. (6) وجاء في التفسير المعين: ((شرعة ومنهاجا)) شريعة وطريقا واضحا في الدين تسلكه.(7)
نستوحي من الآية 48 من سورة المائدة، ومن أقوال المفسرين للآية: أن الإختلاف سُنّة إلهية، وهو مظهر لاستمرار الحياة، ولا يعد إختلاف إنسان عن آخر مبررا لهجوم وتسقيط المختلفين بعضهم على البعض الآخر، وأنّ من يحكم بين المختلفين الله وحده ورسوله الكريم ((فاحكم بينهم بما أنزل الله))، وأنه تعالى هو الهادي والحاكم بالعدل، والنبي (ص) هو من يبغلّنا ما يريد الله منّا، ومن بعده الأئمة الأطهار (ع) فهم من أناط الرسول (ص) إليهم مسؤولية الاسلام من بعده بتكليف إلهي، فهم معصومون في التسلّم من الرسول (ص)، وفي تسليم وتبليغ الاسلام سالما من التغيير والتزييف والتحريف بتقدير ولطف ربّاني. الله تعالى أراد لخلقه أن يكونوا مختلفين. ((ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة))، لكن حكمته اقتضت ذلك ((ليبلوكم))، أي ليختبركم، خلقنا الله تعالى وخلق الكائنات أجمع وخلق الكون وفق إرادته ومشيئته، وخلق لمخلوقاته سننا وقوانينا منظورة وغير منظورة لاستمرار الحياة، والإنسان تميّز عن باقي المخلوقات أنه يسير وفق منظومتين من السنن والقوانين:
الأولى: منظومة السنن الخلقية القهرية التي تعمل خارج الإرادة، والتي يتوحد فيها مع بقية المخلوقات في خضوعها لسنن الله القهرية الفطرية الغريزية، وجميع أجهزة الانسان وحواسه تعمل وفق هذه المنظومة، فاجهزتنا الداخلية مثلا: الجهاز العصبي أو الهضمي أوالقلب أوالحواس، كحاسة السمع والبصر إلى غير ذلك من الحواس والاجهزة تعمل وتؤدي دورها خارج إرادة الانسان، في هذا الجانب يتوحد الانسان في الخضوع لقوانين الله وسننه قهرا مع بقية المخلوقات، ويسمّي هذا القهر الخلقي. وهذا القهر الخلقي هو سرّ وعلّة استمرار الحياة، وأي إخلال في المنظومة الخلقية قد تؤدي إلى الموت ونهاية الحياة، هذه السنن والغرائز تنتقل من جيل إلى آخر وفق قوانين الوراثة التي خلقها الله تعالى، وأي تغيير أو خرق في هذه السنن والقوانين الطبيعية التي أودعها الله في مخلوقاته تظهر نتائج جديدة وفق سنن وقوانين أخرى كلها من خلقه وتحت إرادته ومشيئته تعالى، وقد تكون نتائج التغيير إيجابية لصالح الانسان، أو سلبية تؤدي إلى الهلاك حسب المسارات الخلقية تحققا للإرادة والمشيئة الإلهية، ولن يحصل تعطيل أو خرق في القوانين والسنن الفطرية الخلقية والنتائج المتولدة عنها إلا بالإرادة الإلهية، ومثل هذا الأمر يسمى اصطلاحا بالمعجزة. قال تعالى: ((إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون))( 8) وقد تحقق مثل هذا الأمر لأنبياء الله تعالى، منهم نبي الله إبراهيم (ع) عندما أُلقي في النار، إذ لم تحرقه النار ((قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم))( 9)
المنظومة الثانية: من السنن والقوانين، هي التي يكون فيها الانسان حرّا في الاختيار، مسؤولا عن فعله، وتدخل ضمن هذه المنظومة، التكاليف الشرعية الدينية التي بشّر بها الانبياء، مثلا الانسان حرّ في أن يصلي لله أم لا يصلي، وفي الحالتين يتعرض للحساب ما بعد الموت، وكذلك بقية الأفعال والأعمال بمختلف المسؤوليات التي يتولاها الإنسان، فالقاتل عندما يقتل ينفذ فعله، لكنّه محاسب على ذلك الفعل عند الله تعالى، إرادة الله إذا اقتضت حكمته أن لا ينفذ القتل فسيصرفه الله تعالى وفق قوانينه وسننه في الحياة، لذا الإنسان محاسب عن كل فعل يفعله خيرا أو شرّا لأنه مخيّر في ذلك، وقد جاء في القرآن عدد من الآيات التي أشارت إلى هذا الجانب قال تعالى: (( ربّنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ))( 10)
نعود للآية 48 من المائدة، قوله تعالى: (( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )) وآيات أخرى مثل: (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر))( 11)
وقوله تعالى: ((من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون))( 12)
وقوله تعالى: ((ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم))( 13)
نستوحي من الآيات، أن الله تعالى ترك للإنسان حرية الاختيار في معتقده وفكره ودينه، وحمّله مسؤولية فعله، لكن الرحمة الإلهية دائما ترعى الإنسان ولن تتركه لذاته، بل دائما ما يذكّرنا الله تعالى بطريق الخير ويدفعنا إليه بوسائل عديدة، منها أنّه يبشرنا بالفوز بالجنة في الآخرة، ويحذرنا من طريق الشرّ وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، يحثنا ولا يجبرنا، يحذرنا ولا يُكرِهنا، ويبصّرنا بطريق الخير الذي يوصلنا إلى نعيم الجنة، كذلك يحذرنا من طريق الشر الذي يؤدي بنا إلى عذاب النار في الآخرة، إنه تعالى رؤوف رحيم، فأرسل الانبياء مبشّرين ومنذرين، لكنْ من غير إكراه، قال تعالى: ((لا إكراه في الدين قد تبين الرّشد من الغيّ))(14) الإنسان مخير بين أن يؤمن أو يكفر، وحتى المؤمنون بالله ليسوا من لون واحد تعددت الأديان، بل تعددت المذاهب في الدين الواحد، وهذا الإختلاف سُنّة إلهية لابد وأن تتحقق بقوانينها ونتائجها، علينا أن نفهم أن الإختلاف إرادة وسنّة إلهية. الله تعالى أراد للإنسان أن يختار الشرعة والمنهاج الذي يريد من غير إجبار أو إكراه. لكن هل يدرك الانسان هذه الحقيقة؟
البعض من الناس للاسف يتجاهلون حقيقة الاختلاف، إذ نرى التهديد إلى المختلِف وعدم قبول الآخر، وشعور عدم قبول الآخر استغله أعداء الإسلام لتمزيق المسلمين وتفتيت وحدتهم، إذ احتضنت الدول المعادية للإسلام والمسلمين الفكر الوهابي التكفيري الذي يرفض المختلف ويشرعن قتله، واستغلت الدول المعادية هذا الفكر الوهابي الذي لا يقر الإختلاف، لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية وعنصرية وغيرها، فأشاعة القتل بين المسلمين بخلق منظمات الإرهاب التي تتبنى التكفير عقيدة خلافا لتعلميات الإسلام والله تعالى في محكم كتابه يقول: ((لكلّ جَعلْنا منكم شِرْعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم)).(15)
الآية الكريمة تفنيد لمزاعم التكفيريين الذين يدّعون احتكار فهم الدين، ويسقطون كل فهم يختلف عن فهمهم، ومنبع التكفير هو المذهب الوهابي الذي أنتج العشرات من منظمات الإرهاب التي تريد فرض الفكر التكفيري بالقوة على المختلفين، لقد خالفوا القرآن وشوّهوا صورة الإسلام الأصيل. نحن مسؤولون بأفعالنا أمام الله تعالى وحكمته وسُنّته أن نكون مختلفين.
جاء تفسير الآية في كتاب (التفسير الكاشف) بسؤال يطرحه المفسّر:
لماذا اختصت الشريعة الإسلامية بالدوام والاستمرار من بين الشرائع؟
لأنها تقوم على قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الأزمان والأحوال، لأنها تلائم الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو قديم أو حديث، من ذلك على سبيل المثال: لا يكلف الله نفسا إلّا وسعها .. كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته.. الصلح خير.. إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.. الناس عند شروطهم .. الحدود تدرأ بالشبهات.. لا ضرر ولا ضرار.. اليقين لا ينقضه إلّا يقين مثله.. درأ المفسدة أولى من جلب المصلحة.. الضرر لا يزال بضرر مثله .. الغائب على حجته حتى يحضر. وما إلى ذلك مما أفرد له الفقهاء المجلدات.
هذه المبادئ لن تتغير إلّا إذا تغيرت طبيعة الإنسان.(16) كلمة ((شريعة)) جاءت في آيات أخرى، وتعطي نفس المعنى تقريبا، من هذه الآيات:
((ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتّبعها))( 17)
((شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك))( 18)
((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله))(19)
جاء في تفسير الآية الأولى: تحولت القيادة والأمانة إلى الرسول (ص) فليحملها بقوة، ولا يأبه لأهواء الجاهلين والطامعين والمساومين.
وتفسيرالآية الثانية: المنبع واحد استقى نوح والرسول محمد (ص) وبينهما إبراهيم وموسى وعيسى، والوصية الإلهيّة الكبرى واحدة، هي لزوم إقامة الدين لله وتعميقه في النفوس والانضواء تحت رايته الواحدة، وعدم التفرّق فيه وبسببه.
أما الآية الثالثة: ألا يدرك المشركون أنّ خطّ الانبياء يدعو إلى ربّ واحد، وأن الآلهة المزعومة لم تقدّم لهم شيئا، فليس التشريع إلّا لله ولا يتم إلّا بإذنه. (20)

المصادر:
(1): المائدة: 48 .
(2): اسماعيل بن حماد الجوهري، معجم الصحلح، ص572 و ص1144.
(3): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م3، ص66 – 68 .
(4): محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص255- 256.
(5): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، المختصر المفيد، ص116.
(6): عبد الله بن عمر البيضاوي، تفسير البيضاوي، م1، ص434.
( 7): الشيخ محمد هويدي، التفسير المعين للواعظين والمتعظين، ص116.
(8): يس: 82.
(9): الانبياء: 69.
(10): فاطر: 37.
(11): الكهف: 29 .
(12): الروم: 44 .
(13): لقمان: 23 .
(14): البقرة: 256 .
(15): المائدة: 48 .
(16): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م3، ص68 – 69 .
(17): الجاثية: 18 .
(18): الشورى: 13 .
(19): الشورى: 21 .
(20): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، المختصر المفيد، ص500،485،484.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.