دعوة الشيخ قيس الخزعلي والتغيير الحقيقي

بقلم: علي جابر الفتلاوي

الشعب العراقي الصابر المظلوم الشجاع تخلص من مأساة البعث في ( 2003 )، فوقع في مأساة بعض السياسيين الجدد الذين ظهروا بعد سقوط صنم بغداد، والكثير منهم جاءوا من خارج الحدود وبعضهم يحمل الجنسية الأجنبية، الشعب العراقي في السنوات الماضية صدّق بعض هؤلاء السياسيين عندما تكلموا باسم الوطنية أو الدين، لكن ظهر أن الكثير من هؤلاء تجار سياسة، وهم يتاجرون باسم الدين والطائفة والوطنية، يتمنى الشعب لو كان هؤلاء سياسيون حقيقيون يعملون من أجل الشعب والوطن .
قبل بداية التظاهرات الجماهيرية الكبيرة المطالبة بالحقوق المشروعة والاصلاح، ألقى الشيخ الخزعلي كلمة جامعة تطرق فيها إلى المشاكل التي يعاني منها العراق جراء النظام البرلماني القائم على المحاصصة، والذي أتاح الأداء السياسي السيء لكثير من السياسيين، وفتح الثغرات لكثيرين لممارسة الفساد المالي والإداري، وأعطت المحاصصة كذلك الفرصة للسياسيين أصحاب الأجندات الخارجية، للتسلل إلى منظومة الدولة العراقية بما فيهم البعثيون أعداء الشعب العراقي، وأعداء العملية السياسية الجديدة فيه، ومن جملة ما تطرق إليه الشيخ الخزعلي كوسيلة من وسائل الحل للتخلص من هذه السلبيات والمشاكل، تغيير نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، ونحن بصدد مناقشة مقترح الشيخ قيس الخزعلي الذي أراه مهما .
يرى الكثير من أبناء الشعب العراقي وبعض القادة ممن يمتلكون الغيرة على العراق وشعبه، أن الخلاص من الإرهاب والفساد وعدم المحاسبة للمفسدين والتخلف في الخدمات إلى غير ذلك من السلبيات الكثيرة التي رافقت العملية السياسية، هو في تغيير النظام السياسي من البرلماني إلى الرئاسي، وأنا شخصيا أرى من الأفضل والأصلح للعراق هو النظام الرئاسي، لكن عندي سؤالين بصدد هذا الطرح:
الأول كيف نصل إلى النظام الرئاسي؟ والسؤال الآخر:
هل ما نعاني اليوم من سلبيات كثيرة سببها النظام البرلماني ؟
نحن نعرف أن الشيخ قيس الخزعلي من القادة الغيورين الوطنيين الذين انتصروا للشعب والوطن والمقدسات، وقد أثبت هويته الوطنية وإخلاصه من خلال الميدان، وليس من خلال الإعلام والتطبيل الفارغ، ومعه أبطال آخرون نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر البطل المجاهد هادي العامري، وهذه حقيقة يعرفها الشعب العراقي ويعرفها أعداء العراق أيضا .
طرح الشيخ الخزعلي مقترح النظام الرئاسي بديلا عن النظام البرلماني الذي لوثته أمريكا بالمحاصصة، ومعها بعض السياسيين العراقيين، وللإنصاف نقول أن أول من طالب بالنظام الرئاسي وحكومة الأغلبية السياسية من السياسيين هو السيد نوري المالكي عندما كان رئيسا للوزراء في الدورة التي سبقت تولي الدكتور حيدر العبادي للمسؤولية، وطالب آخرون أيضا بالنظام الرئاسي، يرى الشيخ الخزعلي في النظام الرئاسي طريقا للخلاص من السلبيات الكثيرة التي صاحبت النظام البرلماني المقيد بالمحاصصة، ونحن بدورنا سنجيب على السؤالين السابقين، ومن خلال الإجابة نعرف ما هو المطلوب فعله حسب الممكن وتوفر مستلزمات النجاح، لتحقيق منجز الذهاب إلى النظام الرئاسي وقبل ذلك إجراء التغييرات والإصلاحات المهمة لصالح الشعب العراقي، سيما وأن الأرضية متوفرة لتحقيق هذه الإصلاحات المشروعة بعد أن طالبت المرجعية بهذه الإصلاحات، وقد أيدت الجماهير دعوات المرجعية هذه، فخرجت في تظاهرات حاشدة للمطالبة بالحقوق وطرد الفاسدين ومحاسبتهم، علما أن هناك من المطالب التي لا يمكن تحقيقها بسهولة إلا بتشريع قانون أو تغيير بعض بنود الدستور، والشعب العراقي يعرف أن الدستور العراقي فيه الكثير من السلبيات التي لا تخدم مصالحه، وتغيير بعض مواده أصبح واجبا في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها وطننا، علما إن دعوات تغيير الدستور لإصلاح النظام السياسي ستصطدم بمعارضة قوية من السياسيين المستفيدين من الثغرات الدستورية خاصة السياسيين الكرد، والسياسيين تجار السحت الحرام المستفيدين من حالة الفوضى والتردي السياسي الحالي .
سياسيو السحت الحرام يتمنون بقاء الوضع السياسي الحالي المبني على المحاصصة على حاله، كي يكسبوا المزيد من أموال الشعب العراقي، وليحقق البعض منهم أهدافه السياسية المشبوهة خاصة المرتبطين منهم بأجندات خارجية، وأتوقع إذا خفّت موجة التظاهرات سيظهر جميع السياسيين المستفيدين من الوضع السياسي المتردي الحالي ومن مختلف الطوائف والقوميات، ليعلنوا معارضتهم للتغيير تحت ذرائع شتى، عليه لابد للسيد العبادي الإسراع في إجراء التغيير قبل تغير الظروف وفوات الفرصة المتاحة الآن .
بالنسبة للسؤال الأول كيف نصل إلى النظام الرئاسي ؟
الغالبية من أبناء الشعب العراقي يتفقون مع الشيخ الخزعلي أن النظام الرئاسي للعراق هو الأصلح، لكن لا يمكن تحقيق هذا الهدف في الوقت الحاضر، ومن أكبر العقبات في تحقيق هذا الهدف هو الدستور، الذي يمنع التغيير في مواد الدستور إذا اعترضت ثلاث محافظات على التغيير، وهذا لغم كبير وُضِع لصالح الكرد بدفع أمريكي، وقد مُرر هذا الشرط على أعضاء لجنة الدستور من التحالف الوطني لأنهم لا يملكون خبرة ونظرة نحو المستقبل، وكان هدفهم تمريرالدستور ليعبروا مرحلة من دون النظر إلى العواقب في المستقبل، الدستور ثبّت النظام البرلماني ولا يمكن الذهاب إلى النظام الرئاسي إلا بتعديله، ولا يمكن تعديل الدستور إلا بموافقة الكرد، فما هو السبيل لتجاوز هذه العقبة ؟ الواقع أن هذا السؤال محيّر! حتى بند الفيدرالية الذي تبناه السياسيون من جميع الأطياف تقريبا، هو لغم آخر وضعه الكرد من أجل تقسيم العراق بدفع وتشجيع من المحتل الأمريكي، وقد تبنته بعض الحركات السياسية من دون النظر إلى مصلحة الشعب العراقي، بل كان هدف هؤلاء مصالحهم الحزبية والشخصية فحسب، ونفس الأطراف التي تعترض اليوم على النظام الرئاسي، كانت هي من يدعو إلى الفيدرالية بحماس كبير، وإن سكتوا اليوم فسوف ينطقون غدا عندما تسمح لهم الظروف، وهؤلاء لا يهمهم تقسيم العراق قدر اهتمامهم بمصالحهم الخاصة، وقد شخص الشعب هذه الشريحة من السياسيين النفعيين، وهم من يقود مافيات الفساد داخل مؤسسات الدولة، وأخيرا نبّهت المرجعية عن فساد هؤلاء فخرجت الجماهير في تظاهرات كبيرة وهي تهتف بعزلهم ومحاسبتهم، وقد اتضحت هذه الأمور أكثر عندما نسمع دعوات تقسيم العراق من مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية التي تتعاون مع هؤلاء السياسيين الذين يعملون الآن داخل مؤسسات الدولة تحت مسمى المشاركة ( المحاصصة ) .
أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني: هل ما نعاني من سلبيات كثيرة اليوم سببها النظام البرلماني ؟ أم أن هناك أمورا أخرى لا علاقة لها بالنظام البرلماني هي السبب في التدهور السياسي !
نحن نعرف أن النظام البرلماني هو نظام سياسي عالمي تعتمده الكثير من الدول، وهو ناجح بشروطه وآلياته الديمقراطية السليمة، لكن نظامنا البرلماني في العراق ملوث بالمحاصصة التي زرعتها امريكا في جسد العملية السياسية وبقيت تنمو كأنها غدة سرطانية يصعب استئصالها، لقد رحب بعض السياسيين والكتل بالمحاصصة كأداة لتحقيق أهدافهم الخاصة، وقد سوقها الأمريكان ومعهم بعض السياسيين العراقيين والإعلام المعادي للعملية السياسية الجديدة، تحت عنوان المشاركة وعدم التهميش وهذا المنطق لغم خطير زرعه الأمريكان بالتعاون مع بعض السياسيين لتدمير إيجابيات النظام البرلماني الذي لم يبق منه إلا الإسم والشكل، إذ لا يوجد نظام برلماني حقيقي إنما توجد محاصصة مدمرة للعملية السياسية .
تتشكل الحكومة في النظام البرلماني الحقيقي حسب نتائج الفوز في الانتخابات، من يحقق الأغلبية السياسية هو الذي يشكل الحكومة، وإن لم تتحقق الاغلبية للحزب الفائز في الانتخابات يأتلف مع حزب آخر فيشكلان الحكومة، إما بقية الأحزاب الفائزة فإنها تبقى في البرلمان كمعارضة تراقب أداء الحكومة، لكن في العراق لا يوجد مثل هذا الطرح، فالكل يشترك في الحكومة والكل يعارض الحكومة، وهذا نظام غريب لا يوجد مثيل له في العالم، إذ نرى كل طرف سياسي ينزه نفسه ويرمي السلبيات على الشريك الآخر. فمن هو المفسد إذن ؟
نرى السياسيين جميعا يتكلمون عن الفساد لكن الكل يتغاضى عنه، وكأن شراكتهم تعني أن يغطي كل شريك للآخر، وهذه هي مخلفات المحاصصة التي ارتاح لها أكثرالسياسيين، وبسبب نظام المحاصصة انتشر الارهاب والفساد والمحسوبية والمصالح الحزبية والشخصية، ولن نرى نظاما برلمانيا سليما إلا بعد أن نرمي المحاصصة في سلة المهملات، لكن الكثير من السياسيين والكتل مستفيدة من نظام المحاصصة، لذا نراها تعترض على من يدعو لإلغائها بحجة المشاركة، لقد فرضت أمريكا نظام المحاصصة لسلب إرادة الشعب في الاختيار، وقد ارتاح السياسيون لنظام المحاصصة، إلا نفرا قليلا من المخلصين لوطنهم وشعبهم.
بناء على هذه المعطيات أرى خطوات الإصلاح الحقيقية يجب أن تبدأ بالغاء المحاصصة، وتشكيل حكومة أغلبية سياسية أسوة بالنظم البرلمانية في العالم، حتى ندفع من يشكل الحكومة للتفكير في النجاح فليجأ إلى اختيار الوزراء والمسؤولين حسب الكفاءة والاختصاص وليس حسب الانتماء الحزبي، وهذا ما يجري في دول العالم الديمقراطية البرلمانية، أما بقية الأحزاب الفائزة والتي لم تشترك في الحكومة فمهمتها مراقبة الأداء الحكومي من خلال البرلمان، وبهذه الطريقة نقضي على الفساد والمفسدين وعلى الارهاب لأن الإرهاب في كثير من مفاصله سياسي وهو نتيجة من نتائج الفساد، وخير دليل على ذلك تفجير سوق جميلة في مدينة الصدر قبل أيام إذ مرّالكثير من سياسيينا على الجريمة مرور الكرام، وقد حصل التفجير بعد إعلان العبادي لمشروع الإصلاح، وهذا يعني أن التفجير سياسي بامتياز، كذلك أعقبه تفجير آخر في منطقة الحبيبية، ولم نسمع من يدعو لمحاسبة الجهات الأمنية التي تقصر في واجباتها في حماية المواطنين، أو تتواطئ بسبب الفساد والمحاصصة، في تقديري أن رؤوسا أمنية كبيرة ترتبط بجهات سياسية لها دور في هذه التفجيرات، وقد تكون الجهات الأمنية متغافلة عن الارهابيين بسبب شيوع حالة الفساد .
في رأينا بعد استقرار النظام البرلماني الصحيح والسليم الخالي من المحاصصة والذي يعتمد نظام التكنوقراط في تشكيل الحكومة، عندئذ يمكن أن نخطو الخطوة الثانية وهي تعديل الدستور لإنشاء النظام الرئاسي ويكون ذلك من خلال البرلمان، رغم أننا سنصطدم باعتراض الكرد على هذا المقترح، واعتراض بعض السياسيين النفعيين، لكن لابد من اللجوء إلى هذه الخطوة إن اقتنعنا أنها هي الأصلح للعراق، سيما وأن المرجعية والزخم الشعبي يؤيد خطوات الاصلاح، من هذا المنطلق أرى دعوة الشيخ قيس الخزعلي لالغاء المحاصصة والذهاب إلى النظام الرئاسي، هي دعوة واقعية وصحيحة تنسجم مع دعوة المرجعية للاصلاح، وتتفق مع المطالب الجماهيرية من أجل الوصول إلى التغيير الحقيقي الذي يريده الشعب العراقي، هذا إذا سارت المطالبات في مساراتها السليمة من غير تأثير من أعداء الشعب العراقي الذين يبذلون جهودا وأموالا كبيرة لاستغلال الثورة الشعبية المنطلقة في المدن العراقية في الوسط والجنوب لحرفها عن مساراتها الصحيحة، عليه يجب أن تكون الجماهير في أقصى درجات الوعي لتفويت الفرصة على أعداء الشعب الذين يريدون سرقة الثورة الجماهيرية وتوجيهها لخدمة أهدافهم المعادية للشعب العراقي ولتطلعاته في الاصلاح والتغيير .

نشر بواسطة المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.