درس بليغ في رحاب القطط وعوالم الميوووو !!

درس بليغ في رحاب القطط وعوالم الميوووو !!

احمد الحاج
كنت أحمل قبيل العصر في طريق عودتي الى المنزل سيرا على الاقدام علبتي لحم دجاج لانشون واذا بي أرمق في شارع فرعي شبه مغلق من الجانبين، قطة مشردة جميلة كانت تتحسس الأرصفة بأنفها الصغير باحثة عن أي طعام لعل – خبزا …جبنا ..شحما ..بقايا عظم – يكفي لسد رمقها هنا أو هناك ، فحدثتني نفسي بأن أفتح إحدى العلبتين وألقي لها بقطعتين أو ثلاث قطع منها ، وبالفعل فقد فتحت العلبة الاولى وأخذت أرمي لها بقطع اللحم تباعا فجاءت قطة ثانية لتشاركها طعامها ، ومن ثم قطة ثالثة ..فرابعة ..فسابعة ..فعاشرة ولا أدري من اين كانوا يظهرون ويتسللون وقد كان الشارع الفرعي ساعة دخوله خاليا تماما من البشر ومن القطط ما خلا تلك التي كانت تبحث عبثا عن اي طعام فوق رصيف نظيف – اقول نظيفا لا لأننا نعيش في اوربا ..ولا لأن رفع الازبال والنفايات قائم على قدم وساق ، ولا لأن الناس ها هنا من جماعة هاي شله ، هاي فله …ارجو ان لاتتوهم ..الشارع ورصيفه نظيفان لأن امانة العاصمة كانت قد فرغت من رصف الشارع وتعبيده قبل 48 ساعة فقط لاغير – !
ماحدث ساعتها بين بني القطط من تنافس وصدام على الطعام لخص لي قصة الصراع بين بني البشر على متاع الدنيا الزائل ، والزائف …وواهم أشد الوهم من يتصور بأن نظام الطبقات، ومرذول الصفات،كالنفاق ، والرياء ، والجبن والتنافس على الفتات حكر على بني البشر فحسب !
– كان الهر الاحمر المتغطرس ، المختال بنفسه ، الواثق من قوته ، المستبد برأيه ،يريد الاستحواذ على كل قطعة من اللحم ترمى الى المجموع غير آبه بضعيف ، ولا بجائع ، ولا بخانع ولا بمريض من بني قومه ، ليستأثر بها كلها من دون سواه وإن كانت القطعة الكبيرة التي أمامه لم تؤكل ، ولم تمس بل ولم تشم بعد !
– كانت القطط الجميلة والضعيفة التي رضيت بالهوان وأبت صعود الجبال وخوض الصعاب لنيل المنال والمطالبة بحقوقها المشروعة تقف في المؤخرة وستظل على حالها قابعة هناك مالم تغير حالها أبد الدهر بين الحفر وهي تترقب بمعي فارغة وعيونها تلمع حسرة بإنتظار أن يحن الطارىء الادمي الذي اقتحم عوالمها – القططية – فيراها و يذكرها بخير وكلها أمل بأن لايذهل عنها ، أو أن يتجاهلها ، أو يبخل عليها وليس بمقدورها المنافسة مع الاقوى – على حد زعمها – للحصول على حقوقها ولاسيما على طعام شهي كهذا لن يشبع من احتكاره المتخمون ابدا واذا ما شبعوا ” فأنهم سيبددونه يمينا وشمالا ويعزمون عليه بدلا من أن يهدونه أو يطعمونه او على الاقل يتركونه لأقرانهم من الضعفاء والمهمشين لأن البقاء في شريعة الغاب حيث قانون المخلب ، ودستور الناب ..للاقوى ” ومادام الجبن والخور والخنوع قد استحكم في المجموع وتحكم ، ومادام الخوف قد تمكن من قلوب وعقول الجموع وران عليها ، كانت تظن ان الطارئ لن يقدم لها الطعام مادامها لم تقدم له فروض الطاعة والولاء وتتراقص كالقرود في حضرته ، ولم تتمرع كالخنازير تحت اقدامه وبين يديه ، ومادامها لم تنافقه أو تتملقه كما فعل الهر الأحمر وشعاره ” كلابٌ للأجانب هم ولكن …على أبناء جلدتهم أسود” كذلك صديقه الهر الاسود وهذا الأخير كان يتمسح ببناطلي وحذائي لأعطيه المزيد والمزيد من اللحم وشعاره ” تملق لتتسلق ” ربما لأن القطط الجميلة والضعيفة لاتجيد التملق بحضور الاقوى من بني جنسها ، وريما لأنها لا تحسن النفاق بحضور الاشرس من بني جلدتها ، ولم تتمرس عليهما بعد ، تاركة المجال كله للمتملق الاعتى وما نافق أحد قط كل من هو فوقه ، الا بقدر تجبره وتكبره على كل من هو تحته !
-بقية القطط المشردة متوسطة الجمال والحجم كانت تناور بين الصفين ، وتتناوب بين الفريقين ، فتارة تقف مع القطط الجميلة الخجولة المترقبة لا مع ولا بالضد ..وتارة تتملق كما يفعل كبيرها الاحمر الجشع ، ووزيره ذو الوجهين البشع ، وتارة تستأسد عندما تدرك بأن – الوقوف على التل خسارة ومضيعة للوقت وتفويت للفرص التي يتوجب اقتناصها مهما كانت التضحيات لأن الفرص عادة ما تأتي مرة واحدة ومن ثم ترحل الى غير رجعة وما فاز باللذات الا من كان جسورا – !
وكان لابد لي واذا ما اردت اطعام الضعيف من القطط الجائعة من أن أشغل الهر المتملق المنافق كذلك سيده الاحمر المتجبر بقطعتين من اللحم ترمى بعيدا عن المجموع الخائف والمتوجس والمتحسر -بمعنى حصة وسهم على نحو سهم المؤلفة قلوبهم لتلافي شرورهم – لأتمكن من إطعام الجياع الضعفاء ممن يخشون المواجهة ، ويفتقرون لروح التحدي وقد بانت من هزالهم وضعفهم كلاهم حتى سامهم واستعبدهم واقصاهم وهمشهم واجبرهم على التنحي والانكفاء والتقوقع كل خسيس وخبيث وخنيث مفلس ومن يهن يسهل الهوان عليه ، فما لجرح بميت ايلام !
واحدة من القطط الضعيفة وبعد أن قربت يدي منها أكثر من اللازم لأضمن – حقوقها – وحصولها على قطعة لحم اسوة بأقرانها لن أضمن بقاءها طويلا بعد عودة الهرين الكبيرين الجشعين ، قد نشبت مخالبها في ابهامي بقوة وجرحتني – عفويا وعن غير قصد – فهذه القطة انما كان هدفها اللحم فحسب وليس في نيتها ايذائي لأنها تعلم في قرارة نفسها بأن عودة الاسود والاحمر وفور انتهائهما من تناول القطعتين المرميتين لهما بعيدا عن المجموع حتمية ،اذ سرعان ما سيعودان للاستحواذ والاستيلاء على ماتبقى من ..النفط …عفوا ، اللحم ، ولابد لها من الحصول على حصتها قبل عودة الهر ووزيره الا انها اساءت التقدير فنشبت مخالبها في يد من يطعمها لا في يد من يمنع الطعام عنها ولو ماتت جوعا ..الجوع يؤثر على العقل ولن تنجح في دعوة وإرشاد ومخاطبة عقل خاو على معدة فارغة ..أطعِم ثم عَلِم ..أشبِع ثم أقنِع ..ادفع وسدد ثم أرشد ..أغث غافلا كارها ،تكسبه محبا عاقلا !
انتهيت من توزيع كل ما بحوزتي من اللانشون – ولا احبه بتاتا- وأخرجت منديلا ورقيا لأمسح الدم الذي يسيل من ابهامي ..وقد لقنت درسا مستلهما من عوالم القطط مفاده بأن القطط المحلية السمان التي تتملق – القوى الخارجية – من جهة، وتستحوذ على مقدرات الضعفاء من بني جلدتها من جهة اخرى ..لاتؤمن بالعدالة الاجتماعية ، ولايوجد في قاموسها شيء اسمه الرحمة ، الرفق ، الحب ، العدل ، وبالتالي فهي السبب الرئيس في المجاعة التي تعانيها القطط المسالمة الجميلة الجبانة ، ولو خرج من بينها شجاع يأبى الذلة وقد عقد العزم على أخذ حقه المشروع اضافة الى حقوق اقرانه وانتزاعها من بين مخالب المفسدين والمتجبرين فإنه وعلى الارجح سيحاكم بتهمة – الخيانة العظمى ومحاولة قلب النظام وتغيير المنظومة الفاسدة والمفسدة في الارض – وسيتهم بأنه – ابن السفارات ، وابن الرفيقات – هنا ونتيجة لقلة الخبرة ، وحداثة الثورة ، بغياب القيادة الموحدة الواضحة الفاعلة ، والوثبة على غير المألوف بعد طول نوم وسبات فإنه بعضهم لن يحسن التصرف ، وقد يرتكب من الحماقات ما يدينه ولا يسنده ، ما يكذبه ولا يصدقه ، ما ينفر الناس منه ولا يؤيده ، هذا البعض سيجرح الأيادي التي تمتد اليه مساندة له وعطفا عليه بدلا من أن يصافحها ويشكرها لظنه بأن حقه المسلوب وجوعه وفقره عائد اليها كونها لم تحسن رعايته ولم تنتبه اليه ولم تلتفت الى جوعه يوم كان متوار عن الانظار يقف في آخر الصفوف او يجلس بعيدا عنها ، بانتظار أن يفرغ السمان ويشبعوا ، ولن يشبعوا ، ولم ولن ينتبه يوما الى ان مرد فقره وجوعه وبؤسه انما يعود الى اللئيم والمتجبر القريب ..لا الى المحسن الغريب !
نصيحة اخوية اياك اياك وانت تطعم الجياع ان تنخدع بنفاق الاقوياء ، ولا بتملق السفهاء =الهر الاخمر والاسود !
اياك اياك ان تحزن او أن تغضب أو ان تفقد رباطة جأشك وحلمك كرد فعل عكسي على تهور وسوء تقدير وسوء فهم بعض البسطاء = القطة التي نشبت مخالبها في ابهامي !
اياك اياك ان تنشغل بمن يقف امامك في أول الصف وتذهل عن أوسطه وعن آخره = القطط الجميلة الخجولة والخائفة …ابحث عنهم فهؤلاء هم الاولى بالعطاء ، لكونهم الافقر برغم احجامهم عن الوقوف في الصف ولاتظنن يوما بأن من لايقف في طوابير العبيد – هو الاغنى …هو الاعز …المتعففون لايقفون في طوابير العبيد ولايتزاحمون ولايتنافسون عليها …ابحث عن المتعففين .ستجدهم هناك يجلسون بكل عزة وشموخ بإنتظار الفرج تمنعهم عفتهم وعزة نفوسهم عن مزاحمة البقية الباقية…وعليك ان تعلمهم ” بأن بين التعفف والعزة والزهد فيما عند الناس ، وبين الجبن والمسكنة والتكاسل والتقاعس خيط رفيع لا يبصره الا من الهمه الله تعالى قوة البصر والبصيرة ليميز من خلالهما بين الخيط الأبيض والخيط الأسود وليعلم بأن فجره الجديد وبعد طول ظلام دامس قد بدأ ، ووقت أشراقه قد اقترب ، وموعد شروقه قد حان !
وبما أن الشيء بالشيء يذكر فلقد حفلت موسوعات الأمثال الشعبية العربية عامة ، والعراقية خاصة بعشرات الأمثال التي تجعل من القطط – البزازين – محورا وشاهدا على واقع الحال ولعل من أجملها من وجهة نظري الشخصية هي :
– الفار لو سكر ، يرقص على شوارب البزون ! ويضرب للتهور والاندفاع الزائد بغياب العقل الرشيد الضابط لإيقاع صاحبه والحيلولة من دون ارتكاب الحماقات ..علما بأن السكر في الشاهد لايؤشر الى معاقرة الخمور المحرمة فحسب ،وانما يتعداه الى أية سكرة يتنشي صاحبها ويغيب عقله وينسى نفسه من جرائها ، إمتلاك السلاح بعيدا عن سلطة الدولة وعن المتابعة = سكرة ..غياب الرقابة عن المال العام اضافة الى ضعف المحاسبة تدفع ضعاف النفوس الى الانتشاء = سكرة تدفع صاحبها للعب بمقدرات الشعب وبالمال العام ” طوبة ” .
– ودع البزون شحمه ! ويضرب للدلالة على توسيد الأمر الى غير أهله من الفاسدين والمفسدين وغير المؤتمنين ، وبمعنى أدق “وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب “كما يحدث في العراق ومنذ 19 عاما طبق الأصل .
– اذا غاب القط إلعب يا فار ! ويضرب شاهدا على أن غياب السلطة الحازمة يسمح لكل من هب ودب بالعبث بأمن البلاد والعباد واستخدام السلاح المنفلت والمؤدلج والموازي لترويع المواطنين والدكات العشائرية والنزاعات المسلحة والعراضات وتهديد الأمن القومي ،والاستقرار الأهلي ، والسلم المجتمعي ونشر الطائفية .
– اللي يلاعب القط يتحمل خراميشه ! ويضرب شاهدا على أن الغُنمَ بالغُرم ِ ونحوه قولهم “اللي يسوك المطي يتحمل ضراطه ” ، وبالقياس عليه “اللي يعوف الزين المعدل وينتخب جوكر..يتحمل الاعيبه !” .
– البزون تفرح بعمى أهلها ! ويضرب لرغبة القطط بذهول أصحاب البيت عن مشاكساتها ،وغفلتهم عن تجاوزاتها لتأكل ما يتسنى لها من طعامهم خفية ومن دون علمهم وبعيدا عن أنظارهم ..وما أدري عليمن جبناها ؟!
اودعناكم اغاتي

نشر بواسطة المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.